العنوان خواطر حول الإسراء والمعراج
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
مشاهدات 59
نشر في العدد 1326
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
- الربط بين المسجدين الحرام والأقصى دليل على أن أمن كل منهما مرتبط بالآخر
اكتسبت حادثة الإسراء والمعراج الخلود بتسجيل الله تعالى لها في القرآن الكريم، مما زادها أهمية بذلك على بقية المعجزات.
إن لهذه الحادثة دلالات، وإشارات، وبشائر أشار القرآن الكريم إلى كثير منها من خلال سورة الإسراء وافتتاحيتها التي تبدأ بقوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 1-2).
والإنسان حينما يعيش في ظلال هذه السورة الكريمة، ثم يحلق من خلالها إلى الجو الذي نزلت فيه: جو مكة المكرمة، والملأ الذين كانوا يكذبون رسول الله صلي الله عليه وسلم ويؤذونه وأصحابه في عام الحزن الذي توفيت فيه زوجته المخلصة خديجة- رضي الله عنها-، وعمه أبو طالب الذي كان يقوم بحمايته، والدفاع عنه.
في مثل هذا الجو الكئيب الدامس تأتي البشرى، ويأتي جبريل- عليه السلام- لاستضافته إلى زيارة المسجد الأقصى، والسلام على الأنبياء عليهم السلام، ثم المعراج إلى الأفق الأعلى والسماوات العلا:
﴿إِذ يَغشَى ٱلسِّدرَةَ مَا يَغشَىٰ مَا زَاغَ ٱلبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَد رَأَىٰ مِن ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلكُبرَىٰٓ﴾ (النجم: 16-18).
فكانت هذه الرحلة تطمينًا، وبردًا وسلامًا على قلب محمد صلي الله عليه وسلم وتكريمًا له، وتثبيتًا لفؤاده بأن الله معه، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (الطور: 48).
ولا نريد أن نخوض في تفاصيل هذه الرحلة المباركة، وما رآه الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الأقصى أو السماوات وإنما نسجل هنا بعض الخواطر:
١ - تسمية الأقصى مسجدًا مع أنه لم يكن هناك مسجد آنذاك إشارة إلى فتح المنطقة وبناء المسجد فيها، وهذا ما حدث فعلًا.
2 - الربط بين المسجدين الحرام والأقصى جاء بحكمة هي للإشارة إلى أهمية الموقعين وربط أحدهما بالآخر، وأنه كما لا يجوز التفريط بالمسجد الحرام فكذلك لا يجوز التفريط بالمسجد الأقصى وأن أمن أحدهما مرتبط بالآخر.
دل التاريخ على ذلك: فقد حاول الصليبيون أن يحتلوا المسجد الحرام حينما احتلوا المسجد الأقصى، لكن المسلمين صدوهم عن ذلك، يدل هذا الربط أيضًا على أن المسلمين هم حملة الرسالة ورثة الأنبياء السابقين.
٣ - التعبير بالعبودية ﴿بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء: 1) في هذا المقام العالي للتأكيد على ضرورة عدم اللبس والخلط بين مقام العبودية للإنسان مهما بلغ، ومقام الألوهية لله تعالى فقط، والمناسبة هنا أن بني إسرائيل قد اختلط عليهم الأمر في هذا المقام بخصوص بعض أنبيائهم، وبخاصة سيدنا عيسى- عليه السلام- الذي جعله النصارى ثالث ثلاثة، وجزءًا من الألوهية بسبب بعض الأوهام والمعجزات التي رافقت ولادته، وخوارق عادته، فأكد تعالى هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن أسري به، وتحققت له هذه المعجزة الكبرى، لكنه عبد الله تعالى ونبيه، ولم يتغير كونه إنسانًا عابدًا لله تعالى، بل ازداد عبودية، وخضوعًا له تعالى.
٤ - لم يركز الرسول صلى الله عليه وسلم على هذه المعجزة لإثبات دعوته مع إلحاح القوم في طلب الخوارق المادية، وذلك لأن طبيعة هذه الدعوة لا تعتمد على الخوارق المادية، وإنما تعتمد على الإقناع العقلي، والتفكير في الهداية وطريق الحق، من خلال القرآن الكريم، ومنهجه المستمد من الفطرة السليمة.
5 - جاء الحديث بعد ذكر الإسراء في آية واحدة فقط- عن موسى عليه السلام وعن بني إسرائيل، فبين منهج موسى عليه السلام القائم على التوحيد ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 2)، ثم تحدث القرآن الكريم باستفاضة عن اليهود وبني إسرائيل، فبين أنهم ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 4).
وتوضح هذه الآيات أسباب الفساد والهزيمة والهلاك، كما أوضحت أسباب النصر، والصلاح، والعمارة، والقوة.
أما أسباب الهزيمة والهلاك فقد أوضحتها الآيات الكريمة من خلال عرضها لنهاية بني إسرائيل التي صاروا إليها، وتكشف العلاقة المباشرة بين مصارع الأمم وانتشار الفساد، وترك الرسالة، وعدم تحمل المسؤولية في حمل الأمانة التي كلفوا بها.
فقد بين الله تعالي أن بني إسرائيل حينما عاثوا في الأرض فسادًا، وعلوا في الأرض تكبرًا، واستكبارًا، وتجبرًا، وظلمًا، وإهلاكًا، سلط الله عليهم من أذاقهم سوء العذاب وأذلهم، وحينما عادوا إلى الله تعالى في السابق نصرهم سبحانه.
وأما أسباب النصر والقوة فقد لخصها القرآن الكريم في هذه السورة بكلمتين: العبودية الخالصة لله تعالى ﴿عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (الإسراء: 5) أي: الجمع بين الأسباب المعنوية للقوة المتمثلة في العقيدة الصحيحة، والسلوك الصحيح، والأسباب المادية المتمثلة في الإعداد لكل ما يمكن من القوى المادية والعسكرية والبشرية والسياسية، والاقتصادية.
هذا المعنى تكرر أيضًا في الحديث المبشر بانتصار المسلمين على اليهود، إذ ورد فيه: «يا عبد الله يا مسلم هذا يهودي فاقتله» «كما في صحیح مسلم».
٦ - ركز القرآن الكريم، وكثف الحديث عن اليهود وبني إسرائيل بعد الحديث عن الأقصى للإشارة إلى الصراع الدائم المستمر ما قبل يوم الساعة بينهم وبيننا حول العقيدة، وهذه الأرض لذلك زودنا بكشف عيوبهم، وأسباب هزائمهم، وبين لنا أسباب النصر، وحذرنا من الوقوف في نفس مصائبهم وبعدهم عن منهج الله تعالى.
وحقًا لم ينتصر علينا اليهود إلا ببعدنا عن منهج الله تعالى، فنحن رفعنا شعارات جاهلية من قومية وعلمانية، وهم رفعوا شعاراتهم الدينية حتى سموا برلمانهم بالكنيست «أي محل عبادتهم»، وسموا دولتهم باسم ديني تاريخي «إسرائيل»، في وقت لا يزال معظم العرب والمسلمين لا أقول يحاربون باسم الإسلام، وإنما يحاربون الإسلام ومنهجه في الحياة والتعمير.
۷ - السياق القرآني يشير إلى بقاء المسجدين «الحرام، والأقصى»، متعانقين إلى يوم القيامة، وإن وجدت العوائق فترة من الزمن، ولكن ستظل أرض الشام تحت حكم الإسلام، وأن العاقبة للإسلام بإذن الله تعالى، وهذا ما حدث على مر التاريخ فقد احتل الصليبيون المسجد الأقصى نحو مائة سنة، وبقوا في أرض الشام نحو مائتي سنة إلى أن قيض الله تعالى لتحريرها القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي الذي رفع شعار الإسلام، وبذل كل جهوده لتحقيق أسباب النصر من العبودية لله تعالى والبأس الشديد «القوة بكل أنواعها».
8- ذكر الله تعالى بعد هذه القصة دور القرآن الكريم في الهداية فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 9).
فبين أن دور القرآن الكريم هو الهداية للطريق الأقوم، والتبشير للمؤمنين، والإنذار للكفرة والفسقة والظالمين، مما يدل بوضوح على أن منهج القرآن هو المنهج الوحيد للخروج من كل الأزمات المادية والمعنوية والنجاة من هذا العذاب الأليم.
فهل نسلك هذا الطريق؟ هذا هو السؤال.. والله المستعان.