العنوان خطوة نحو : نقابة الأطباء المسلمين لابد من وجود الهلال الأحمر الدولي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 929
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 22-أغسطس-1989
نريد أن تقوم مؤسسة إسلامية طبية ليس للنصارى وصاية عليها.
الإسلام يجعل وجود الطبيب المسلم فرض كفاية.
ثبت أن الطب بأشد أطواره تعقيدًا لم يعجز اليد المسلمة.
كان الطب صفقة النصارى واليهود من قديم
الزمان، يقول الغزالي إنه بينما كان شباب المسلمين يميلون للعلوم النظرية
والفلسفية وعلم الكلام –كان النصارى يتناقلون صفقة الطب فيما بينهم، حتى غدت حكرا
عليهم في بلاد المسلمين، وحتى لا يكاد يوجد في كثير من الأمصار طبيب مسلم بينما
يجعل الإسلام وجود الطبيب المسلم فرض كفاية، فإذا خلت منه بلدة فكل أهلها آثمون
وقد كان الحكام المسلمون يلجأون لسد العجز الطبي من النصارى ولعل احتكار النصارى
للطب قديما وانتشاره جنبا إلى جنب مع حركات التبشير اليوم يعطينا فكرة عن أهميته
في الغزو الفكري، فالطب يهيئ العقول لقبول الفكرة المطلوبة ولهذا حمل المبشرون
الطب معهم. حيثما حلوا، فدخول المسلم الكنيسة من المستشفى وهو مريض أسهل كثيرا من
دخوله من الشارع وهو معافى لا بل أن هذا يبدو مستحيلا لأن العقل السليم لا يهضم
الخرافات ولا يستسيغها.
إن المريض إنسان قابل للإيحاء يمكن للممرضة أن تسيطر عليه بسهولة في أزمات
مرضه فضلا عن الطبيب، وأن توجهه وترشده وهو يسمع لها وينقاد لإرشاداتها بكل طاعة
وقبول وكلما ازداد مرضه خطورة كلما كانت إمكانية وقوعه تحت تأثير الإيحاء أسهل
ولهذا لا تكاد تخلو أداة في مشافي النصارى من شارات التبشير ورموزه يرى المريض
الصلبان أينما اتجه في كل غرفة وعلى كل جدار وباب في غرف العمليات والتخدير
والإنعاش على طاولات الطعام وعلى صدور الممرضات وحتى في كل صحن وفنجان.
تلك حقيقة أن المريض إنسان جرده المرض من
حوله وقوته فصار مقعدا عاجزا بحاجة إلى عطف الآخرين وعونهم. يتشوق بحثا عن علاج.
من أي يد تعيده إلى طور الصحة والعافية كما كان حتى لو كان هذا العلاج طلاسم
وتعاويذ. والمرض يضع الإنسان أمام الحقيقة القرآنية ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ
ضَعِيفًا﴾ (النساء:28) إذ يصبح المريض أقرب إلى الاعتراف بضعفه حتى أمام أدنى
المخلوقات كالجراثيم. ثم يصبح أقرب إلى الاعتراف بالقوة الخالقة المسيطرة على
الوجود والاستسلام لها والتي تملك دارة الضعف، والقوة، وأطوار الصحة، والمرض.
ومنها البرء والشفاء كما بيدها أمر كل صغيرة وكبيرة في حياة الإنسان – حقيقة لا
مراء فيها. وكل من يمد يدا بيضاء بخدمة أو يطل على المريض
بابتسامة فإن تلك اليد البيضاء والابتسامة
الجميلة تنطبع في ذهن المريض ولا تفارقه لأنه كان يبحث عنها – وكان شديد الحاجة
لها.. وكلما كان نبضه أسرع والمرض عليه أشد كلما كان أثر الخدمة والمساعدة لديه
أبقى وأمضى حتى لتصبح الفكرة التي كانت منكرة مستهجنة بالأمس عنده وهو قوي معافى
فكرة قابلة للنقاش اليوم وهو على السرير الأبيض إذا كان الطبيب المعالج أو الممرضة
يحاول التلويح له بها أثناء علاجه وما أن
يسترد أنفاسه من مرضه حتى يقول سأقلب الرأي
في هذه الفكرة التي يقدمها الطبيب فإني لأرى أن فيها ملامح من الحقيقة!! نعم لقد
صار يقبل الحقائق المريضة تحت وطأة المرض الحقيقة المريضة التي لبست لبوس الدواء
والشفاء والإسعاف ودخلت في فمه مع ملعقة الدواء وأن الحقائق لتمرض كما يمرض الرجال
ويهبط الوحي من السماء طبيبا لها بين القرون يدفع عنها الغلو والانحراف والتشوه
ويعيدها جميلة طازجة ناصعة كما كانت من قبل.
وإذا كان الأمر كذلك فالمسلمون أولى
باستعمال الطب في خدمة دعوتهم – دعوة الحق
الناصعة – أولى أن تصدر الابتسامة الجميلة
باسم الإسلام الجميل لا باسم الزيف القبيح. وتقدم الخدمات الطبية سخية للناس جميعا
مسلمين وغير مسلمين باسم الإسلام فالطب ذلك السلاح الماضي الذي يستعمله المنصرون
سبب من الأسباب التي خلقها الله كوسيلة في قانون الشفاء والمسلمون هم أصحاب دین
الله الكامل الذي يأمرهم باتخاذ الأسباب أولى بأن يمسكوا ملعقة الدواء بعطف وحنان
وبجرعوها للمرضى بعلم وسلطان. ويقدموا مع عقار الدواء الإسلام –عقار الهدى
والاهتداء – ويجمعوا علاج الأجسام مع علاج الأرواح وأولى بهم ألا يدعوا ملعقة
الدواء لأبالسة الشر يجرعون الناس السم الفكري مع العلاج الجسمي. لماذا لا يكون
الطب وسيلة بيد المسلمين اليوم كما هو بيد أعدائهم وهم دعاة الرحمة واللين في هذا
العصر المريض الذي يعاني من خواء العقل والروح أشد مما يعاني من اعتلال الجسد؟؟
إن اليد المسلمة هي يد عليا حيث وجدت لو
هيئت لها ظروف الاستعلاء وأن الطب بأحدث أطواره لا يعجزها وكم من الاكتشافات
الطبية والعمليات الطبية الكبرى في الغرب وراءها مسلمون هجروا بلادهم واستغربوا
قسرا بعدما حوربوا بلقمة عيشهم في أهليهم أو خيروا بين السجن والخروج أو بين السجن
والسجن!!
ناهيك عن الذين خرجوا يبحثون عن وسط. مناسب
للعبقرية والإبداع.. وما بين الرغبة.
والرهبة تم استنزاف هذه العبقريات من
بلادها وهي أحوج ما تكون إليها إنه بإمكان اليد.
المسلمة أن تبني أرفع صرح طبي وتقدم أفضل
الخدمات الإنسانية وتجعل الغرب والشرق يطامنون من غرورهم وخيلائهم حتى في عالم
الطب والعلوم. إن الطب ليس حكرا على أحد والمعرفة الطبية الحاضرة اليوم شأنها شأن
كل العلوم فهي تراث إنساني مشترك لا فضل فيه لأحد على أحد وقد كان للمسلمين نصيب
وافر فيه يوم كانت قيادة العالم في أيديهم.. وكان للعلماء المسلمين يد بيضاء حانية
عليه، نقلته وحفظته ورعته ونمته وطهرته من الخرافات والأراجيف ثم قدمته في مدارسها
في الأندلس وسواها للعالم أجمع دون منة ولا احتكار إن بصمات المسلمين واضحة ناصعة
على التراث الطبي لا يماري فيها إلا جاحد.
ويوم يمدون أيديهم إلى حقل الطب فما هو
بالحقل الغريب عنهم. وإن كانوا أكثر ما أبدعوا في مجالات – العلوم الإنسانية –
والتي أهلتهم للقيادة الراشدة لهذه البشرية التائهة من الظلمات إلى النور وتسكين
القلوب الشقية النكدة التعيسة وإعادتها إلى طور الطمأنينة والأمن والصحة، وإذا
كانت حاجات الجسم قد طغت على حاجة العقل في حضارتهم اليوم، وإذا كانت تلبية ضرورات
الجسم وكفاية غرائزه قد قدمت على تلبية غرائز العقل وجوعه للعقيدة الصحيحة والفهم
الكامل الشامل لحركة الكون والحياة بشقيها المشاهد والغائب فقد آن الأوان لكي تعود
المعادلة إلى نصابها الصحيح وتحل المقولة الجسم السليم في العقل السليم بدل
مقولتهم العقل السليم في الجسم السليم، إن الجسم السليم لا يمكن أن يقود الى عقل
سليم على طريقة وضع العربة أمام الحصان إنه العقل أولا – إن العقول هي التي ترعى
الجسوم وتقودها وتنميها ولن ينمو جسم بشكل سليم إلا إذا كان تحت رعاية عقل سليم..
ولن ينمو العقل بشكل سليم وتتسع مداركه إلا إذا غذي بالعقيدة السليمة.
والعقل الذي لا يؤمن إلا بما ترى عيناه
وتدرك حواسه هو عقل مريض - مهما كان الجسم الذي يحمله سليما. إنه عقل محدود سجين
شقي. والجسم الذي يحمله لابد أن يشقى بشقاه مهما كان نصيبه من الصحة البدنية.
سيجرعه السموم والمخدرات سيورده المهالك في قمة عنفوانه ونشاطه وسيقضي عليه إعداما
بالانتحار. لماذا لا تتشكل رابطة الطب الإسلامي وتخرج النشاط الطبي من الجهد
الفردي إلى بركات الجهد الجماعي.. ويد الله مع الجماعة – ومن العمل العيادي
المقطوع المحدود إلى العمل المركزي بشكل مستشفيات ومعاهد وكليات وطواقم تبشيرية
إسلامية تضاهي تلك التنصيرية النشطة بين المسلمين.
تقوم هذه الرابطة بتوظيف الطب والطبيب
المسلم في مكانه الصحيح من الدعوة بالتعاون مع الهيئات الدعوية الإسلامية ترسل
الإرساليات الطبية الإسلامية إلى الأدغال البعيدة في العالم الإسلامي وإلى أماكن
الكوارث وضحايا الحروب والفيضانات وسواها لتضميد جراح الناس باسم الإسلام – إن
الكارثة الكبرى إننا أعجز من أن نضمد جراحنا ونكفكف دموعنا وننتظر من الأمم الأخرى
أن تفعل لنا ذلك باسم الصليب الأحمر الدولي وسواه وهذه دركة من دركات العجز لا
نحسد عليها.
إننا بحاجة للتبشير بالإسلام بين المسلمين لشدة غربة هذا الدين في
أمته قبل التبشير به بين أتباع الأمم الأخرى نحتاج إلى أسلمته من جديد بعد تراجع
المد الإسلامي من شطآن حياتنا. ثم بعد كفايتنا ذاتيا وتضميد جراحنا ننطلق لنشارك
في مواساة الآخرين والتبشير بينهم بأسلوب عصري في العالم لقد مل الناس الكلام المجرد
وملوا الوعظ العاري والمحاضرات إن الكلمة الطيبة بحاجة إلى لقمة طيبة حتى تصل
للجائع وبحاجة إلى جرعة علاج صحيحة حتى تصل للمريض والمكلوم.
نعم بإمكاننا أن نجعل العالم المريض اليوم يستروح تحت رعاية اليد
الطبية المسلمة الرحيمة كما استروح من قبل التاريخ بل بإمكاننا أن ندعو أطباء
الأمم الأخرى ونوظفهم إن احتاج الأمر لذلك في مشاريعنا الدعوية وبإشرافنا ورقابتنا
كما كان يحصل من قبل بشكل يتساءل فيه المريض بعد شفائه من كان ذلك الطبيب الذي
أنقذني؟؟ والله أن يدا قد امتدت إلي لرحيمة. يقول إنه مسلم أو يعمل في إرسالية إسلامه؟؟
سأرى فإن فكرته تبدو لدي جديرة بالتأمل والاحترام.