الثلاثاء 13-أكتوبر-1970
من روائع تاريخهم
خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه!
بقلم: أبو هالة
• النفس البشرية حينما تصاب بالضعف والخور، تنتابها روح الانهزامية، فتحطم فيها قيم الإنسان وبنود تكريمه، فتراها من خوف الموت في موت، ومن تصور الرعب في رعب!
• وهي نفسها وإن كانت تعلم الحق في داخلها، وتراه جليًا أمام ناظرها، إلا أنها في مسايرة الجماهير المضللة، تجد نفسها قد انزلقت إلى أتون الباطل محترقة.. بتصرفاتها.
- وصاحبنا اليوم شخصية مرموقة، لها وزنها في المجتمع الذي عاشت فيه «سيدة وقائدة» مرهوبة الجانب، يُكن لها الجميع كل تقدير واحترام، إنه «عتبة بن ربيعة» أحد سادات قريش وحكمائها.
- أسلم ابنه «أبو حذيفة» في أول مجموعة آمنت بالرسالة الجديدة وظل هذا الابن يسمع أباه حقيقة هذا الدين الجديد التي تقوم على:
إفراد الله وحده بالعبودية: وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب الناس، وتحطيم الأصنام البشرية التي قدسها ذوو المنافع فتعبدتها الجماهير من دون الله..
- ووجدت هذه العقيدة صداها في نفس الزعيم القرشي اقتناعًا بصدقها، فهدأت ثورته ضد المؤمنين بها، وترقب اليوم الذي يستطيع فيه أن يسمع الرسالة من صاحبها عليه الصلاة والسلام.
الفرصة السانحة
- فما إن وجد قدميه تدلفان به إلى الكعبة يومًا في منتدى الزعماء القرشيين، ويبصر في الجانب البعيد عنهم «محمدًا» صلى الله عليه وسلم جالسًا في معية الله وحده، حتى استأذن من مجلس القوم قائلًا:
یا معشر قريش: ألا أقدم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورًا؟! لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، فاستحسن الجمع رأيه وقالوا: بلى يا أبا الوليد..
قم إليه فكلمه.
صوت الحق يأسره!
- وسار «عتبة» تجـاه الداعي إلى الحق، تصطرع في نفسه عوامل كثيرة، منها: اقتناعه الداخلي بصحة العقيدة حسبما سمعها من ابنه «أبو حذيفة»، وثقته في شخصيته الحكيمة القائدة أنها تستطيع التأثير على هذا الفتى فيسلم لعروضه التي حسبها لا بد مغرية وأخاذة.
- ولكنه ما إن توقف عند مجلس النبوة المنير، ورأى المبعوث عليه السلام جالسًا في هالة الرحمة الواسعة، حتى وجد نفسه يجلس إليه مركزًا نظراته يتمعن في هذا الوجه، الذي طالما حدثه عنه ابنه «أبو حذيفة» وتحمّل الآلام والعذاب في سبيل مبادئ آمن بها على يديه.
- فما كان منه إلا أن ألان الجانب، وهذب القول، وأبطأ في الحديث، وقدم له بكلام جميل:
يا ابن أخي!! إنك منا حيث قد علمت من البسطة في العشيرة، والمكان في النسب!! وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم!! فاسمع مني، أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها؟! فقال له عليه السلام: قل يا أبا الوليد...
قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما ترید به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه!!
- ولكن النفس العظيمة التي لا تغريها مناصب الدنيا، ولا تهز عقيدتها مغريات الحياة.. تسترخص هذا المتاع الزائل، وتلقن أتباعها درس الإباء والرفض لكل مساومة على المبدأ والعقيدة.
- ما إن انتهى «عتبة» من كلامه حتى قال له الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه:
أقد فرغت يا أبا الوليد؟
قال: نعم.
قال له: استمع مني.
قال «عتبة»: افعل.
فأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتلو عليه سورة «فصلت» من قرآن الله الحكيم: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت: 1 - 4).
مرورًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (فصلت: 9).
- الرسول يقرأ و«عتبة» ينصت، وكلام الله ينفذ إلى قلب «عتبة» وعقله، فيشده مأخوذًا بالآيات البينات، حتى إذا ما وصل الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلى آية السجدة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: 37). وسجد.
إذا «بعتبة» يدور بعقله في الشريط الحزين لعلية القوم وحكمائهم، وهم يعبدون بشرًا من أنفسهم أو صنمًا من صنع أيديهم، ويضع أمام هذه الصور الشائنة صورة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يحرر هذه العقول من إسار الضلالة وزيغ العقيدة، ويرفعها من بهتان الدناءة إلى رفعة المنزلة وكرامة البشر.
ويرتجف «عتبة» وتهتز أوصاله وهو يسمع قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: 13).
فيضع يده على فم الرسول عليه السلام ويناشده الرحم أن يكف عن ذلك..!
فيقول له «محمد»: -
قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت. فأنت وذاك.
الوجه الجديد
- فانصرف «عتبة» بعدما سمع قافلًا إلى أصحابه، تبدو في مشيته علامات أمر جديد!! وتظهر على وجهه من بعيد أمارات تغير طارئ!
فقال بعضهم لبعض:
نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا:
ما وراءك يا أبا الوليد؟!
قال: ورائي:
إني سمعت قولًا، والله ما سمعت مثله قط!! والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة!!
- ووقف «عتبة» بين سادة قومه يقول لهم:
يا معشر قريش أطيعوني، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه!! فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ!! فإن تصبه العرب فقد کفیتموه، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه!!
قال «عتبة»: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل