العنوان خواطر اقتصادية حول آيات الصيام
الكاتب د. أشرف دوابه
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-2018
مشاهدات 72
نشر في العدد 2119
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 01-مايو-2018
كان الصحابة نموذجاً مضيئاً للصائم المنتج فلم يعرفوا للخمول طريقاً ولا للبطالة سبيلاً
رمضان فرصة للتوسع في بذل المال بوجوه البر المتعددة وليس من خلال الكفارات فقط
رمضان هو شهر نزول القرآن وارتباط السماء بالأرض، وفيه ليلة خير من ألف شهر، ويمتلك من النفحات الربانية والدروس الاقتصادية ما هو ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقد تناول القرآن الكريم في سورة «البقرة» آيات الصيام بدءاً من الآية 183 حتى 187، وتعكس هذه الآيات البينات العديد من الجوانب الاقتصادية للصيام بصورة تبرز مكانته وأهمية الاقتصاد في واقع حياة المسلمين، ومن هذه الجوانب الاقتصادية ما يلي:
1- جعل الله تعالى ثمرة الصيام التقوى فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183}) (البقرة)؛ وهو ما يعني التربية على الرقابة الذاتية التي تدفع المسلم إلى بذل المزيد في عمله إخلاصاً وإنتاجاً وأمانة وإتقاناً، وهو ما يندرج إيجاباً على الإنتاجية والإنتاج الذي أمتنا في أمس الحاجة إليه في عالم تسيطر عليه القوة الاقتصادية.
إن رمضان فرصة لإقرار وترسيخ تلك القيم الربانية، والبعد كل البعد عن اتخاذ شهر الصيام وسيلة للتكاسل والتراخي والإهمال والتواكل في إنجاز الأعمال، وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجاً مضيئاً للصائم المنتج، فلم يعرفوا للخمول طريقاً، ولا للبطالة سبيلاً، ولا للاعتماد على غيرهم في تلبية حاجاتهم منهجاً.
2- إذا كان الإسلام يسّر سبل التكافل الاجتماعي بين المسلمين على مدار العام، فإنها في هذا الشهر الكريم أعم وأشمل وأعظم، فأباح الإفطار للشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يُرجى برؤه إذا لم يطيقوا الصيام، على أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، ورخص للحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك، وهو ما يوثق عرى التكافل بين المسلمين، قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة: 184).
لذا فرمضان فرصة عظيمة ليس فقط لبذل المال من خلال الكفارات، بل للتوسع في بذله في وجوه البر المتعددة، فكم من يتيم يترقرق الدمع في عينيه ولا يجد من يواسيه! وكم من أرملة أقعدها الزمن لا تجد من يقف بجانبها! وكم من أطفال يعيشون ذل الفقر والمسألة ولا يجدون ما يكفيهم! فما أحرى بنا أن نرق لآلام هؤلاء، وأن نحقق آمالهم بمد يد العون والرعاية والبذل لهم؛ فما نقصت صدقة من مال، والصدقة تقى من البلايا والكروب، وتشفي الأرواح والأجساد، وتطفئ الخطيئة وتزيد الأرزاق وتبارك فيها.
3- جعل الله الصيام «أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ»، ولكن هذه الأيام فيها من البركة الاقتصادية ما ليس في غيرها من الشهور الأخرى؛ (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {184})، ومن البركات الاقتصادية لهذا الشهر الكريم أنه «شهر يزاد فيه رزق المؤمن» (رواه ابن خزيمة)، وأن سحوره بركة؛ «تسحروا فإن في السحور بركة) (رواه البخاري)، كما أن ليلة القدر خير من ألف شهر، كما أن ثمرة الصيام وهي التقوى من موجبات البركة الاقتصادية، فالله تعالى يقول: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (الأعراف: 96).
4- وصف الله تعالى شهر رمضان بقوله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {185} وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ {186}) (البقرة)، وهدي القرآن وفرقانه يشمل كل جوانب الحياة ومنها الجانب الاقتصادي، وهي دعوة للأخذ بالمنهج الرباني في الاقتصاد، والعض عليه بالنواجذ، كما أن في هذه الآية إقراراً لقيمة التيسير لا التعسير والتكبير لله والعبودية الخالصة له والشكر لمنه وفضله، واللجوء إليه بالدعاء لتحقيق الرشادة، وهذه الأمور إذا التزم المسلم بها علم يقيناً أن المال مال الله وهو مستخلف فيه؛ ومن ثم يتخذه وسيلة لا غاية، ويجعله معمراً لا مدمراً، ويستفيد منه ربحاً محموداً لا جشعاً مذموماً.
5- رمضان شهر تتجسد فيه الوحدة الإسلامية في قوله تعالى: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) (البقرة: 187)، فالمسلمون يلتزمون بوقت واحد للإمساك منذ طلوع الفجر، ووقت واحد للإفطار مع غروب الشمس، فرمضان شهر صيام واحد، لأمة لها رب واحد، وقبلة واحدة، ومنهج واحد، فهو بذلك يجمع الأمة ويوحد صفوفها.
ومن ثم ينبغي لهذه الأمة أن تشمر عن سواعد الجد وتكون يداً واحدة وقلباً واحداً وكياناً واحداً، فتنتقل من التنافر الفردي إلـي العمل الجماعي الوحدوي من خلال إقامة اتحاد اقتصادي إسلامي، فلن يجمع شتات المسلمين إلا الإسلام، ولن يؤاخي بينهم إلا الإسلام، ولن يغنيهم عن تلبية احتياجاتهم واعتمادهم على أنفسهم إلا الوحدة الاقتصادية الإسلامية، فليكن رمضان مصدر إلهام تحقيق هذه الوحدة في عالم تسوده العولمة وتحركه التكتلات الاقتصادية، لتحقيق نهضة اقتصادية إسلامية شاملة، والخروج بالأمة من نفق التبعية إلى رحاب الاستقلال والوحدة الإسلامية الشاملة.
6- إذا كان الله تعالى حدد موعد الإمساك عن الطعام والشراب في رمضان، فإنه سبحانه يأبى من حيث الكم أن تفرط الأمة في استهلاكها، فرمضان فرصة ومجال لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتاب المسلمين في هذا الشهر الكريم، وتحقيق التربية الاستهلاكية من خلال القاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف: 31)، هذه القاعدة لا شك هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام.
وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطر على رطبات إن وجدها، فإن لم يجدها فعلى حسيات من ماء، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ رمضان ترويضاً وتربية للنفس؛ فلا مكان فيه لإسراف أو تبذير، بل اقتصاد وترشيد.
7- ليس من فراغ أن تأتي آية حاكمة للاقتصاد بعد آيات الصيام: (} وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {188}) (البقرة)، فهذه دعوة للبعد كل البعد عن أكل المال بالباطل، الذي هو أساس تدمير الاقتصاد بما يحمله من ربا وغرر وغش وتدليس وخديعة وغصب وسرقة ونحوها، وما ينتج عن ذلك من دمار ثروات الأمة البشرية والمادية.
وهذا يؤكد مدى الارتباط الوثيق بين الصيام والاقتصاد، إضافة إلى ما ذكرناه من جوانب اقتصادية في شهر رمضان الكريم، والله تعالى أعلم.
مفاهيم اقتصادية
خراج المقاسمة
الخراج هو ما يفرض على الأرض التي فتحها المسلمون عنوة أو صلحاً، ويرى أبو يوسف أن الفيء هو الخراج استناداً إلى قوله تعالى: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7)، وقد قسّم الفقهاء الخراج باعتبار المأخوذ من الأرض إلى نوعين: خراج المقاسمة، وخراج الوظيفة.
وخراج المقاسمة: وهو الخراج بمعناه العام، الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو المقدار المحدد من ناتج الأرض مثل النصف أو الخمس أو السدس، وهذا النّوع من الخراج يتعلّق بالخارج من الأرض لا بالتمكن، ويتكرّر أخذه بتكرّر الخارج من الأرض، ولو عطلت الأرض فلا خراج.
وقد فرض الرسول صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الخراج على الأراضي التي فتحت صلحاً أو عنوة، حيث أبقى صلى الله عليه وسلم اليهود على أرض خيبر وفدك وقد فتحتا عنوة على أن له نصف الناتج منهما، وكونه له صلى الله عليه وسلم؛ أي باعتباره رأس الدولة ينفقها في مصالحها، ومن أهم مصالحها أن ينفق على نفسه وعياله ومصالح المسلمين العامة.
وحينما تولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة كان متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورد الخراج إلى مصالح المسلمين عامة، وتكفل بإعالة من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعولهم.