; خلق الحياء أنواعه .. آثاره .. اكتسابه | مجلة المجتمع

العنوان خلق الحياء أنواعه .. آثاره .. اكتسابه

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 15-مايو-2010

مشاهدات 57

نشر في العدد 1902

نشر في الصفحة 58

السبت 15-مايو-2010

يقول بعض البلغاء: «حياة الوجه بحيائه كما أن حياة الغرس بمائه»...

فالحياء لوجه الإنسان كالماء بالنسبة للنبات، فلا يزال وجهك حيًا مادمت حييا، أما إذًا ذهب الحياء عن الوجه فقد مات هذا الوجه !! والحياء خلق يميز الإسلام من غيره، إذ يقول النبي : إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء (أخرجه مالك).

وقد تناولت في المقال السابق حقيقة الحياء ومكانته ولزومه للمسلم، وخاصة المرأة، كما أوضحت الفرق بينه كصفة محمودة وبين الخجل كصفة مذمومة، فالحياء يقي الإنسان شر الوقوع في الفاحشة والمحرمات.

يقول الشاعر:

ما إن دعاني الهوى لفاحشة                                              إلا نهائي الحياء والكرم

ولا إلى محرم مددت يدي                                                ولا مشت بي لريبة قدم

فالحياء يردع المؤمن من الانزلاق في المعاصي والشهوات، ومن ثم يعطي الحياة نكهة الطهر والنقاء، فهو سبب العفة، وأصل المروءة ويحصن المجتمع من الاستهتار والهلاك، وهو خلق ينهى النفس عن القول القبيح والفعل المذموم.

لقد كان الحياء من الأخلاق العربية الأصيلة التي يتفاخر بها العرب قبل الإسلام، فهاهو ذا عنترة العبسي الشاعر الجاهلي المعروف يفتخر بهذا الخلق قائلاً:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي                                 حتى يواري جارتي مخباها

ثم جاء الإسلام ليغرس فينا هذه القيمة العظيمة ويؤكدها.

الحياء.. فطري أم مكتسب ؟

يرى علماء التربية أن الحياء خلق تشكله الفطرة والبيئة، بيد أن للبيئة الأثر الأكبر في اكتساب خلق الحياء، لذا فقد حث الشرع الحنيف عليه لأنه يمكن اكتسابه عن طريق تزكية النفس وتربيتها.

أنواع الحياء

يقول أبو الحسن الماوردي في كتابه ، أدب الدنيا والدين .. الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه أحدها حياؤه من الله، والثاني حياؤه من الناس، والثالث: حياؤه من نفسه ...

1- الحياء من الله ويكون بامتثال أوامر الله تعالى، والكف عن زواجره، روى ابن مسعود أن النبي قال: «استحيوا من الله عز وجل حق الحياء قلنا: إنا نستحيي من الله يا رسول الله والحمد لله قال: «ليس ذلك الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى، فمن فعل استحيا من الله حق الحياء» (رواه الترمذي).

2- الحياء من الناس : ويكون بكف الأذى واجتناب المجاهرة بالقبيح؛ فقد روي عنه أنه قال: «من تقوى الله اتقاء الناس. وروي أن حذيفة بن اليمان أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا، فتنكب الطريق عن الناس وقال: « لا خير فيمن لا يستحيي من الناس ، لذا قال : كل أمتي معافى إلا المجاهرون»..

3-الحياء من النفس :الحياء من النفس يكون بالعفة وصيانة الخلوات يقول أحد الحكماء ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك، وقال بعض الأدباء: «من عمل في السر عملاً يستحيي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر».

آثار الحياء

1- تقوية الإيمان ودليل ذلك قول النبي ﷺ : الحياء والإيمان قرنا جميعًا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر (رواه الحاكم).

2- اكتساب الصفات الكريمة ومن هذه الصفات الوقار والسكينة، ودليل ذلك ما ورد في صحيح البخاري في كتاب الأدب عن بشير بن كعب في قوله : « مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارا وإن من الحياء سكينة».

3-محو الذنوب وعفو الله: ودليل ذلك قوله تعالى في الحديث القدسي: يابن آدم، إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة ( ذكره البيهقي في شعب الإيمان، وابن القيم في مدارج السالكين).

3- الوصول إلى درجة الإحسان فالحياء يتحقق في الإنسان ويتأكد إذا استشعر أن الله مطلع عليه ويراقبه، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾( الحديد: الآية 4 )  وقال أيضًا، ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) ﴾ (غافر: الايه 19 )، وخاصة إذا علم العبد أن الا الملائكة تكتب عليه كل  به ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ (سورة ق: الايه 18 ) ، وكذلك فإن الملائكة تكتب كل ما يفعله:﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)﴾(الانفطار: الآيات 10 11 12).

5-وقاية النفس من الهبوط فالحياء حصن للمسلم، يقيه شر الوقوع في الهلاك، ويشكل وازعًا ذاتيًا وضميًرا حيًا داخل الإنسان، فيأخذ بيده إلى طريق الخير، ويبعده عن طريق الغواية والمعاصي.

6- الأثر النفسي للحياء الحياء يؤدي إلى طمأنينة النفس وتتوافق النفس والحياء من داخلها، لأنه لا يترتب عليه حرج أو خوف من الآخرين، ومن ثم فإن الحياء يقي النفس الاضطرابات النفسية، ويمتعها بصحة نفسية سليمة.

كيف نكتسب الحياء وتنمية ؟

أولاً : تقوية الإيمان:

فالإيمان للجوارح كما يقول ابن القيم يرحمه الله: «كالملك للجنود إن أمر بخير صنعت خيرًا وإن أمر بسوء وقع السوء»..

ثانيًا: الاستعانة بالله تعالى:

فالتقرب إلى الله والتضرع بأن يرزقنا التقوى والحياء من الوسائل الفعالة في إكساب الفرد الحياء.

ثالثًا: تجنب الألفاظ والأعمال البذيئة واجتناب تبديل الملابس على مرأى من الآخرين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)﴾ (النور: 85 )

رابعًا: استخدام الكنية والتعريض والتلميح – لا التصريح – إلا فيما يحقق مصلحة شرعية.

خامسًا: الإكثار من الاطلاع على آيات الحياء والأحاديث والآيات التي تناولته الحياء ومدارسة ذلك كله.

سادسًا: التدرب على التحلي بالحياء على طريقة «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم»....

سابعًا: المحافظة على العبادات المفروضة فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر مثلاً، وكذلك بقية العبادات.

ثامنًا: التأسي برسول الله ﷺ في هذا الخلق وكذلك أصحابه والصالحين.

تاسعًا: اعتزال البيئة الموبوءة بضعف الحياء واختيار الصحبة الطيبة.

عاشرًا: مدارسة أسماء الله تعالى التي تشعرنا بمراقبته سبحانه، وذلك مثل الشهيد، والسميع والرقيب، والبصير... إلخ، قال حاتم الأصم تعهد نفسك في ثلاث إذا عملت فاذكر نظر الله إليك وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك، وإذا سكت فاذكر علم الله فيك..

 د. سمير يونس (*)

Dr samiryounos@hotmail.com

الرابط المختصر :