العنوان حَولَ كتاب من وحي المسيح- لميخائيل نعيمة
الكاتب عثمان عبد القادر صافي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1974
مشاهدات 112
نشر في العدد 219
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 24-سبتمبر-1974
الكتاب يعبّر عن الضلال العقائدي الذي يعاني منه المثقفون النصارى
بقلم الشيخ عثمان صافي
هذا كتاب ظهر حديثًا للأديب المسيحي الشهير ميخائيل نعيمة «من وحي المسيح» ولنا ملاحظات على الكتاب نجملها فيما يلي:
1- ينبئ الكتاب- بل يعبر تعبــــيرًا صارخًا عن «الإزعاج» و«التضايق» اللذين يعاني منهما المفكرون المسيحيون بصــــدد أناجيلهم. وفي الوقت الذي يحرص فيــــه المسلمون كل الحرص على أن لا يمس قرآنهم- ينقص منه حرف أو يزاد– وهذا برهان من الثقة البالغة به، نجد النصارى- على العكس من ذلك- يتمنون لو كانوا يستطيعون إجراء تعديلات على أناجيلهم. ويمكن القول- بأن أي كاتب أو مفكر على مستوى مرموق في الفهم- بوسعه إعادة صياغة الأناجيـــــل الأربعة، فتكون أفضل مما هي عليه، وأقرب إلى التقبل بكثير.. في الوقت الذي لو مس فيه القرآن العظيم، بأن أبدلت آية مـــكان آية، أو حذفت آية منه، أو غيرت كلمة بأخرى، فإن النظم يفسد، وتشهد بذلك قواعد البلاغة والأذواق.. والعقول..
وکتاب «من وحي المسيح»، طلع علينا لیبرز هذه الحقيقة، من فم المستشعرين بها، ومن النصارى أنفسهم.
2 – ويفترض في الكتاب هذا، أنه لا يعكس رأي مؤلفه وحسب، ولكن جمهرة من المفكرين النصارى، الذين تعصف في رؤوسهم الشكوك حول الأناجيل الأربعة.. بل والمسيحية أيضًا «وسيلاحظ ذلك في كتابات المؤلف» وتأتي اعتراضات الكاتب في ظرف تصاعدت فيـــــه التضايقات وما ظاهرة المطران «غريفــوار حداد» إلا تعبير عن النزعة السالفة الذكر، حيث يعترض على «مفاهيم الكنيسة للإنجيل» و«الطقوس الكنسية التي وضعت في القرون الوسطى».. إلخ ومن البراهين على أن خلف مخاييل نعيمة زمرة من الكهنة، أنه طبعه في دار نشر أحسبها نصرانية..
3- لا يخفى أن نداءه- في أول عبارة له في الكتاب «يا مسيحي» يقصد بها المسيـح مضافًا إلى ياء المتكلم، وليس كما قد يتبادر أنه يخاطب مطلق مسيحي.
4- يلاحظ- في الصفحة الثانية- إعرابه عن التهيب مما سوف يكتب، والمخلص الذي التجأ إليه، تصنعه مخاطبة المسيح بإجلال وإكبار.
كما يلاحظ– في نفس الصفحة- ٨– الفقرة الأخيرة، تصاريحه بأن رسالته- أي رسالة المسيح «أثارت التأويل والتفاسير والمماحكات والمشاحنات الدامية وغير الدامية وكل ما نبت حولها على مر الزمان من عقائد وطقوس وتقاليد متنافسة ومتناحرة «اتهامات خطيرة للكنائس والكنسيين واللاهوتيين أجمعين ممن سبقوه وعاصروه»: ولكنه يبرر هذا الهجوم، بأنه من «نور محبته له ومحبة المسيح للكاتب» – «وليس على هدي عقله»!
5– وفي قوله: صدر ص ٩- السطرين1-2 «ومنها أنني لولا الأناجيل الأربعة
التي وصلت إلينا» إلخ، فيه إشارة واضحة إلى أن ثمة أناجيل لم تصل، ولفتة إلى اختيار الكنيسة والفاتيكان للأناجيل الأربعة هذه دون سواها، مع التعريض بالأناجيل التي طمست معالمها.
وفي هذا التصريح تلميحات خطيرة، منها ما يتعلق بصحة تواتر المسيحيـــــة كدين «قوامه الأناجيل الأربعة المتداولة» ويثير تساؤلات عن الأناجيل الأخرى ماذا كان لها؟ وأين هي؟ هل أتلفت؟ أم هي محفوظــة في مخطوطات الفاتيكان إلى غير ذلك».
قوله نفس ص ۹- سطر 4– «فهــــل يليق بي أن أخذ أشياء من تلك الأناجيل وأرفض أشياء»؟ إشعار بامتعاضه من ما ورد في تلك الأناجيل، وأنها ليست متقبلة حرفيًّا، جملة وتفصيلًا، وعلى الأقل، إن فيها شوائب وتناقضات، كما سوف يصرح الكاتب، منا، قوله- على التوالي:
6- «وإن أنا لم أفعل ذلك، فكيف أوفق بين شعوري بعصمتك وشعوري بأن الإنجيليين الأربعة لم يكونوا معصومين»؟
- فيه: إنه لم يسمهم بالرسل، مع أنهم مدعون رسلًا- وفيه اتهامهم- أي كتاب الأناجيـــل الأربعة، بأنهم غير معصومين، ومفهومه، أنهم عرضة للخطأ، ويخالف بهذا اللاهوتيين المسيحيين أجمعين، ويتضمن مطعناً بالأناجيل الأربعة، وأنهم ألفوها بوحي من أمزجتهم.. إلخ.
- وفيه، أن الأناجيل الأربعة، ليست الإنجيل المنزل على عيسى- عليه الصــــلاة والسلام- طالما كانت من وضع واضعين..
7- وعلى الرغم من زعمه بأن الإنجيليين الأربعة، اثنان منهم «لازما المسيح طـــوال مدة كرازته» – وهما متى ويوحنا، والآخران لم يكونا من الاثني عشر، أقول : على الرغم من أن هذا التصنيف يرقي بالأولين لدرجـــة النزاهة، فإنه سلط عليهما مطعنًا خطيرًا، وذلك في قوله- أنت الأخيــــر من ص ٩- «والغريب أنه لم يخطر لأي من الأربعة أن يدون ذكرياته عنك من يوم ليوم، أو حتى من عام لعام، وما فطنوا إلى الكتابة عنك إلا بعد سنوات من انفصالك عنهم».
مطاعن لا تحصى.. لماذا لم يدونوا ذكرياتهم عنه في إبان حياته- مع أن الأناجيـــــــل- الأربعة- لم تكتب إلا لهذا الهدف؟
وفيه مطعن بمبدأ التاريخ للمسيحية وحياة المسيح، حيث إن مجريات حياته وأحاديثــه وأخباره لم تدون كل منها في حينه- كمــا حصل بالنسبة للرسول- صلى اللـه عليه وسلم- الذي كان تحفظ عنه الأحاديث وتدون، بل شرع بكتابة سيرة المسيح بعد لأي.. الأمر الذي يقطع بأنهم إنما اعتمــــدوا- أعنى الإنجيليين- على ذاكرتهم، أو– بعبــــارة أصح- كل منهم على ذاكرته، وفي هذا مطعن خطير في التأليف، لا لعلة النسيان واحتمالات وحسب، بل لما تلعب الأمزجة والأعراض النفسية من أدوار في الفكر. يضاف إلى ذلك تبدل الأحداث وتجددها، وضغوط الخصوم، إلى غير ذلك.
فما قيمته- بعد ذلك لأناجيل أربعة، لا تعدو أن تكون «مجرد ذكريات» لاثنين ادعي أنهما صاحبا المسيح، وآخرين لـم يرياه، «هذا مع العلم أن ثمة خلافًا حول تاريخ الأناجيل فمن المؤرخين من يرجع ذلك إلى ثمانين عامًا بعد الميلاد ويعتبر ذلك هو الأصح، ومنهم من يرجعه إلى مئتي عام،- عفوًا الثاني هو الأصح، على أنه لو سلم بأن الأول هو الأصح– وهو رأي المسيحيين أنفسهم- على ما أذكر، فإنه يشكل مطعنًا، وذلك لتلك الهوة الساحقة الزمنية، التي تفصل المسيح – وما ألم بالمسيحية من نوازل، عن التاريخ للمسيح.
- وفي النص السابق أيضًا اتهام مبطن بالكتمان، وسيأتي مزيد عن هذه النقطة.
8- في العبارة- بين صفحتي ۹- ۱۰ – قوله: «ثم إنه يؤخذ من كلام لوقا في افتتاح إنجيله أن الذين كتبوا عنك- يقصد مسيحه- كانوا كثيرين» «وينقل فقرة من الإنجيل».
اعتراف آخر بوجود أناجيل أخرى، وذلك بنص الإنجيل ذاته. وما يدرينا أن هؤلاء الأربعة اقتبسوا عمن سبقهم؟ ثم، ما الذي اختاروه وانتخبوه من التراث وما الــذي أهملوه؟ تساؤلات خطيرة تتطلب إجابات..
ونحن- المسلمين- حين نطالب المسيحية بالأناجيل الأخرى- التي طمسوا معالمها، ليس لقناعتنا بأن ثمة أناجيل كثيرة منزلة من عند اللـه، ولكن طمس تلك الأناجيـــل في التاريخ، يعني إخفاء حقائق كانت تلــــك الأناجيل تتضمنها، كالتي في إنجيل برنابا المتداول حتى لو كان محل اشتباه. ولو لم يكن في تلك الأناجيل «أشياء» رغب الكنسيون في إخفائها في ظروف بعيدة كل البعــــد عن العصر المسيحي الذي عاشت فيه المسيحية الحقة. إذن لما كان ثمة من معنى لإخفائها، وإلغاء اعتبارها.
ونحن نفترض- وهذا معقول تاريخياً- أن يكون من أرخوا للحياة المسيحية منهم الصادقون ومنهم الملفقون. وكما أن اللبس قد وقع لكثرة ما كتب- حسب ما يدل عليه النص الذي ينقله- على التوالي- فلابد وأن تكون الحقائق اختلطت بالأباطيل.
9- قوله- ص ١٠ ص ٢: «لما أن أخذ كثير من الناس يدونون رواية الأحداث التي جرت بيننا، كما نقلها إلينا الذين كانوا منذ البدء شهود عيان للكلمة» تصريح بأنهم وصلهم ما سبق وكتب، وليس ثمة ما يمنع، من أن يكونوا اقتبسوا منه أو تأثروا به.
ولكن مما يقدح في «علمية» التاريخ للإنجيل أن الأمور بدت غامضة.. فقـــــد كان يفترض أن يحدد المتأخرون في الكتابة ما نقلوه عن المتقدمين، ويرووه بالعزو والإسناد والخلط هذا يقدح في النقل جملة.
10 – وأما التصريح- الأكثر صراحة- بوجود الأناجيل المندثرة قوله بعد- وسط ص ۱۰«أو ليس يعني ذلك أن الذي كتب عنك، حتى في ذلك الزمان السحيق، كان أكثر بكثير من الأناجيل الأربعة التي وصلتنا؟ فكيف انطمس، بل کیف طمس؟»
وفيه اتهام خطير للرسل أنفسهم الذين نقلوا الأناجيل، وليس للذين نقلوها وحسب، فكلا الفريقين، الذين كتبوا أولًا، ثم الذين تخيروا الأربعة فقط منها ثانيًا، كلا الفريقين متهمان- على حد استنتاج الكاتب.
11- الفقرة الأخيرة في ذات الصفحة ١٠ «تمني أن يكون ترك الذين عايشوا المسيح- ولو لمحة خاطفة- عن تكوينه الجسداني- فيها تلميح بعدم اكتراثهم بهذه الأمور التي تحددها، مع أنها ذات أهمية.. ويوحي عدم الاكتراث هذا بعدم الاكتراث به ذاته..
ولكن، لماذا الجسدية وحدها؟- «لون شعرك وبشرتك وعينيك وشکل رأسك وحاجبيك وأذنيك وأنفك وفمك وذقنك إلخ»؟ لماذا أهمل النواحي الوجدانيـــــــة والنفسية، والخصائص الأخلاقية وسواها..؟؟ وعرضه لهذه الأمور- توحي بأنه على إطلاع بروایات السلف عن أوصاف النبي- صلى اللـه عليه وسلم- وشدة عنايتهم بها.
ومن الملفت للنظر، على أنه- على الرغم من أن أياً من هذه الأوصاف لم يحددهــــــا الإنجيليون، فإن المسيحيين يهتمون بالــغ الاهتمام بتصويره..
12- السطر قبل الأخير ص 11 قوله: «حسب تلك النبوءات كان عليك أن تكون من سبط داود وأن تولد من عذراء».
2- قوله: من الأربعة الذين وصلتنا أناجيلهم تفرد متى ولوقا بتــدوين بعض التفاصيل عن ولادتك الفجائية وعـــن شيء «يسير جداً من طفولتك» إلخ. من الوجهة العلمية- تاريخياً وحسب قواعد التاريخ التي وضعها المسلمون، يعتبر تفرد متــي ولوقا بما تفردًا به من روايات، لا يرقى إلى ما يسمى عندنا بأخبار الآحاد، وهـو بعيد كل البعد عن التواتر، هذا فضلًا عن الانقطاع بين بدء التدوين وبين ظــــروف الأحداث. وهذا يؤدي إلى الطعن بوثائقية الأناجيل ذاتها.
ثم، لماذا تفرد متى ولوقا بذلك، مع أن الأمور هذه ليست هامشية؟ شبهات فــــــوق شبهات.. على الأخص وقد رمز إلى ذلك في قوله بعد: «وكلاهما كان حريصًا أن يطبق تلك التفاصيل على النبوءات». وكلاهمـا استعان بالملائكة إلى حد بعيد».
۱۳ – وفي عبارته الأخـــيرة السابقة، ما يشبه الاتهام بالتزوير والأسطــورة.. فسیاق کلامه يوحي بتشككه في كل ما نقله الإنجيليون، وذكره للملائكة في معرض ذلك لا يفسر إلا أنه على سبيل التعريض، والغمز.. على الأخص وقد عزز الانطباع هــــذا من عبارته التي تلت ذلك- على التوالي «وما ذلك بالمستغرب عند شعب تاريخه ملئ بتدخل الملائكة والشياطين في شئون حياته» الأمر الذي يوحي بأن الكاتب المؤلف لا يصــــدق شيئًا من هذه «الخرافات!!». على حـد ما يوحي سياق عرضه.
4 1- قوله- وسط ص ۱۲ «وبعدمـــا حيلت وارتاب في أمرها خطيبها يوسف».. إشعار بالريبة في مريم، وهو في الإنجيل- أي الخطبة- ص ١٤
وهو- على الرغم من أنه ينقل- في الصفحة هذه، غير أنه سوف يتبع ذلـــك بما يصرح بتشكله في كل هذا المنقول.
١٥- الثلث الأخير من ص ١٤ قوله رواية عن الإنجيل «ولدكم اليوم مخلص في مدينة داود، وهو المسيح الـــرب» لا يخفى أن عبارات «الرب، والأب» إلخ، هي عبارات لا تعتبر- في أصول الفقه واللغة- تنصيصًا على أنه- أي المسيح- إله، فلها تأويلات.
١٦- قوله- صدر ص ۱۳ «والغريب في أمر ولادتك من عذراء أنك لم تأت على ذكرها ولو مرة واحدة في حياتك، ولا جاء على ذكرها أي من تلاميذك الاثني عشر في خلال حياتهم معك» إلخ. ينبه إلى اهتمام المؤلف بالقضية هذه- واهتمامات سواه! مع أن النصارى يؤلهونها.
وهو ترشيح آخر للطعن في عذرية مريم- عليها السلام.
۱۷ – ولعل من أخطر ما كتب المؤلف– في مقدمته، قوله- في الفقرة ذاتهــا: «ولو أن جيران مريم في الناصرة صدقـــوا حكايتها لانتشر الخبر بسرعة البرق لا في الناصرة وحدها، بل في الجليل كله وفي اليهودية كلها، ولكانت تلك الولادة خير سلاح في يدك وأيدي تلاميذك ضد الذين شككوا في أنك المسيح المنتظر»
هذا حسب قواعد المنطق، دليــــــل مختزل، مضمرة نتيجته، وتتمتها: ولكن الخبر لم ينتشر، إذن ثبت مطعن في دعواك أنك المسيح المنتظر!
وبهذه العبارة- الخاطفة، ينسف الكاتب المسيحية من جذورها، ويقرر بطلانها، وهو تعبير عن كفره بها. وأما تزلفه للمسيح الذي زعم وسيملأ كتابه بالتغني بحبــــه، فهو لا يعدو أن يكون لـــونًا من الأدب.. الديني.
ثم يعزز هذا الانطباع بعبارته بعد- الفقرة التالية: «ها هو يوحنا يحدث عن اللفظ الذي قام بين اليهود إذ سمعوك ذات مرة، فراح بعضهم يقول إنك المسيح فينكر البعض الآخر قوله بحجة أن المسيح لا يأتي إلا من الجليــل، بــــل مــن نســـــل داود ومن عذراء، وفي بيت لحم، ولكنك لم تفعل شيئًا من ذلك»!!
أي نقد يمكن أن يكون أشد لذعًا وغيلاماً من هذا النقد- النقض..
۱۸- ثم انظر إلى عبارته بعد ذلك- آخر ص ۱۳ وأول ٤ :.. «وعن العظة البليغة التي ألقيتها في المجمع هنـــاك فأدهشــت السامعين إلى حد أن راحوا يتهامسون فيما بينهم: «أما هو أین یوسف؟» لم يقولوا «ابن مریم» بل «ابن يوسف» هكذا كان يعتبرك أهل المدينة التي عشت فيها طفولتك وقسمًا من صباك، فما سفهتهم أنت! ولا سفهتهم أمك، ولا سفههم يوسف، إلى أن يقول- ص ١٤ وسط الصفحة: «ثم ها هو متى نفسه في بدء إنجيله يرد نسبه إلى یوسف، ناسيًا أنك- حسب قوله: لــــم تأت من صلب يوسف، بل مــــن الــــروح القدس»!
وهكذا يتدرج- الكاتب المؤلف، في إقناع القارئ، أن المسيح- عليه الصلاة والسلام- ليس سوى بشر عادي ولد من أب وأم، وبهذا لا يطعن بالمسيحية وحــــدها، بل بالإسلام أيضًا..
وأما العجب العجاب، فهو أنه لا يرى غضاضة، أو ما يخل بالأخلاق، أن تنشأ علاقة بين مريم ويوسف النجار، اسمعــه يقول: أسفل ص 14.
«وإني لأسألك، وبمنتهى التواضع، هل إن أباك الذي خلق الناس ذكـــــرًا وأنثى ليتكاثروا كان يرى في علاقة الاثنين شيئًا من الرجس والنجاسة؟ وإذ ذاك فرحم المرأة كذلك شيء نجس: وقد كان في مستطاعـــه، وهو القدير على كل شيء، أن يهيئ لــك جسدًا بشرياً سوياً دون اللجوء إلى الذكر والأنثى لو هو رأى في ولادتك من رجل وامرأة أمرًا مهينًا لكرامته وكرامتك» صدر ص ١٥
والكلام هذا يتضمن معاني كثيرة بالغة الخطورة، فهو يقر العلاقة- غير المشروعة- بين مريم ويوسف- لأن نكاحًا بينهما لم يعلن على فرض التسليم بالخطبة- ثم هــو يلزم اللـه- تعالى- إما أن يخلقه من أب وأم، أو لا من أب ولا أم؟ ولا ندري المانع مـــن الاحتمال المنطقي الثالث- الأم وحدها، وهو- بهذا التصريح والهذر، يعــــارض الخلائق من الربانيين المسيحية والإسلامية- وأقرب إلى اليهودية.. أو العلمية المادية الحتمية التي لا ترى إمكانية في إنجاب امرأة دون أب إلخ..
۱۹ – ويلاحظ اهتمامه بهذه القضية.. حتى يركز عليها، ويزيد: «ومن ثم فها هو لوقًا نفسه يخاطبك بلسان أمــــك قائلًا: «يا بني! لم صنعت بنا ذلك؟ فأنا وأبوك نبحث عنك متلهفين» ص 15.
فما معنى تركيز الرجل على اتهام مريم؟!
ويستمر الكاتب في إبراز هذه النقطة، إلى أن يصرح برأيه صراحة، حيث يقــــول بلسانه هو أعني المؤلف: «كان ذلك يـوم تخلفت عن القافلة العائدة من أورشليم إلى الناصرة، فلم ينتبه أبواك إلى الأمر إلا بعد مسيرة يوم كامل» إلخ ص ١٥
وهذا بلفظ- الكفر-بكل وقاحة، أن لمريم أبوين اثنين!!
٢٠ – ولعله لا يخرج عن هذا الخط، حين يتهم مريم عليها السلام- أو بعبارة أصح، حين يتهمه هو- أي عيسى. أنه «ليس لأمه في قلبه من المكانة فوق التي لسائر الأمهات، على الإجمال، في قلوب أبنائهن» وزعم أنه «لم يجد في الأناجيل الأربعة ما يشتم منه مثل تلك المكانة» ويردف قائلًا:
«فإذا بي أسمعك تخاطبها في عرس قــانا الجليل بقولك: «مالي ولك أيتها المرأة؟ لم تأت ساعتي بعد»- أسفل ص ١٥
وفي هذا مطاعن- في كل من الابن والأم، وهو يتناقض مع ما تقرر عندنا نحن المسلمين- في علم التوحيد، من عصمة الأنبياء. وتهمة- كهذه- توجه لنبي، كفيلة بأن تقدح في صدق نبوته.
وأما تعقيبه على ذلك، بأنه «حول الماء إلى خمر لا ألذ ولا أشهى» فلا يعدو أن يكون نقلًا، لا يتصور- للكاتب، أن يصدق به، وهو الذي تعصف في نفسه كل تلك الشكوك.
۲۱ – وكذلك يحمل مديحه للمسيــــح- الفقرة الثانية ص ١٦ حين قال: «اعرف – يا مسيحي، أن ما أقوله في ولادتك لـــن ينقص مثقال ذرة من قيمتك وقيمة رسالتك التي تفوق كل قيمة..
ويقر ويعترف: «وأعرف أنه سيثـير حفيظة الملايين من تباعك الذين جعلوا مــن أمك عنوان المرأة الكاملة، المنزهة عن «دنس العلاقة الجنسية» إلخ..
أهو عطف من رجل أعماه الجنس، على مريم أن تكون محرومة منه؟ قد يكون..
ولكن كل ما سبق، يضاف إليه العبارة السابقة، تعبر أصدق تعبير عن «النزعة التجريدية» التي تعصف في المسيحية والمسيحيين.. وهو أشبه أن يمثل موجة ارتداد على الكنيسة لا لهدف حطمها.. ولكن إحيائها، خوفًا عليها من الأفكار- الدنيئة المسيحية- والطقوس الموروثة، أن تجهز عليها، وقد صرح بمثل هذا الكلام المطران غريفوار حداد منذ أيام في مقال له بالنهــــار.
وقضية «التجديد» في كلا الدينين، خطر، فعندنا- نحن -المسلمين- من ينزع إلى ذلك، ولكن تكبلهم النصوص المحكمة التي يتحتم أن تكون مرجعًا للقابلة للتأويل، وللقيود البالغة الصرامة التي وضعها السلف- رحمهم اللـه، في فهم النصوص، الأمر الذي لا وجود له عند النصارى، حتى ضاقـــــوا ذرعًا..
22 – ويبدو الكاتب– وكأنه يسخر من الذين جعلوا من مريم «شفيعتهم المفضلــة لديك، وملاذهم في الشــــدائد والمحن، والضراعات والتسابيح التي ترفع إليها ليل نهار تكاد تفوق بعددها تلك التي ترفع إليك.» ولكن ستــدرك بعــد ذلــك «ولا يندر أن يستجاب بعضها إذا ما رافقته حرارة عاليـــة من الإيمان، فالإيمان، في النهاية، هــــو الذي يجترح المعجزات» ص ۱۷ صــــــــــدر الصفحة.
ويوالي الكاتب «الإيمان» اهتمامًا خاصًا، حسبما اتضح لي من تفتيح صفحات الكتاب، وهو أمر مشكل.. كيف يجمع هذا الرجل بين الشك واليقين، أم هو الشعر.. غير الموزون..؟!
٢٣ – ويعود المرة تلو المرة ليركز على نبوة المسيح لبشر إنسان، في قوله ص ١٧– وسط الصفحة! «لا. ليس يحط من قيمتك وقيمة رسالتك أن يكون لك أب في الأرض ما دام لك أب في «السموات» ولا يحط من قدر أمك أن تحبل بك كما حبلت حواء بقابيل وهابيل، وكما حبلت وتحبل بنات حواء منذ أن كان الإنسان على الأرض» صحيــــــــح أن لا يحط من قدرها ولكن فيما لو تزوجت، ولم يخبرنا- سبحانه، أنها وابنها آية.
24- قوله- الثلث الأخير من ص ۷۱: «حسب أمك شرفًا ومجدًا أن تكون أمـــك، أن تحملك في أحشائها تسعة شهور، أن يجري دمها في دمك.. إلخ» مواصفات عادية، لأية امــــرأة..
وهكذا يتضح، أن الرجل، بالغ في الرجل، في خاتمة مقدمته، حين قال:
«أما أنت يا مسيحي، فكالشمس التــي تبقى شمسًا سواء من الصحراء (...) أطلت على الناس، أم من البحر، أم من قعر واد، أم من ذروة جبل».
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل