العنوان خدعة جديدة.. التطبيع الشامل مقابل تجميد مؤقت للاستيطان
الكاتب رأفت مرة
تاريخ النشر السبت 03-أكتوبر-2009
مشاهدات 56
نشر في العدد 1871
نشر في الصفحة 14
السبت 03-أكتوبر-2009
● تجميد الاستيطان... مطلب أمريكي حقيقي أم سبب للمماطلة والخداع؟!
● كيف يقنعنا أوباما بجديته في منع الاستيطان بينما يسمح لكبريات المنظمات الصهيونية بجمع تبرعات للاسر اليهودية المهاجرة للمستوطنات ولبناء وحدات سكنية جديدة؟!
● ٢٠ من أصل ۳۰ وزيرا صهيونيا في الحكومة الحالية يسكنون في مستوطنات الضفة الغربية والقدس منهم ليبرمان!
● المستوطنون استغلوا العدوان الصهيوني على غزة لتوسيع أعمال البناء في المستوطنات والبؤر الاستيطانية
● أكثر من ١٤ مليار دولار أنفقتها الحكومات الصهيونية المتعاقبة على مستوطنات الضفة الغربية خلال العقود الأربعة الماضية
منذ استلامه للسلطة ودخوله البيت الأبيض، في يناير الماضي، بدأ الرئيس الأمريكي باراك أوباما بإطلاق رؤيته لحل القضية الفلسطينية، وإنهاء الصراع في المنطقة. وبدأ «أوباما» يتحدث عن إجراءات عملية على الأرض وخطوات فعلية في محاولة منه لإظهار جديته وجدية إدارته بعكس الصورة التي أرساها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن وإدارته السابقة التي لم تحرك ساكنا تجاه قضية الشرق الأوسط، إلا في السنة الأخيرة من حكمه.
أوباما تحدث عن إرسال مبعوث شخصي له إلى المنطقة، ودعا إلى تجميد الاستيطان، واعتبر أن هذا التجميد سيساهم مساهمة فعالة في الوصول إلى حل وألقى خطابين في تركيا ومصر، ضمنهما رسائل إيجابية للعالم الإسلامي، على أساس أن تكمل هذه الرسائل جو المصالحة في المنطقة.
● الفشل من أول مواجهة !
نجح «أوباما» في تجميل صورته بالخطوات التي تحدث عنها كلاميا، لكنه لم ينجح في أي خطوة عملية .. فقد ظل يرسل مساعده جورج ميتشل إلى المنطقة، ويشدد على مسألة واحدة هي تجميد الاستيطان، دون أن يوضح ماذا يعني تجميد الاستيطان؟ هل كان «أوباما» يعني وقف البناء بشكل كامل في كل المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية والقدس وغور الأردن؟ أم وقف البناء المستقبلي والاستمرار فيما عهدت به الحكومة الصهيونية ومنظمات الاستيطان للشركات المتعهدة؟
وهل كلام «أوباما» يعني توقف سلطات الاحتلال الصهيوني عن مصادرة الأراضي التي شملت آلاف الدونمات خاصة في الأشهر الأخيرة؟ وتوقف الاحتلال عن التوسع فيما يسمى «النمو الطبيعي للمستوطنات»؟!
أم التوقف عن مصادرة الأراضي الفلسطينية لأغراض زراعية أو عسكرية صهيونية؟ وبما أنه لا إجابات مقنعة أو نهائية عن كل هذه الأسئلة فإن أقل ما يمكن أن يقال عن هذا الأمر، هو أن موقف «أوباما» هو موقف قاصر لا أكثر، وأنه فشل في أول مواجهة مع الصهاينة.
وإذا كان الرئيس الأمريكي جاداً في منع الاستيطان ومكافحته، فهل قرار التجميد يشمل منع جمع التبرعات المالية من قبل ؟
جمعيات استيطانية داخل الولايات المتحدة؟ وكيف يمكن له أوباما أن يقنعنا أنه جاد في منع الاستيطان وهو يسمح لكبريات المنظمات الصهيونية بالعمل في الولايات المتحدة لجمع التبرعات لصالح بناء وحدات سكنية جديدة ولصالح دفع مساعدات مادية للأسر اليهودية أو المهاجرة التي ستقيم في المستوطنات وتضطر أن تدفع لكل عائلة عشرات الآلاف من الدولارات شهريا لتشجيعها أو لرشوتها على الإقامة في الضفة الغربية.
● العقدة «الإسرائيلية
لا شك أن هناك عقدة سياسية تواجه الولايات المتحدة في منع أو تجميد الاستيطان. فوصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما، إلى البيت الأبيض أعقبه وصول الليكود ، بزعامة بنيامين نتنياهو إلى الحكومة الصهيونية بعد انتخابات عامة فاز فيها اليمين الصهيوني المتطرف، وهذا اليمين مؤيد بالكامل لفكرة الاستيطان ويدعم أي خطوة تدعم التوسع الاستيطاني، ويرفض من حيث المبدأ مناقشة تجميد أو تأخير الاستيطان لأي سبب كان. ولليمين الصهيوني حصة الأسد في الكنيست وهو متحالف في حكومة ائتلافية، و«نتنياهو» لا يمكنه تشكيل حكومة إلا بالتوافق مع اليمين ومن يؤيده بعد فشل ائتلافه مع حزب «كاديما» بزعامة تسيبي ليفني». إذا «نتنياهو» بحاجة لليمين ولا يأبه بمشاعر أو بقرارات أوباما، ثم إن المعطيات تقول: إنه من أصل ثلاثين وزيرا صهيونيا في الحكومة الحالية هناك عشرون يسكنون في مستوطنات في الضفة الغربية وجوار القدس، ومن بينهم وزير خارجية العدو أفيجدور ليبرمان، فكيف سيوافق هؤلاء على تجميد الاستيطان؟ وكيف سيعود هؤلاء إلى منازلهم إذا ما قرروا تجميد الاستيطان؟ وكيف سيضمنون فوزهم في أي انتخابات قادمة في دولة اعتادت كل سنتين تقريباً على تنظيم انتخابات عامة؟
● هناك عقده سياسية أخرى هي رفض رئيس الوزراء الصهيوني المبدأ تجميد الاستيطان، فهو أساسا مع مشروع الاستيطان وروج له في كتبه ومقالاته وبرامجه السياسية والانتخابية، إضافة لذلك هناك صقور كثر داخل الليكود. ومتنافسون على موقع زعامة الحزب ورئاسة الحكومة، ويدرك «نتنياهو» أن أي هفوة منه تجاه تجميد الاستيطان ستكلفه حياته السياسية، وهو غير مستعد للتنازل لصالح أوباما أو محمود عباس الضعيف غير القادر على مواجهة «حماس».
والأمر لا يقتصر على الأحزاب السياسية الصهيونية أو المنظمات الدينية، فالمؤسستان العسكرية والأمنية ترفضان الانسحاب من أي مستوطنة أو تفكيك أي منها، والكيان الصهيوني يدرك أن قوات الأمن الصهيونية ستعارض أي قرار بإخلاء مستوطنات، وإذا قبلت العناصر الأمنية الصهيونية اليوم بالتجميد فإنها ستقبل غداً بالإخلاء، لذلك اجتمعت جميع العوامل ضد قرار «أوباما» الذي ما هو إلا موقف كلامي.
● عقبات أمام وقف الاستيطان
أيضًا هناك عقبات تقف أمام مطلب الرئيس الأمريكي بوقف الاستيطان، أهمها : الأحداث والمستجدات السياسية الطارئة.
فواشنطن وتل أبيب تدركان عمق المأزق الذي يواجهه محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية مع الفلسطينيين وقواهم السياسية، ومع حركة «حماس» تحديدا. فعباس لم ينجح في إخضاع «حماس»، كما لم ينجح في استئصالها أو في المصالحة معها، وداخل فريق السلطة هناك خلافات وصراعات كثيرة وشعبية محمود عباس ضعيفة، والوضع الاقتصادي للسلطة متراجع وأزمات حركة فتح الداخلية أكثر من أن تحصى والإسرائيليون يشككون دائما بقدرة محمود عباس على التفاوض أو على تقديم ثمن جيد للإسرائيليين، فكيف سيقبلون بتجميد الاستيطان في هذا المناخ؟ والعقبة السياسية الثانية هي الموضوع الإيراني، فالحكومة الصهيونية لديها أولوية لمواجهة إيران وهي تدفع المجتمع الدولي وعلى رأسه واشنطن لاتخاذ خطوات عملية لضرب إيران أو لإضعافها ومحاصرتها ، ولن تقبل حكومة نتنياهو بالتجاوب مع أي مطلب أمريكي يتعلق بتجميد الاستيطان أو غيره قبل أن ترى خطوات عملية ضد طهران. وعلى الجبهة الشمالية أي الحدود مع لبنان، تدرك الحكومة الإسرائيلية أن هذا الملف معقد ومتوتر والاحتلال الإسرائيلي يستعد لاحتمال حصول مواجهة مع حزب الله في الشمال أو مع «حماس» في قطاع غزة، وبالتالي فالاحتلال لا يريد من خلال قبوله بتجميد الاستيطان أن يظهر بمظهر الضعيف أو الباحث عن حلول وتسويات.
● الموقف العربي
أيضاً هناك قناعة عربية بأن موقف الرئيس الأمريكي من مسألة تجميد الاستيطان موقف مجتزأ وغير عملي أي أن تجميد الاستيطان ونقطة على السطر لا تكفي، فالمطلوب عربيا خطوات عملية نحو إقامة الدولة الفلسطينية والتخفيف عن الفلسطينيين وتحجيم دور حكومة «نتنياهو». ثم إن هناك ما يشبه الإجماع العربي على رفض الانخراط خلف التناغم الأمريكي الإسرائيلي الحاصل، في أوباما، يطلب من «الإسرائيليين تجميد الاستيطان، لكنه يوبخ العرب ويضغط على زعمائهم ويطالبهم بخطوات صعبة منها التطبيع الشامل.
لذلك جاءت غالبية المواقف العربية إيجابية هذه المرة برفض الطرح الأمريكي سواء تلك المواقف الجماعية التي صدرت عن مؤسسات عربية مثل مجلس التعاون الخليجي»، أو «جامعة الدول العربية.. أو التي صدرت عن مسؤولين مثل وزيرا خارجية مصر والسعودية.
وباتت هناك قناعة فلسطينية وعربية أن موقف الرئيس الأمريكي بتجميد الاستيطان ما هو إلا خداع أو مماطلة هدفه الحصول على مكاسب سياسية للكيان الصهيوني، أكثر مما هو موقف لدفع التسوية.
وظهرت الحيلة الأمريكية في القمة التي جمعت أوباما وعباس و«نتنياهو» هذا الشهر في نيويورك أثر فشل المبعوث الأمريكي «ميتشل» في تجميد بناء منزل واحد في مستوطنة احتلالية، إذ تراجع أوباما» وبدأ يتحدث عن كبح الاستيطان ويوبخ عباس والزعماء العرب، بل ويؤيد دولة يهودية للإسرائيلين !
قطار الاستيطان لا يتوقف !
وفيما يستمر الجدل، ينطلق قطار الاستيطان بلا توقف فقد ذكر تقرير لحركة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان، لعام ۲۰۰۹م، أن عدد المباني المشيدة في المستوطنات الإسرائيلية» في الضفة الغربية المحتلة ارتفع بنسبة ٦٠% عام ۲۰۰۸م.
وأنه تم بناء ما لا يقل عن ١٢٥٧ «منشأة» بما فيها ٧٤٨ مبنى دائما »، و ٥٠٩ منازل نقالة، ما يمثل زيادة بنسبة ٦٠% مقارنة بالعام ۲۰۰۷م، حيث تم حينها بناء حوالى ۸۰۰ منشأة».
ويوضح التقرير أن ٦٨% من مجمل المباني الجديدة شيدت في المستوطنات الواقعة غرب «جدار الفصل»، فيما بني ٣٢% منها في المستوطنات الواقعة شرقه.
وأشار التقرير إلى أن المستوطنين استغلوا العدوان الإسرائيلي على غزة من أجل تعزيز وتوسيع أعمال البناء في المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وأنه يصعب رصد حجم البناء الذي تم تنفيذه خلال العدوان، موضحا أنه تم شق عدد من الطرق الجديدة، وتوسيع السيطرة على أراض متاخمة للمستوطنات.
كما أظهر التقرير السكاني للإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة أن عدد المستوطنين في هذه المنطقة تخطى للمرة الأولى الـ ٣٠٠ ألف مستوطن.
وتكمن قيمة هذا الرقم في حقيقة أن «إسرائيل» لا تدرج في هذه المعطيات أرقام المستوطنين اليهود في المناطق الواقعة ضمن تصنيف «القدس الكبرى، ومعلوم أن أعداد المستوطنين اليهود في محيط القدس الشرقية وحدها لا تقل عن ١٥٠ ألف مستوطن آخر. وقد نقلت صحيفة «هآرتس» عن التقرير نصف السنوي الأخير الصادر في ٣٠ يونيو ۲۰۰۹م، أنه يسكن في الضفة الغربية حاليا ٣٠٤,٥٦٩ مستوطنا يهوديا.
وتضم الكتل الاستيطانية المحيطة بالقدس ۲۷ مستوطنة على النحو التالي: كتلة غوش عتصيون ١٤ مستوطنة، وكتلة معاليه أدوميم ٨ مستوطنات، وكتلة جفعات زئيف ه مستوطنات.
كذلك أظهر تقرير أصدرته مؤسسة معهد الأبحاث الإسرائيلي للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، في تل أبيب، أن الحكومات المتعاقبة في الكيان الصهيوني أنفقت أكثر من ١٤ مليار دولار على المستوطنات في الضفة الغربية خلال العقود الأربعة الماضية.
وضمن هذا أيضا كشفت دراسة تحليلية مؤخرا أن الاحتلال الصهيوني خلال الفترة الواقعة من ۱۹۹٦ إلى ۲۰۰۷م، عمد إلى زيادة مساحة المستوطنات في الضفة الغربية بما نسبته ٨٥ وقالت الدراسة التي أعدها معهد الأبحاث التطبيقية (أريج) : « إنه في الفترة الممتدة بين عامي ۱۹۹٦ و ۲۰۰۰م تمكن الاحتلال من زيادة مساحة ورقعة المستوطنات في محافظات الضفة بنسبة قدرها ٤٢، وكان التوسع الأكبر والملحوظ في محافظة بيت لحم أي على حساب أراضي الضفة الغربية.