العنوان خلا لك الجو.. فبيضي وأفرخي
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
مشاهدات 62
نشر في العدد 1326
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
عندما يكون الحوار من طرف واحد، ويكون الرهان لفرس واحد، وعندما تطلق الحريات لفصيل دون فصيل، ولرأي دون الآخر، ويوجه الإعلام والأقلام لإطراء فكر وقتل سواه، وإعلاء أناس وسحل آخرين، وعندما يربط الفكر والثقافة والحرية وموافقة القوى المسيطرة أو مخالفتها بلقمة العيش، وبمصائر الناس وسعادتهم أو تعاستهم، بل ويمنحهم الحياة أو استئصالهم منها، يكون من العبث محاولة استكشاف طريق للإصلاح أو معالجة أمراض الأمة، أو بناء إبداعات في المجتمع، أو البحث عن مخرج حقيقي للعثرات والكبوات، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، وأوفر من أن تُعد حيث تُعقد اجتماعات يتلو بعضها بعضًا، ويأخذ بعضها بحجز البعض الآخر لمعالجة قضايا، أو تخطي عقبات وإشكالات، ثم تنفض هذه الاجتماعات لتخلف وراءها إشكالات أخرى، بل لتكون هي نفسها عقبات وتراكمات تحتاج إلى حلول وعلاجات أعمق، وأصعب، وقد يكون ذلك لأن هذا الفصيل أو ذاك غير مؤهل لهذه البحوث وهذه الاجتماعات، كأن يجتمع جهلة ليضعوا نظامًا للتعليم، أو تجار للكيف والمخدرات لرسم سياسة الأمة الخارجية والداخلية، أو جملة من المرتزقة وفاقدي الطهارة النفسية والبدنية ليضعوا دستورًا للأخلاق وقانونًا لحماية الفضيلة، أو جماعة من الملحدين والمارقين ليضعوا سياسة دينية وروحية للدولة، فالعدالة المجروحة، والجهالة الفائقة، والحطام الإلحادي، والضياع الإيماني والعقدي يستحيل عليه أن يبني جيلًا أو يقوم عوجًا، أو يؤسس لمستقبل واعد.
كما أن هذه الاجتماعات غالبًا ما تعقد لشيء يراد لها، أو لتبرير خطط أو أعمال وأفعال معينة يقصد تمريرها، أو لتوقيع صكوك غفران، وإنشاء حيثيات لها، أو تكون مسرحًا لإظهار الولاءات والتأكيد على اتجاهات لكسب الحظوة، وتثبيت الخطوة وزيادة الأجرة.
إن عدم المصداقية في تلك الاجتماعات وهذه الندوات يشكل جريمة فكرية وبحثية وعلمية يجب الالتفات إليها، والبحث الجدي في تلافيها، حتى لا تترسخ كأسلوب بحث أو كمصدر للمعلومات وطريقة لعلاج الإشكالات، وتكون عونًا لتكريس التهميش الإصلاحي والحضاري والفكري.
لقد عقدت ندوة مؤخرًا عن العنف والإرهاب، وهو صيحة العصر هذه الأيام، ومشجب يعلق عليه كثير من التجاوزات والمظالم، وستار يراد له أن يحجب سيلًا من الغش السياسي والاجتماعي والفكري، ومنتدى يجتمع فيه كل طاعن في الملة، وكل عدو للرسالة، وحاقد على الإسلام والمسلمين، ومغزو بالثقافات الدخيلة، لينفثوا سمومهم تحت غطاءات شرعية، وسلطوية، وبين الأضواء ومن أعلى المنصات، وفي بهرج من الإعلام التلفازي والإذاعي والصحفي، كما أنه يكون فرصة لا تعوض لقتل الرأي الآخر الموارى والمقهور وغير المعترف به، ووسيلة لهدم جمعيات النفع العام واستئصال العمل الروحي والإيماني والشعبي والخدمي، سواء كان ذلك عن طريق جماعات، أو نقابات أو اتحادات أو أندية، ونشاطات إسلامية أو وطنية، أو تحررية ومناسبة عظيمة لتكريس الدكتاتورية بطريقة ثقافية وفكرية وبحثية، يمكن بها تخدير الشعوب وإثارة ضبابيات حول الحريات والديمقراطيات التي تطمح الأمم أن تتذوقها بدلًا من الصاب والعلقم الذي تتجرعه ولا تكاد تسيغه.
ولقد أتيح لي أن أطلع على بعض البحوث لتلك الندوة، فوقفت على العجب العجاب، والمستغربات المدهشات، حيث رأيت من يدعون بالمثقفين والباحثين، بدل أن يستلوا العداوات من بني جنسهم وأهل ملتهم يعمقونها ويزرعونها، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وبدل أن تركز الأخوة وتعمق الاعتصام والتلاحم بين الناس تعدل الوسائل، وترسم الخطط لخلق أعداء قوميين من بيننا، ووسط صفوفنا، وبعد أن كان أعداء الأمة التقليديين والعقائديين هم اليهود والصهيونية وأعوانهم من المستعمرين أصبحوا أصدقاء وأحباء وتواصلت بيننا حبال المودة ورسائل العشق والغرام وأصبح كثير من أبناء الأمة وأصحاب الرأي الآخر أعداء قوميين ونعمل أن يكونوا عالميين وبعد أن كانت الدولة في الإسلام تقوم على الفكرة، وتوجب على نفسها تبليغ الرسالة، أضحت بلا هوية ولا فكرة، وتوجب على نفسها محاربتها، وقتل رسالتها، وتجريم العاملين لها.
رأيت باحثًا يقول في تلك الندوة: إن البرامج الدينية التي تدرس في المدارس تجلب العنف وتعلم الإرهاب وتدعو له، والكتاب الديني يساوي اليوم القنبلة والمدفع، والعلاقة بين الدين والعنف علاقة أصيلة ومتجذرة، ورأيت آخر يقول: إن خطباء المساجد يروجون للعنف، ويحرضون الناس على إنكار المنكر وعدم الركون إليه أو إلى أصحابه ويريدون أن يمنعوا النوادي الليلية، ويعيبون الأغاني الجنسية، وهذا قهر شديد.
ورأيت آخر يقول: يجب منع البرامج الدينية من الإذاعة والتلفاز لأنها تدخل البيوت وتحرض الناس على نبذ التعاليم الحضارية والترفيهية وتدعو إلى التعصب لتعاليم وأفكار تتنافى مع توجه الدولة.
ورأيت آخر يدعو إلى ضبط الأشرطة المسجل عليها خطب الجمعة والأحاديث الدينية لعلماء الأزهر ومن على شاكلتهم، لأن هذه الأشرطة يسمعها الكثيرون ويقتنعون بآرائها وأصحابها، وهذا مكمن الخطورة.
ورأيت آخر يحمل على إذاعة القرآن الكريم ويدعو إلى تأهيلها، فرد عليه آخر مطمئنًا، بأن وزير الإعلام- جزاه الله خيرًا- صرح في مجلس الشورى بأننا قمنا فيها بثورة تصحيحية شاملة.
ورأيت آخر يدعو إلى عدم السماح لأي من المشايخ بإلقاء أي حديث في الإذاعة أو التلفاز، لأن ذلك خطر على الأمة ويريدون قصر الأحاديث على المسلمين المستنيرين من أمثال: نصر أبو زيد، وحسن حنفي.. وغيرهم.
ورأيت آخر يصب جام غضبه على الفقهاء من أمثال: أبي حنيفة، والشافعية، وأصحاب المذاهب الذين يقولون بالفقه العملي والروحي، ويؤيدون جهاد الأعداء، وهذا يؤهل للعنف، ويفتح له الأبواب.
ورأيت آخر يدعو إلى دمج الأديان بعضها في البعض الآخر، ويعمل لذلك خطة مشتركة.
ومن أعجب ما رأيت وأفظع ما سمعت ما قاله حمدي البصير عن الأزهر، حيث تعرض لمقارنة بين شيخ الأزهر الأسبق الدكتور عبد الحليم محمود- رحمه الله- وبين د سيد طنطاوي، نوجزها فيما يلي: يقول: إن الشيخ عبد الحليم محمود كان توليه بداية للعنف في الأزهر، حيث رفض الشيوعية، ورفض حوار الأديان، وطالب لجماعات الإسلام السياسي أن يناقش الفكر بالفكر ورفض سبهم أو الشهادة ضدهم.
أما الشيخ طنطاوي فقد كان بداية التنوير في الأزهر، حيث حسن علاقته بالسلطة، علاقة طاعة، وعارض إصدار ضريبة الزكاة، وحلل شهادات الاستثمار، وهاجم الصحف الصفراء، وحاور الأديان، ولعب دورًا مهمًا في ذلك، وشهد ضد الجماعات الإسلامية، ووصفهم بالسفاحين، وله في ختان الإناث فتوى مستنيرة، وجفف المناهج وعدلها.. إلخ.
فقلت بعدما سمعت ورأيت لقد هزلت وتوارت الأعلام، وبرزت الأقزام، وقتل الفكر القويم وبرز الفكر اللئيم، وجرى الحمار الأعرج في السباق وحده، فقلت: خلا لك الجو فبيضي وأفرخي، ولكن هل تسبق العرجاء، وتقود العمياء، وتبدع الخرقاء، لا أظن.. لا أظن.