العنوان خطورة الدعوة.. إلى كسر احتكار السينما
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1972
مشاهدات 71
نشر في العدد 98
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 02-مايو-1972
حينما نقرر أن العمل السينمائي هو عمل ثقافي وتوجيهي وتربوي، نقرر بالنتيجة أن العمل السينمائي مسؤولية وطنية خطيرة، ومسؤولية بهذا القدر يجب أن تكون واضحة ومحددة وأن يكون القائمون عليها محددين ومحصورين. وذلك حتى يمكن للناس أن «يبرمجوا» أهداف العمل السينمائي وغاياته ويحاسبوا القائمين عليه كم نجحوا وكم فشلوا، أین أخطأوا وأین أصابوا.
على هذه القاعدة الأساسية قامت في البلد وزارة واحدة للإعلام ودار واحدة للتلفزيون ومؤسسة واحدة للتربية والتعليم لها مناهجها ومسؤولوها. ولم تترك هذه المجالات «للمنافسة الحرة» والمزايدة السوقية تقديرًا للغايات الإنسانية الحساسة التي تهدف إلى تحقيقها.
وامتدادًا لهذه السياسة فقد رأى المسؤولون أن يبقى العمل السينمائي محتكرًا لهيئة واحدة حتى يظل تحت سيطرة الرقابة والإشراف يسير في الطريق المرسوم له نحو غاياته التثقيفية والتربوية بعيدًا عن الانحراف والشطط.. وتظل المسؤولية فيه محددة ومناطة بجهات موثوقة ومحاسبة.
لكن يبدو أن هذا التصور غاب عن بعض الناس فأخذوا ينظرون للعمل السينمائي كأي عمل تجاري آخر ويتعجبون كيف يشذ القانون في مسألة السينما ما دامت كل نواحي العمل التجاري لا تخضـع للاحتكار وما دامت المطاعم والبقالات.. إلخ. لا يحتكر امتيازها شخص أو شركة دون الآخرين؟
وتصاعدت الضجة في مجلس الأمة وشارك فيها الجميع على اختلاف اتجاهاتهم- فالتجار يريدون أن يحطموا هذه البدعة ليمهدوا الطريق أمام طموحهم والمغرمون «بموضة» اليسار أصبحوا أشد رأسمالية من الرأسماليين وطالبوا بكسر الاحتكار حتى تضعف سيطرة الرقابة والإشراف وتندس أفلام الدعاية الشيوعية في زحمة النهم التجاري. وآخرون يعلمون جيدًا أن المنافسة حين تشتد فإن الفيلم الأكثر عريًا وتشبعًا بالجنس سوف يصبح هدف دور العرض ويصبح أكثر رواجًا من غيره.
ولعل النظرة التجارية للنشاط السينمائي هي التي حملت النواب -مخلصين وغير مخلصين- على استنكار امتياز شركة السينما والمطالبة بإلغاء احتكارها. لكن لم يبرز خلال الحملة سبب واحد معقول خلف المطالبة.
فالذين يزعمون أن تعدد الإدارات يخلق جوًا من المنافسة الحرة تكون حافزًا لرفع مستوى العرض مخطئون ذلك أن العرض الجيد في نظر المتنافسين على الدخل هو العرض الذي يُحقق ربحًا تجاريًا حتى ولو كان مدمرًا للثقافة الوطنية والخُلق العام- وبما أن الجنس قد أصبح سلعة رائجة هذه الأيام فإن مستوى العرض «عكس ما يتوقعون» سيصل حتى الحضيض ويعود على الأمة بالخسارة الماحقة.
حجة أخرى سمعناها من أنصار إلغاء الاحتكار، وهي أن الشركة الحالية عاجزة عن بناء المزيد من السينمات- وهي حجة غير حقيقية. لأن الإدارة الحالية لم تبدِ أي عجز عن بناء سينمات جديدة ولو كانت هنالك حاجة لسينما جديدة لسارعنا إلى إنشائها، لأنها بذلك تحقق تقدمًا أكبر لمصلحتها. ومن ناحية أخرى فإن الأمانة القومية تقتضي أن يُقرر الناس أن الأمة لم تعد بحاجة إلى المزيد من اللهو والسهر بقدر ما هي بحاجة ماسة لتوجيه هذه الطاقات والإمكانيات نحو البناء والعمل.
إن الدعوة إلى إلغاء احتكار السينما تؤدي إلى تحويل العمل السينمائي من عمل ثقافي إلى عمل تجاري ويؤدي بالتالي إلى انفلات الضابط التوجيهي والرقابي وتمييع عبء المسؤولية.
وإن كل الحجج التي سيقت لإنهاء امتياز الشركة يمكن استيعابها من غير أن يلغى الاحتكار. وينبغي أن تطرح القضية في إطارها الحقيقي الواعي وهـو «إصلاح السينما» وهي الخطوة التي دعت إليها «المجتمع» ونادت بها، والتي تتركز في:
• العمل على تطوير الإنتاج المحلي الأصيل الذي يعكس ثقافتنا وشخصيتنا وعقائدنا.
• رسم سياسة توجيهية محددة للعمل السينمائي تخدم الغرض الثقافي والترفيهي بما يتمشى مع مبادئ ومصالح الأمة.
• إعادة تكوين جهاز الرقابة على أسس جادة وملتزمة وواعية حتى يرعى هذه السياسة ويشرف على تطبيقها فإن أصبحت إدارة السينما عاجزة بعد ذلك عن النهوض برسالتها بدون انحراف، فالحل هو إشراف الدولة المباشر وليس إلغاء الاحتكار.