العنوان مفهوم خطيئة آدم في النصرانية والإسلام
الكاتب عزية علي طه
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1987
مشاهدات 77
نشر في العدد 841
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 03-نوفمبر-1987
• علماء اللاهوت في الغرب يرون أن مبادئ المسيحية كلها انبنت على فكرة الخطيئة
الأولى
• لا يمكن أن يظل أبناء آدم وأحفاده ملوثين بالخطيئة حتى يتم تطهيرهم عن طريق
التعميد كما يدعي النصارى
تمهيد:
لقد وردت قصص كثيرة في كتب
النصارى واليهود تتعلق بأمور العقيدة والتشريع والغيبيات، وهي تتشابه مع بعض الوجوه
ما ورد في القرآن الكريم من حقائق حول تلك الأحداث، إلا أننا نجد أن هناك كثيرًا جدًّا
من الغموض والأكاذيب والأباطيل تحيط بهذه القصص وتجعلها أقرب إلى الخرافات منها إلى
الحقائق التي يقبلها العقل وتطمئن إليها النفوس مع حكمة التشريع الإلهي، من ذلك قصة
عصيان سيدنا آدم عليه السلام لله وأكله من الشجرة المحرمة والتي يسميها النصارى بالخطيئة
الأولى.
أصل قصة خطيئة آدم عند النصارى
إن قصة الخطيئة الأولى والتي
تمثلت في عصيان سيدنا آدم عليه السلام لأمر الله سبحانه وتعالى فيما يختص بموضوع الأكل
من الشجرة المحرمة لم ترد في أسفار العهد الجديد، وإنما اقتبس النصارى تلك القصة من
بعض أسفار العهد القديم وضمنوها أناجيلهم.
ولقد وردت قصة إخراج سيدنا
آدم من الجنة في الإصحاح الثالث من سفر التكوين ونصها كالآتي: لقد رأت المرأة أن الشجرة
جيدة الأكل فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل، فتفتحت أعينهما وعلما
أنهما عريانان، فخاطا أوراق التين وصنعا لأنفسهما مآزر، وسمعا صوت الرب في وسط شجر
الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله وسط شجر الجنة، فنادى
الرب آدم وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت فقال:
من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألَّا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة
التي جعلتها معي أعطتني من الشجرة فأكلتها، فقال الرب للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت
المرأة: الحية أغرتني فأكلت.. وقال لآدم: لأنك سمعت لقول امرأتك ملعونة الأرض بسببك..
وقال الرب هوذا: الإنسان قد صار كواحد منا عارفًا للخير والشر، والآن لعله يمد يديه
ويأخذ من شجر الحياة أيضًا ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب من جنة عدن.. طرد الإنسان
وأقام الرب شرقي جنة عدن لهيبًا متقلبًا لحراسة طريق شجر الحياة.
وهكذا تصور القصة الإله في
صورة الغضبان الآسف للمعصية وفي صورة من يخاف أن يرتكب آدم عليه السلام معصية أخرى
في غفلته ويأكل من شجرة الخلد فيصير خالدًا كالإله، كما تصور الأرض بأنها قد أصبحت
ملعونة بسبب الخطيئة التي ارتكبها آدم تحت إغراء زوجته.
مكانة الخطيئة الأولى في عقيدة
النصارى
من الملاحظ أن النصارى قد أسسوا
مبدأ كاملًا وعقيدة ثابتة في ديانتهم وأناجيلهم بناء على هذه القصة؛ حيث سموا هذه القصة
بمبدأ الخطيئة الأولى، بل تفرعت من هذه القصة أركان ودعائم قامت عليها العقيدة النصرانية
بأكملها، مثل مبدأ الصلب واللاهوت الخلاص وعقيدة الثالوث، وفكرة التعميد وغيرها.
أما مبدأ الصلب أو فكرة اللاهوت
الخلاص فتتمثل في الزعم بصلب المسيح الذي يعتبرونه ابنًا للإله أرسله قربانًا ليفدي
البشرية ويطهرها من آثار الخطيئة الأولى التي ارتكبها آدم أبو البشر، والتي لا يمكن
أن تغفر إلا عن طريق هذا القربان بزعمهم، كما أن جميع البشر مطالبون من قبل النصارى
بالإيمان بتلك القصة حتى يتطهروا من أوضار تلك الخطيئة ويؤهلوا أنفسهم للدخول في مملكة
الرب.
ولقد انبنت على تلك القصة أيضًا
فكرة تعميد الأطفال حديثي الولادة لدى النصارى؛ أي غسل المولود بماء يباركه القس، وذلك
لاعتقاد النصارى الجازم بأن هذا الذنب الذي ارتكبه آدم ينتقل عن طريق الوراثة إلى أبنائه
وأحفاده، ولا ينجو من هذا الذنب إلا من غسله القس بهذا الماء، وبعدها يصير عضوًا مؤهلًا
للانضمام إلى ركب المؤمنين بزعمهم، فالشخص الذي لا يعمد لا يدخل في مملكة الرب ويظل
ملوثًا إلى الأبد بالخطيئة التي ورثها عن أجداده، ويظل تحت غضب الرب إلى أن تقوم الساعة.
أصل الشر في العالم كما يتصوره
النصارى
يعتقد النصارى بأن هذه القصة
هي أصل الشر في العالم، وهذا يظهر بوضوح في رسائل بولس الذي ربط الخطيئة بالجسد وادعى
بأن الجسد شر يجب التخلص منه عن طريق الزهد في الدنيا وملذاتها، وهو يقول في إحدى رسائله
لأهل روما: إن الخطيئة قد تسربت للعالم عن طريق رجل واحد، وهذا الرجل تسبب في موت جميع
البشر وهلاك ذريته.. إنها حقيقة ثابتة أعلنها لكم في هذه الرسالة أن الناس جميعهم مذنبون
بسبب خطيئة رجل واحد، لكن رحمة الإله أكبر من ذلك بكثير، لذلك أعطانا رحمة لا نستحقها
عن طريق رجل واحد هو عيسى المسيح.. فما أعظم ما صنعه هذا الرجل الأخير للبشرية.. إن
كل من يؤمن به سينال من تلك الرحمة التي جاء بها وسيحيا حياة أبدية.
تمحور النصرانية حول حادثة
الصلب
يرى علماء اللاهوت في الغرب
أن مبادئ المسيحية كلها انبنت على فكرة الخطيئة الأولى وقصة الصلب والفداء لخلاص العالم
من خطيئة آدم، ومن هؤلاء العلماء برون الذي زعم بأن صلب عيسى وقيامه من الموت ثانية
هي التي غيرت مجرى الأحداث التاريخية حول قصة النبي الذي بعث في بلدة الناصرة بفلسطين؛
إذ إن حادثة الصلب أو قصة الكفارة صارت المحور الذي ارتكز عليه سكان منطقتي الناصرة
وأورشليم في تصوراتهم عن المسيحية.
ومنهم جوشيا رويس والذي زعم
في كتابه المسمى بمشكلة المسيحية بأن قصة الصلب والكفارة هي أصل الديانة المسيحية،
بل أكد بأن هذه القصة هي المحور الرئيسي الذي تدور حوله المسيحية.
أصل قصة خطيئة آدم في الإسلام
لقد بين الله سبحانه وتعالى
في بعض الآيات من سور القرآن الكريم إكرامه لسيدنا آدم عليه السلام، وذلك عندما أمر
الملائكة بالسجود له، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:
34).
إن السبب في استكبار إبليس
كما جاء في تفسير ابن كثير هو حسده لآدم عليه السلام على ما أعطاه الله من الكرامة
وقال: أنا ناري وهذا طيني.
يرى ابن كثير أن إبليس ظن أن
الفاضل لا يسجد للمفضول فامتنع بذلك عن طاعة الله؛ لأنه من نار والإنسان من طين، فالشيطان
نظر هنا إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده
ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا فأخطأ في قياسه.
إن الله سبحانه وتعالى بعد
أن أسكن آدم وزوجه الجنة حذرهم من إبليس الذي رفض السجود لآدم في قوله تعالى في سورة
طه: ﴿فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا
مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ
لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (طه: 117- 119).
من الواضح من هاتين الآيتين
أن آدم كان يعيش في الجنة عيشًا رغيدًا هنيئًا بلا كلفة ولا مشقة، وأن الله سبحانه
وتعالى أوصاه بعدم طاعة إبليس؛ لأن الله سبحانه وتعالى كما جاء في تفسير ابن كثير أيضًا
خلق آدم بعزيمة يستطيع السيطرة عليها وأنه إن ضعف أمام إبليس تعب وشقي في طلب رزقه
بعد أن كان يجده بدون تعب أو نصب.
دور الشيطان في غواية آدم وحواء
ومن آيات القرآن الكريم أيضًا
نستخلص أن الشيطان هو الذي أغوى آدم وحواء وحثهما على مخالفة أمر الله بأكل الشجرة
المحرمة وليست حواء أو الحية كما يدعي النصارى في قصصهم، بل إن حواء نفسها كانت ضحية
مثلها مثل آدم لغواية الشيطان وخداعه، قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ
لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا
رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا
مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف:
20، 21).
إن هذه الآيات توضح بأن الشيطان
هو الذي أغوى آدم وحواء؛ بل إنه افترى على الله الكذب وزعم لهما بأن أكلهما من الشجرة
سيجعلهما ملكين أو خالدين، وأقسم بأنه ناصح لهما، وذلك كما ورد في تفسير ابن كثير.
وعلى الرغم من تحذير الله سبحانه
وتعالى لآدم وحواء إلا أنهما ضعفا أمام إغراء الشيطان ووسوسته، قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا
ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا
مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ الآية (الأعراف: 22).
توبة آدم وزوجه وخروجهما من
الجنة
لقد وضحت الآيات القرآنية بأن
آدم عليه السلام وزوجه قد تابا وأنابا فتقبل الله توبتهما؛ قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا
أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
(الأعراف: 23).
وبعد توبة آدم عليه السلام
وزوجه أمر الله سبحانه وتعالى آدم وحواء وإبليس بالهبوط من الجنة؛ فقد جاء في سورة
البقرة قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ
مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (البقرة: 36)
هذه هي قصة سيدنا آدم عليه
السلام والخطيئة التي ارتكبها كما يصورها القرآن الكريم، ولقد تاب آدم عليه السلام
وأناب وغفر الله له ذلك كما هو واضح من الآيات السابقة.
وعليه فلا يمكن أن يظل أبناء
آدم وأحفاده ملوثين بالخطيئة حتى يتم تطهيرهم عن طريق التعميد كما يدعي النصارى، فالإنسان
يولد على الفطرة كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري بسنده من
حديث أبي هريرة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مولود إلا
ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه».
إذن فخطيئة سيدنا آدم عليه
السلام قد انتهت بتوبته التي تقبلها الله سبحانه وتعالى، كما جاء ذلك في القرآن الكريم،
وهذه هي الحقيقة، وهذا هو الشيء الذي يتوافق مع العدل الإلهي؛ إذ لا يعقل أن يخطئ شخص
وتعاقب ذريته على تلك الخطيئة، كما لا يعقل أن يرسل الإله ابنه كما يدعي النصارى ليهان
ويقتل ويصلب ويمثل به في سبيل غفران ذنب لم يرتكبه هذا الابن أصلًا، بل ارتكبه شخص
آخر منذ بدء الخليقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل