; خمسة أخطاء في تطبيق أحكام الطلاق | مجلة المجتمع

العنوان خمسة أخطاء في تطبيق أحكام الطلاق

الكاتب أ. د. محمد الدسوقي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993

مشاهدات 206

نشر في العدد 1045

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 13-أبريل-1993

الطلاق في الإسلام أبغض الحلال، ولا يباح إلا في أضيق الحدود وعند الضرورة، ومع هذا وضع له الإسلام بعض القواعد، والضوابط حتى يتيح الفرصة أكثر من مرة لحياة زوجية مستقرة، وحتى يضيق منافذ الطلاق فيكون إقدام الزوج عليه تعبيرًا صحيحًا عن رغبته في فراق زوجته وأنه لا يستطيع العيش معها، وأن ما جعل الله بينهما من مودة ورحمة أصبح أوهى من خيط العنكبوت.

والملاحظ بوجه عام أن الناس في تطبيقهم لأحكام الطلاق لا يراعون هذه الضوابط وتلك القواعد، إما جهلًا بها أو عنادًا واستكبارًا، ومن ثم يقعون في عدة أخطاء ما كان لهم أن يقعوا فيها لو فقهوا ما شرعه الله لهم، وأخذوا أنفسهم به، ولم يفرطوا فيه، ولم يخضعوا لمواريث وتقاليد لا يقرها الدين الحنيف.

الخطأ الأول

وأول هذه الأخطاء: أن الرجل غالبًا يبادر إلى تطليق زوجته إذا ما شعر بالكراهية والنفور منها، مع أن عليه أن يقاوم ما يشعر به نحو زوجته ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأن يوقن بأن الإنسان قد يكره ما فيه الخير، ويحب ما يجلب عليه الشر والضر، وبخاصة في علاقته بزوجته، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ١٩). إن المسلم أمام الطلاق ينبغي عليه أن يتروى كثيرًا قبل أن يلفظ بما يفرق بينه وبين زوجته، ومن الخطأ البين أن يتعجل ويطلق ولا يصغي لما يحضه عليه الدين أو يأمر به العقل أو توجبه المروءة؛ روي أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له: إنه يريد أن يطلق زوجته لأنه لا يحبها، فقال له عمر: «ويحك، أوَلم تبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم؟». يعني أين ما عليك وقد جعلك الله راعيًا للأسرة من واجب الرعاية لأهل بيتك، وتعهد أسرتك بما يصلحها، وأين الترفع والتنزه عن ارتكاب ما ينافي الكرامة الإنسانية؟

لقد عد عمر تفكير الرجل في الطلاق لهذا السبب -سبب الكراهية- ضعفًا وهروبًا من التبعات التي تفرض عليه وظيفته في البيت أن يتحملها في عزة وشجاعة وصبر وأناة.

والخطأ الثاني

أن هناك تقصيرًا واضحًا في موضوع التحكيم بين الزوجين عند خوف الشقاق، فلا يوجد في المجتمع من يحرص على التدخل لإزالة أسباب الخلاف بين الزوج وزوجته، بل قد نرى اليوم من يزيدون النار اشتعالًا ويفسدون ولا يصلحون، مع أن القرآن الكريم أمر الأمة ممثلة في أهل الزوجين بالإصلاح بينهما فهما أشد الناس حرصًا على سعادة الأسرة بمقتضى صلات القرابة التي توحد بين الجميع، ولأنهم كذلك أشد الناس حرصًا على حفظ ما قد يكون في أسباب الشقاق من شؤون يجب أن تكتم وتخفى حتى لا تشيع بين الناس، وهي مما تتأثر به كرامة الجميع؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنِهِمَاۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء: ٣٥). فهذه الآية يتوجه الخطاب فيها إلى المؤمنين عامة أو من يمثلهم، ويكون أكثر قدرة على القيام بالإصلاح كأقرب الزوجين وهي تأمر بتدخل الحكمين عند خوف الشقاق لا عند وقوعه، وترشدهما إلى ما يجب عليهما ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنِهِمَا﴾.. إن هذا الجزء من الآية الكريمة يحض الحكمين على الإخلاص في المهمة وصدق الإرادة، وتحري العدل، والعمل جهدهما على إنقاذ الأسرة من الشقاق الذي وقعت أو تخشى أن تقع فيه.

وأما الخطأ الثالث

فيتمثل في أن الرجل قد يطلق المرأة في وقت لا تكون محلًا للطلاق فلا يقع شرعًا ولكن الناس لا يبالون بهذا ويتم التفريق بين الزوجين؛ فالمرأة يمكن أن تطلق في أي وقت إذا لم يكن مدخولًا بها، وكذلك إذا كانت حاملًا أو آيسة أو منقطعة الحيض، ولكن إذا كانت الزوجة المدخول بها ليست بحامل وهي من ذوات الأقراء، أي إن لها عادتها الشهرية الطبيعية، هذه الزوجة ينبغي أن يطلقها زوجها في طهر لم يجامعها فيه؛ فمن طلق في الحيض، أو في طهر جامع فيه المرأة كان هذا الطلاق بدعيًا، وهو منهي عنه. وتدل النصوص من الكتاب والسنة على أن الطلاق البدعي لا يعتد به ولا أثر له على الرأي الراجح؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطلاق: ١). أي إذا أردتم تطليق النساء فطلقوهن مستقبلات العدة، وإنما تستقبل المطلقة العدة إذا طلقها زوجها بعد أن تطهر من حيض أو نفاس وقبل أن يمسها.. إن المرأة إذا طُلقت وهي حائض لم تكن في هذا الوقت مستقبلة العدة، فتطول عليها لأن بقية أيام الحيض الذي طُلقت فيه لا تحسب من العدة وفي ذلك إضرار بها، فضلًا عن أن الطلاق في الحيض قد يكون مبعثه ضيق الرجل من المرأة لرغبته فيها ولكن يمنعه من تحقيق رغبته حرمة القرب منها في المحيض، بالإضافة إلى أن المرأة في أيام الحيض تكون في حالة مرضية خاصة تؤثر على أعصابها وتصرفاتها، وقد يصدر عنها من الأقوال والأفعال- وهي في هذه الحالة- ما يحمل الزوج على الطلاق. والمرأة إذا طُلقت في طهر جامعها فيه الزوج، فإنها لا تدري هل حملت أو لم تحمل فلا تعرف بم تعتد، أتعتد بالإقراء أو بوضع الحمل؟ ثم إن الرجل إذا طلق امرأته في طهر جامعها فيه، وتبين أنها حملت منه، فقد يندم على طلاقه فإذا منع من الطلاق في الطهر الذي مس فيه المرأة فذلك أملًا في أن يعدل عن فراق زوجته، ويمسكها بمعروف إذا استبان حملها منه.

الخطأ الرابع

يتجلى الخطأ الرابع في سلوك أهل الزوجة إذا طُلقت طلقة رجعية، أنهم يسارعون إلى إخراجها من بيت زوجها إلى بيت أهلها، وهذا سلوك نهى عنه الشرع؛ فالمرأة إذا طلقها زوجها الطلقة الأولى أو الثانية فإن هذه الطلقة تكون رجعية، أي يملك الزوج حق مراجعة زوجته دون رضاها ودون عقد جديد عليها طالما أنها مازالت في العدة، فإن انتهت العدة دون إرجاع المرأة فقد بانت من زوجها بينونة صغرى، وأصبح لا سلطان له عليها، فإن رغب في إرجاعها بعد ذلك فإن هذا لا يتم إلا بعقد جديد، ومهر جديد.. إن الطلاق الرجعي لا ينهي العلاقة الزوجية في الحال، ومن ثم تكون المرأة في فترة العدة من هذا الطلاق في حكم الزوجة، ومن هنا يجب أن تبقى ما دامت في العدة في بيت زوجها، يحرم عليها أن تخرج من هذا البيت، كما يحرم على الزوج أن يخرجها منه بغير حق؛ لأن وجودها في البيت قريبًا منه فيه إثارة لعواطفه، وتذكير له بأن يفكر في الأمر مرة ومرة قبل أن يبلغ الكتاب أجله، وتنتهي أيام العدة، والقلوب تتغير، والغاضب قد يرضى، والكاره قد يحب؛ قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا. فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (الطلاق: ١-٢).

والخطأ الخامس

أن الرجل الذي يملك حق الطلاق يجب عليه إذا طلق زوجته أن يدفع إليها كل حقوقها المالية، ثم يقدم لها هدية اعترافًا منه بفضلها عليه، وتخفيفًا عما لحقها من لوعة وأسى بسبب الطلاق، وهذه الهدية تسمى بالمتعة، ولكن الناس أهملوا أمر المتعة، فلا تجد رجلًا يمتع زوجته إذا طلقها، وهو خطأ في تطبيق أحكام الطلاق التي بينت أن متعة المطلقة حق على المتقين وحق على المحسنين؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢٤١). ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسنينَ﴾ (البقرة: ٢٣٦).

فالمتعة تجب وفقًا لقدرة الرجل المالية، ومن ثم تتأثر في مقدارها بحالة الزوج يسارًا وعسارًا، كما تتأثر بالعرف واختلاف الزمان والمكان.

اقرأ أيضًا:

  • فضائح ما بعد الطلاق!
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل