العنوان خلاق النصر عند جيل الصحابة (2)
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1992
مشاهدات 53
نشر في العدد 1012
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 18-أغسطس-1992
خلاق النصر عند جيل الصحابة (2)
بقلم: الدكتور:
سيد نوح
ب - اتباع السنة:
هذا أبو بكر
الصديق -رضي الله عنه- يشاور أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن قتال
المرتدين من العجم، ومانعي الزكاة من العرب، فيجتمع رأي المهاجرين، ومنهم عمر بن
الخطاب -رضي الله عنهم- ويقولون: «يا خليفة رسول الله: اترك الناس يصلون، ولا
يؤدون الزكاة، فإنهم لو دخل الإيمان في قلوبهم لأقروا بها».
فقال أبو بكر
-رضي الله عنه-: «والذي نفسي بيده لأن أقع من السماء أحب إليَّ من أن أترك شيئًا
قاتل عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أقاتل عليه»، فقاتل العرب حتى رجعوا
إلى الإسلام لذلك فقال عمر: «والذي نفسي بيده لذلك اليوم خير من آل عمر» (1).
ولما فرغ
المسلمون من بيعة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- واطمأن الناس، قال أبو بكر لأسامة
-رضي الله عنهما-: امض لوجهك الذي بعثك له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكلمه
رجال من المهاجرين والأنصار وقالوا: أمسك أسامة وبعث غيره، فإنما نخشى أن يميل
علينا العرب إذا سمعوا بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال أبو بكر، وكان أحزمهم
أمرًا: أنا أحبس جيشًا بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-! لقد اجترأت على أمر
عظيم، والذي نفسي بيده لأن تميل علي العرب، أحب إليّ من أن أحبس جيشًا بعثه رسول
الله -صلى الله عليه وسلم-. امض يا أسامة في جيشك للوجه الذي أُمرت به، ثم اغز حيث
أمرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤتة، فإن الله
سيكفي ما تركت، ولكن إن رأيت أن تأذن لعمر بن الخطاب فأستشيره وأستعين به، فإنه ذو
رأي، ومناصح للإسلام، فافعل. ففعل أسامة، ومضى لوجهه الذي أمره به رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- فأصيب في الغزو مصيبة عظيمة (يعني كان الغزو نعم الرأي) وسلَّمه
الله وغنَّمه هو وجيشه وردهم صالحين (2).
وهذا عمر بن
الخطاب -رضي الله عنه- تقول له ابنته حفصة: «يا أمير المؤمنين لو لبست ثوبًا هو
ألين من ثوبك، وأكلت طعامًا هو أطيب من طعامك، فقد وسع الله -عز وجل- من الرزق
وأكثر من الخير»، فقال: «إني سأخاصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان يلقى رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- من شدة العيش فما زال يذكرها حتى أبكاها»، فقال لها: «والله
إن قلت ذلك، أما والله لمن استطعت لأشاركهما بمثل عيشهما الشديد، لعلي أدرك معهما
عيشهما الرخي» (3).
وطاف بالبيت، ثم
وقف عند الركن أو الحجر الأسود وقال: «أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا
تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استلمك ما استلمتك فاستلمه،
ثم قال: فما لنا وللرسل إنما كنا رأينا به المشركين، ولقد أهلكهم الله، ثم قال:
شيء صنعه النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا نحب أن نتركه» (4).
وهذا ابن عمر
-رضي الله عنهما- يقول عنه ابن سيرين: «كنت مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح
رحت معه، حتى أتى الإمام فصلى معه الظهر والعصر، ثم وقف وأنا وأصحاب لي، حتى أفاض
الإمام، فأفضنا معه، حتى انتهى إلى المضيق دون المأزمين، فأناخ وأنخنا، ونحن نحسب
أنه يريد أن يصلي، فقال غلامه الذي يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة، ولكنه ذكر
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن
يقضي حاجته» (5).
وكان يأتي شجرة
بين مكة والمدينة فيقيل تحتها، ويخبر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يفعل
ذلك (6).
وكان -رضي الله
عنه- في سفر: فمر بمكان فحاد عنه، فسُئل: لم فعلت ذلك؟ قال: رأيت رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- فعل هذا ففعلت (7).
وكان -كما يقول
نافع- في طريق مكة يقول برأس راحلته (يعني: يأخذ برأس راحلته) يثنيها، ويقول: لعل
خفًا يقع على خف (يعني: خف راحلة النبي -صلى الله عليه وسلم-) (8).
لقد قالت عائشة
-رضي الله عنها-: «ما كان أحد يتبع آثار النبي -صلى الله عليه وسلم- في منازله،
كما كان يتبع ابن عمر» (9).
وقال نافع: لو
نظرت إلى ابن عمر -رضي الله عنهما- إذا اتبع أثر النبي -صلى الله عليه وسلم- لقلت:
هذا مجنون (10).
وهذا محمد بن
أسلم أو أسلم بن أسلم بن بحيرة أخو الحرث بن الخزرج -رضي الله عنه- وكان شيخًا
كبيرًا، يُحدِّث نفسه يقول: إن كان ليدخل المدينة فيقضي حاجته بالسوق، ثم يرجع إلى
أهله، فإذا وضع رداءه ذكر أنه لم يصل في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ركعتين، فإنه أي النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال لنا: «من هبط منكم هذه القرية،
فلا يرجعن إلى أهله حتى يركع في هذا المسجد ركعتين»، ثم يأخذ رداءه فيرجع إلى
المدينة حتى يركع في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركعتين (11).
هذه النصوص
وغيرها كثير شاهد على أن صدق الصحابة مع الله باتباع السنة كان سببًا في النصر، وتنزّل
الرحمات، والسكينة، والعزة، والتمكين.
أخي إذا عرفت
هذا فاجتهد وجاهد نفسك، واحملها حملًا على اتباع السنة، ومجانبة البدعة في كل شأن
من شؤون الحياة من لدن السواك إلى الجهاد، حين تكون وحدك، أو مع الناس من الأقارب
والأباعد كي تظفر بالنصر والتمكين في الدنيا، وتفوز غدًا بالجنة والرضوان. وإذا
حدثتك نفسك بغير هذا فذكرها بما يلي: ذكرها بقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ (سورة آل عمران: 31).
﴿فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة النور، الآية: 63) وذكرها: بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من
عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (12)، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»
(13).
وذكرها: بأنها
لقصورها لا تعرف أين المصلحة، وأين المضرة؟ وإذا كانت هذه حالها، فليس أمامها إلا
النزول على حكم الله وحكم رسول الله ظاهرًا وباطنًا، فإن الله هو الذي يعلم المفسد
من المصلح، وهو الذي أرسل رسوله بالهدى، وأمر باتباعه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
(سورة الحشر: 7).
وذكرها: بعواقب
الإعراض عن السنة والوقوع في البدعة واتباع الهوى، لقوله تعالى: ﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ
رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ (سورة الجن: 17).
فتِّش دائمًا في
نفسك حتى تصلح عيوبها أولًا بأول، ثم استعن في النهاية بربك أن يوفقك دائمًا إلى
الإبداع، وأن يجنبك خطر الابتداع.
﴿وَمَنْ
أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ (سورة القصص:
50).
وذكرها: بمصير
الأمم ذات العز والسلطان كفارس والروم، كيف زال عنها عزها وسلطانها ببعدها عن
هداية السماء، وتحاكمها إلى الأهواء. فعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال:
«لما فتحت قبرص فُرِّقَ بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فرأيت أبا الدرداء جالسًا
وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله،
فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله -عز وجل- إذا أضاعوا أمره، بينما هي
أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى» (14).
وذكرها: بصنيع
أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على النحو الذي قدمنا، فلعلها تتحرك من
داخلها، فيكون القرار الدائم إلى الله، ويكون دوام الاتباع، وألق بنفسك بين
المعروفين باتباع السنة والمحافظة عليها، وفوضهم في مناصحتك وتنبيهك إن كان هناك
إعراض أو تحول أو تقصير، وفَتِّش دائمًا في نفسك حتى تصلح عيوبها أولًا بأول، ثم
استعن في النهاية بربك أن يوفقك دائمًا إلى الاتباع، وأن يجنبك خطر الابتداع، وألح
عليه في الدعاء أن يعينك على نفسك؛ فعن عائشة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن
الله يحب الملحين في الدعاء» (15).
يتبع..
المراجع:
(1) الحديث
أورده علاء الدين المتقي الهندي في: كنز العمال 3/141 وعزاه إلى العدني من حديث
عمر بن الخطاب، موقوفًا وعنه نقل الشيخ محمد يوسف في حياة الصحابة 1/418.
(2) الحديث
أورده المتقي الهندي في كنز العمال 5/314 وحياة الصحابة 1/412 - 413.
(3) الحديث
أورده أبو نعيم في حلية الأولياء 1/48.
(4) الحديث
أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الحج، باب الرحل في الحج والعمرة 2/185 من حديث أسلم
عن عمر به.
(5) الحديث
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 1/47 قائلًا: «ورواته أحمد ورفاقه محتج بهم في
الصحيح».
(6) رواه
المنذري في الترغيب والترهيب 1/46.
(7) الحديث
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 1/46، وعزاه إلى أحمد والبزار، وقال إسناده
جيد.
(8) الحديث
أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1/310، وعنه نقل الشيخ محمد يوسف في حياة الصحابة
2/356.
(9) الحديث
أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى 4/107، وعنه نقل الشيخ محمد يوسف في حياة الصحابة
2/357.
(10) الحديث
أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1/310، وعنه نقل الشيخ محمد يوسف في حياة الصحابة
2/356.
(11) الحديث
أورده ابن حجر في الإصابة 3/414، وعزاه إلى ابن منده والطبراني.
(12) الحديث
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث عائشة مرفوعًا.
(13) الحديث
أخرجه الشيخان في: صحيحيهما من حديث عائشة مرفوعًا.
(14) الحديث
أخرجه أحمد في المسند من حديث جبير بن نفير.
(15) الحديث
أورده ابن القيم في الداء والدواء ص8، وعزاه إلى الأوزاعي من حديث عائشة مرفوعًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل