; خسرنا المعركة.. وأصبحت «إسرائيل» دولة آبقة وقادتها مجرمي حرب مطاردين | مجلة المجتمع

العنوان خسرنا المعركة.. وأصبحت «إسرائيل» دولة آبقة وقادتها مجرمي حرب مطاردين

الكاتب جمال خطاب

تاريخ النشر السبت 16-يناير-2010

مشاهدات 93

نشر في العدد 1885

نشر في الصفحة 18

السبت 16-يناير-2010

  • كيف نندهش من أوامر القبض على سياسيينا وعسكريينا لمحاكمتهم كمجرمي حرب.. وقد أصبح العالم ينظر إلينا كدولة آبقة؟!
  • الحل الوحيد الآن هو التخلي عن الضفة الغربية والقدس الشرقية وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.. أو القبول بأن نكون دولة منبوذة.
  • أقول لله وللحقيقة: إن «تسيبي ليفني» كانت في قلب المجموعة التي اتخذت القرار وحددت ساعة الصفر العملية «الرصاص المصبوب» على غزة وكانت أكثرهم تفضيلًا لتمديد العملية وتطويلها.

قابلت منذ فترة قصيرة أحد كبار جنرالات جيش «الدفاع» من الذين تورطوا في تخطيط وتنفيذ عملية «الرصاص المصبوب».

 وسألته على الفور هل تخطط لقضاء إجازة في لندن؟ ....

 فأجابني ضاحكا «لم أذهب أبدا في إجازة إلى بريطانيا حتى قبل أن تبدأ المطاردات القضائية، وحتى والداي لم يكونا قادرين على الذهاب إلى بريطانيا لأن اسميهما كانا -من قبل تأسيس «الدولة»- مسجلين ومازالت لهما ملفات في MI6 ««المخابرات البريطانية» حتى الآن لاشتراكهما في الميليشيات الصهيونية»…

وبينما كنت أتجاذب أطراف الحديث مع الجنرال كانت تدور في ذهني خيوط للقصة الكبرى أمر القبض على وزيرة الخارجية السابقة «تسيبي ليفني»، إلا أن قناة «الجزيرة» سبقتني به، وكان من الممكن أن أكون صاحب هذا السبق لولا مشاغلي الكثيرة!.

فقد علمت قبلها بأسبوع: أن «ليفني» كانت مدعوة لإلقاء كلمة أمام الصندوق القومي اليهودي في لندن، ثم علمت أن الزيارة ألغيت، وكان من المعلوم لدي أن محاميًا متعاطفًا مع الفلسطينيين يحضر لصفع «ليفني» ومفاجأتها بأمر القبض عليها ومحاكمتها كمجرمة حرب، ولقد تأكدت من هذا من خلال عدة مكالمات تليفونية بلندن ولكن أضعت السبق بسبب ركود وغفلة أحيانا ما تصيب حاستي الصحفية، وكذلك بسبب ضغط العمل وكثرة المشاغل.

على أي حال ما تضيعه أنت أو تتغافل عنه لن يضيع ولكن سيأتي به غيرك، إلا أن ما أدهشني - ولا يزال - إلى الآن أن بعض «الإسرائيليين» دهشوا من أمر القبض على «تسيبي ليفني» من أجل أن تحاكم كمجرمة حرب، رغم أنهم في داخل الصورة ويعلمون حق العلم ويعرفون حق المعرفة ما جرى، وينبغي أن يكونوا آخر من يعجب من أمر القبض على «ليفني» لمحاكمتها على ما اقترفت يداها من جرائم حرب حقيقية.

لماذا العجب إذن؟

هل لأنها امرأة؟ أم لأنها زعيمة «كاديما» المصنف كحزب يساري معتدل؟!

هل هذا يجعلها تختلف عن الجنرالات السابقين الذين تطاردهم العدالة الدولية بسبب ما اقترفوه من جرائم حرب؟

أقول لله وللحقيقة إن «تسيبي ليفني» وزيرة الخارجية السابقة كانت في قلب المجموعة التي اتخذت القرار وحددت المسرح وساعة الصفر لعملية «الرصاص المصبوب» على غزة، بالإضافة إلى كل من: «إيهود أولمرت» و«إيهود باراك».. وطبقًا لبعض التقارير، فقد كانت أكثرهم تفضيلًا لتمديد

العملية وتطويلها .

والمحصلة هي أن «ليفني» هي المسؤولة - كما يقرر أحد كبار رجال القانون - عن سلسلة من جرائم الحرب، فلماذا يُتوقع أن تحصل على معاملة تفضيلية؟ ولماذا تعفى من المسؤولية في حين يتعرض بعض ضباط سلاح الطيران الكبار في جيش الدفاع سواء في الاحتياط أو ما زالوا في الخدمة للمطاردة، ولا يستطيعون الذهاب إلى لندن والتسوق في شارع «أكسفورد» و«نايتسبردج»، وهم ليسوا محرومين من بريطانيا فقط ولكنهم محرومون أيضا من دول أوروبية أخرى مثل الدول الإسكندنافية وإسبانيا وبلجيكا، كل هذه الدول خارج النطاق الذي يستطيع أن يذهب اليه كبار ضباط جيش الدفاع، وأيضًا مجموعة مختارة من السياسيين «الإسرائيليين».

تعديل بريطاني !

منذ ثلاث سنوات، وعد «توني بلير» رئيس الوزراء البريطاني السابق الحكومة «الإسرائيلية» بتعديل قانون يسمح للمواطن البريطاني العادي أن يطلب القبض على المشتبه بأنهم اقترفوا جرائم حرب من الأجانب، وكان يعني ذلك بالفعل.

 ولم يشر أحد آنذاك إلى أن «بلير» أراد ذلك لأنه وحلفاءه الأمريكان كانوا متورطين في حروب العراق وأفغانستان وأنه والجيش البريطاني وحلفاءه الأمريكان يمكن أن يصيبهم الدور !! وقد قدم خليفته «جوردون براون» أيضًا وعودًا متشابهة لقادة «إسرائيل».

لماذا إذن لم تعدّل هذه القوانين؟

ليس السبب أن حكومة حزب العمال لا تستطيع حشد الأغلبية الضرورية للتغيير في البرلمان وقد أكد زعماء حزب المحافظين أيضًا للسفارة «الإسرائيلية» سرًّا دعمهم للتعديل.

فما المعوق إذن؟

العائق أن الحكومة البريطانية مترددة، ولذلك تراوغ لأنهم يعلمون جيدًا أن ذلك التعديل يحظى واقعيًا بشعبية ضئيلة، وأن الصحافة المحلية سوف تأكل وجوههم، ومنظمات المجتمع المدني وحركات حقوق الإنسان، والأساقفة

وأساتذة الجامعات وأغلبية الجمهور العادي –جمهور الناخبين– لن يتركوا ذلك يمر بغير حساب.

ولأسبوع أو يزيد انشغلت الحكومة التي لا تحظى إلا بشعبية قليلة بذلك الموضوع، أو بعبارة أخرى حاولت أن تهدئ وتطمئن نفسها من خلال شكل من أشكال التعاطف الذي أبداه القادة السياسيون الإنجليز، ولكنها لم تفهم الرأي العام، أو لنقل: إنها فقدت تَفَهُم باقي صناع الرأي العام لها .

 قد يقول البعض: دعك منهم، فبريطانيا لم تعد قوة عظمى، وقد مضت أيام عظمتها منذ زمن.. ونقول نعم بريطانيا لم تعد قوة عظمى إلا أن تأثيرها ظل عظيمًا، فما زالت حلبة الإعلام العالمي وصانعة الرأي العام وما زالت أثقل بكثير من وزنها الحقيقي، وفي أول خطاب قدمته البريطانية «كاثرين أشتون الممثلة السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية الأوروبية، انتقدت السياسة «الإسرائيلية»، وهذه عينة فقط.

والرد من السياسيين «الإسرائيليين» كان اقتراحًا أو مشروع قرار بمقاطعة البضائع البريطانية، وقعه ثلث أعضاء الكنيست.. شيء مضحك !! والأكثر إثارة للسخرية وزير الخارجية الحالي «أفيجدور ليبرمان» الذي استخف بما حدث، واعتبره مجرد عداء عالمي للسامية، وهكذا ندخل في حلقة جديدة من العويل.. والذي لا يفهمه الكثيرون منا أن مرحلة تغيير ما حدث بحملة من العلاقات العامة قد فات أوانها ومضى منذ وقت طويل.

دولة منبوذة

أي قدر من التفسير أو الشرح لا طائل من ورائه ولا فائدة مرجوة منه، ف«إسرائيل» أصبحت الآن شغل العالم الشاغل .. و«إسرائيل» اليوم هي «جنوب إفريقيا» الأمس، عندما كانت في نهاية فترة التفرقة العنصرية. 

والحل الوحيد الآن هو التخلي عن الضفة الغربية والقدس الشرقية، وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، والبديل - إذا لم نفعل ذلك - هو أن نقبل أن نكون دولة منبوذة.

 كنت في بريطانيا في الأسبوع الأول من الحرب على لبنان عام ٢٠٠٦م، وكذلك أثناء الأيام الأولى من عملية «الرصاص المصبوب» على غزة، وطبيعي أن أتابع التغطية الإعلامية عن قرب. 

وقد لاحظت أن المتحدثين الرسميين «الإسرائيليين» يأخذون فرصة أكبر ووقتا أطول للرد والشرح.. ورغم أن الإعلام كان أقل عدائية عنه في الحرب على لبنان إلا أنني لاحظت أن الإعلاميين أنفسهم أصبحوا ينظرون إلى «إسرائيل» كدولة آبقة تنزع دائمًا إلى إثارة المشكلات وسفك الدماء. 

نستطيع أن نرغي ونزيد كما نشاء، ولكننا سنظل في نظر العالم دولة منبوذة وإذا دهشنا من أوامر القبض على سياسيينا وعسكريينا لمحاكمتهم كمجرمي حرب، فإن هذا لن يدهش العالم الذي أصبح ينظر إلينا كدولة آبقة !!.

الرابط المختصر :