; خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. المقالة الثانية | مجلة المجتمع

العنوان خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. المقالة الثانية

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1979

مشاهدات 105

نشر في العدد 463

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 18-ديسمبر-1979

اختار المسلمون أبا بكر فاستخلف عمر وجعلها عمر في ستة فاختار المسلمون عثمان ثم عليًا رضوان الله عليهم أجمعين. 

الحلقة الثانية:

اختيار الخليفة من أهل الحل والعقد:

بينا في الحلقة السابقة كيف كانت طريقة تولية أبا بكر الصديق رضي الله عنه وقلنا أن طريقها كان الاختيار من أهل الحل والعقد. 

والاختيار من أهل الحل والعقد هو الطريق الأمثل لضمان اختيار الحارس الأمين على مصالح الأمة في دينها ودنياها. فأهل الحل والعقد يتخيرون من بين المسلمين من يصلح لهذا المنصب إذا كان أكثر من واحد تتوافر فيهم الشروط، فإذا لم يجدوا غير واحد تعين عليه قبول هذا الأمر ووجب عليه أن يقوم بهذا العبئ، وقال بعض علماء الأمة كالماوردي أنه لا يكره ولا يجبر إذا رفض ووجد غيره حيث قال «إذا تعين لأهل الاختيار من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره. عرضوها عليه فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت بيعتهم له الإمامة، فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته، وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها لأنها عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار، وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها.

من هم أهل الحل والعقد :

مما لا شك معه أن لأهل الحل والعقد أهمية بالغة لأنها تقوم بأدق وأسمى مهمة حيث تحدد سياسة الدولة الإسلامية ومصيرها، فهي التي تختار للأمة رئيسها ليسوي أمور الأمة الدينية والدنيوية. 

ويقصد بأهل الحل والعقد مجتهدي الأمة وعلمائها ووجهائها ورؤسائها وأهل الرأي والمشورة منهم ممن يطمئن المسلمون إلى علمهم ودينهم وخلقهم ورأيهم. 

وهم إنما يتولون هذا الأمر نيابة عن الأمة، فلذلك لزم أن يكون أهل الحل والعقد ممن ترتضيهم الأمة في جملتها، وقد يتحقق هذا الرضى باستفاضة أمر أهل الحل والعقد في أوساط المسلمين وصلاحهم وتقواهم وعلمهم وأما بتزكية كل إقليم من أقاليم الدولة الإسلامية لمن تراه من بينها صالحًا لهذا الأمر. فيختار أهل كل إقليم فضلاءهم.

وقد اشترط الماوردي وغيره في أهل الحل والعقد عدة أمور أهمها: 

أولًا: العدالة الجامعة لشروطها.

ثانيًا: العلم الذي يتوصل به لمعرفة من يستحق للإمامة على شروط المعتبرة فيها.

ثالثًا: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير الصالح أقول وأعرف. 

وإلى جانب طريقة الاختيار التي اتبعها المسلمون في تولية أبا بكر الصديق رضي الله، فإن هناك فرقًا أخرى ارتضاها المسلمون وساروا عليها وأجمعوا أمرهم في طريقة الاستخلاف أو العهد لتعيين من الخليفة لم يليه طريقة حصر الأمر من مجموعة دون غيرها ممن تتوافر فيهم شروط الإمامة. وهذا ما سنراه فصلا في طريقة خلافة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعليًا بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين.

استخلاف عمر بن الخطاب- رضي الله عنه 

524- 644 م

أخرج بن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وغيره أن أبا بكر الصديق لما اشتد مرضه دعا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم وقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال عبد الرحمن ما سألني عن أمر وأنت أعلم به مني فقال أبو بكر: وإن فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه. ثم دعا عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: أخبرني عن عمر فقال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله، فقال عثمان بن عفان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تركته ما عدوتك، وشاور معهما سعيد ابن زيد أبا الأعور وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك يرضى للمرضى ويسخط للسخط الذي يسر خير من الذي يعلن ولم يل هذا الأمر أحد أقوى عليه منه. 

وسمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به، فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني أبالله تخوفوني. خاب من تزود من أمركم بظلم أقول: اللهم استخلف عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت لك من ورائك، ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب:

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في أخر عهده من الدنيا خارجًا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلًا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب: اني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به، وعلمي فيه، وأن بدل فلكل أمرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (سورة السعراء: 227).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ثم أمر بالكتاب فختمه وقال بعضهم لما أملى أبو بكر رضى الله عنه صدر هذا الكتاب بقى ذكر عمر، فذهب به قبل أن يسمى أحدًا. فكتب عثمان رضي الله عنه: إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ثم أفاق أبو بكر فقال، اقرأ علي ما كتبت. فقرأ عليه ذكر عمر، فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن أقبلت نفسي في غشيتي تلك فتختلف فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيرًا، والله إن كنت لها لأهلها، ثم أمره فخرج بالكتاب مختومًا ومعه عمر بن الخطاب وأسيد ابن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب فقالوا: نعم وقال بعضهم قد علمنا به قال ابن سعد على القائل وهو عمر، فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا، ثم دعا أبو بكر عمر خاليًا وأوصى به بما أوصاه به ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مدًا فقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما أرشدهم. وقد حضرني من أمرك ما حضر فأخلفني فيهم، فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح لهم وإليهم، واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدى الرحمة وهدى الصالحين بعده وأصلح له رعيته.

ويعتبر اختيار عمر بن الخطاب والعهد إليه بالخلافة أسلوبًا جديدًا يختلف عن أسلوب تولية أبي بكر الصديق.

ولقد اتفق أهل السنة على أن هذا الطريق من الطرق الشرعية لانتقال الخلافة ومن الطرق التي تثبت بها الإمامة.

لقد أراد الصديق بهذا الاختيار تفادي ما قد ينشب من خلاف بين المهاجرين والأنصار وكان هذا الاحتمال قائمًا، فأراد جمع كلمة المسلمين على رجل هو أهل لهذه التبعة حسب ما يظن، ويمكن إدراك ذلك الإحساس وتوخي صالح المسلمين مما ذكره أبو بكر في خطاب العهد لعمر بن الخطاب حيث قال: «.. وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا» وبين لهم أن مقياس الصلاح الذي من أجله استخلفه ظنه فيه العدل حيث قال «إن عدل فذلك ظني به، وعلى فيه وإن بدل فلكل أمرئ ما اكتسب والخير أردت ولا أعلم الغيب»

وقد شاور أبو بكر بعض كبار الصحابة استئناسًا برأيهم وأخذ مشورتهم فكان رأيهم ما رأى، ومع ذلك كله كان الأمر مطروحًا للمسلمين بعد ذلك، فأجمعوا رأيهم على رأي أبي بكر الصديق، فعضد الإجماع عهد أبي بكر الصديق رضوان الله عليه وتمت البيعة.

ولقد نوه ابن خلدون إلى صحة وشرعية انتقال الخلافة بالعهد بأن حقيقة الخلافة النظر لهم ذلك في حياته، ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته، ويقيم لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها، وتثق الأمة بنظره وعهده لهم في ذلك كما وثقوا به خليفة لهم فيما قبل. وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده.

وبذلك ولى عمر بن الخطاب أمانة الأمة وارتقى المنبر يوضح للناس نهجه في الخلافة مهدءًا من مخاوف بعض المسلمين من شدته وحزمه، فقد أخرج الحاكم واللا لكائي وغيرهما عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: لما ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حمد الله وأثنى عليه ثم قال:

«أيها الناس إني قد علمت أنكم تؤنسون مني شدة وغلظة وذلك إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت عبده وخادمه وكان كما قال تعالى ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة التوبة: 128) فكنت بين يديه كالسيف المسلول إلا أن يغمدني أو ينهاني عن أمر فأكف وإلا قدمت على الناس لمكان لينه، فلم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راض، والحمد لله على ذلك كثيرًا، وأنا به أسعد، ثم قمت ذلك المقام مع أبي بكر رضي الله عنه -خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده، وكان قد علمتم في كرمه ودعته ولينه فكنت خادمه كالسيف بين يديه أخلط شدتي بلينه إلا أن يتقدم إلي فأكف وإلا قدمت فلم أزل على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راض، والحمد لله على ذلك كثيرًا، وأنا به أسعد، ثم صار أمركم إلى اليوم، وأنا أعلم فسيقول قائل: كان يشتد علينا والأمر إلى غيره فكيف به إذا صار إليه؟ واعلموا أنكم لا تسألون عني أحدًا قد عرفتموني، وعرفتم من سنة نبيكم ما عرفت، وما أصبحت نادمًا على شيء أكون أحب أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه إلا وقد سألته فاعلموا أن شدتي التي كنتم ترون قد ازدادت أضعافًا إذا صار الأمر إلى على الظالم والمعتدي، والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم، وإني بعد شدتي تلك واضع خدى بالأرض لأهل العفاف والكف منكم والتسليم، وإني لا أبى إن كان بيني وبين أحد منكم شيء من أحكامكم أن أمشي معه إلى من أحببتم منكم، فلينظر فيما بيني وبينه أحد منكم فاتقوا الله عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم، ثم نزل.

جمعية الإصلاح الاجتماعي ومجلة المجتمع

تنعى ببالغ الأسف والحزن الأستاذ الفاضل عبد الله العقيل لوفاة ابنه الشاب أنس عن عمر يناهز العشرين تغمده الله بواسع رحمته 

وألهم ذويه الصبر والسلوان

جمعية الإصلاح الاجتماعي ومجلة المجتمع 

تنعى ببالغ الأسف والحزن عائلة المرحوم محمود المهدي تغمده الله بواسع رحمته وألهم ذويه الصبر والسلوان

الرابط المختصر :