; خواطر في قضية خاطر | مجلة المجتمع

العنوان خواطر في قضية خاطر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1986

مشاهدات 76

نشر في العدد 749

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 07-يناير-1986

تثير قضية الجندي المصري سليمان خاطر في النفس الكثير من الخواطر والمشاعر التي تحول هذه القضية من قضية فردية تتعلق بالجندي خاطر إلى قضية عامة تتعلق باتجاهات الشعب المصري نحو العدو الإسرائيلي، فمنذ زيارة السادات إلى فلسطين المحتلة قبل أكثر من ثماني سنوات والإعلام المصري يضرب صباح مساء على وتر التأييد الكبير الذي منحه الشعب المصري للسادات في سياسته الخيانية القائمة على إنهاء حالة الحرب مع العدو الإسرائيلي، وتحقيق المصالحة بين مصر و(إسرائيل)، والدخول في سياسة تطبيع العلاقات بين البلدين.

وكادت الحملة المركزة للإعلام المصري أن تؤتي ثمارها في دفع بقية الشعوب العربية المسلمة، بل وحتى العديد من شرائح المجتمع المصري إلى تصديق مضمون الحملة الإعلامية المصرية، وخاصة أن الأوضاع السيئة التي عاشتها المنطقة العربية- وما زالت تعيشها حتى الآن- تدفع نحو تصديق المضامين الكاذبة لتوجيهات الإعلام المصري بطريقة لا شعورية، ولكن حادث المنصة الذي وقع صباح ٦ أكتوبر عام ٨١، وأدى إلى مصرع عراب سياسة التطبيع الخيانية أنور السادات على يد البطل المصري المسلم خالد الإسلامبولي- أصابت حملة التطبيع التي كان يشنها الإعلام المصري في الصميم، ودفعت خطة هذا الإعلام بعيدًا عن مجال التأثير في نفوس أبناء المجتمع المصري المسلم وبخاصة أن الإسلامبولي حين أطلق رصاص رشاشه نحو صدر السادات كان يؤكد على رفض السياسة الساداتية، ويؤكد أيضًا على حقيقة العلاقة بين شعب مصر و(إسرائيل)، هذه العلاقة القائمة على الرفض العقدي، والتاريخي، والتراثي، والوجداني... إلخ.

وقد تأكدت الجماهير المصرية من اتجاهات الإسلامبولي عندما رفع شعاراته الإسلامية داخل زنزانته في قاعة المحكمة، والتي حدد فيها أن القدس إسلامية، وأنه لا صلح مع اليهود، وأن المعركة مع اليهود حتمية تاريخية أكدها القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكان الإسلامبولي يمثل الضمير الحي للضابط المصري، كذلك كان سليمان خاطر يمثل ضمير الجندي المصري، والاثنان يمثلان معًا ضمير الجيش المصري ضباطًا وجنودًا على السواء، وحين وجه الضابط الإسلامبولي رصاصاته إلى السادات كان يقتل فيه رمز الخيانة المصرية، وحين وجه الجندي خاطر رصاصاته إلى الإسرائيليين كان يقتل الغرور الإسرائيلي والعدوان اليهودي والتطبيع الخياني، وبهذا يكون الجندي خاطر قد أكمل ما بدأه الضابط الإسلامبولي.

من المؤكد أن ما من قضية أو حدث إلا وتدفع إليه دوافع مادية أو معنوية، وفي قضية خاطر نلاحظ أن الدوافع المادية والمعنوية اختلطت إلى الحد الذي لم يكن أمام خاطر إلا أن يوجه بندقيته نحو المجموعة الإسرائيلية ليصرع برصاصها سبعة من أفرادها، وسنترك أمر معرفة الدوافع المادية والمعنوية التي أشرنا إليها لقارئ المجتمع من خلال استعراض بعض فقرات التحقيق الذي أجرته النيابة العسكرية المصرية مع الجندي سليمان خاطر، فبعد شرح التهمة الموجهة للجندي خاطر والمتمثلة في قتله سبعة أشخاص إسرائيليين أثناء نوبة حراسته في الموقع المحدد له على تلة مرتفعة تقع على خليج العقبة ما بين نويبع وطابا:

المحقق: ذكرت بأقوالك أن المجني عليهم كانوا يرتدون ملابس البحر ومايوهات بكيني وعري، فهل هذا التصرف استفز مشاعرك بأي شيء من الأشياء؟

خاطر: لا، ولكن دي منطقة ممنوعة وممنوع أي حد يتواجد فيها، حتى لو كان مصريًا، وإللا يعني نسيب الحدود فاضية، وكل اللي ترينا جسمها العاري ندعها تدخل.

المحقق: ماذا تعني بالعبارة نسيب الحدود فاضية واللي ترينا جسمها تعدي؟

خاطر: أقصد من الممكن أن يترك أي جندي شاب نفسه أمام هذه الحاجات، وكان هناك نساء يهوديات على هذا الشكل يعدوا الحدود، ويدخلوا الشاليهات، وأنا سمعت أن امرأة يهودية عملت سكرانة ومسطولة ودخلت في الشاليه اللي فيه جهاز الإشارة، وأخذت التردد بتاع الجهاز ومشيت، وكلهم يطلعوا مأموريات وإحنا نكون مغمضين.

المحقق: من أين أتيت بهذه المعلومات؟

خاطر: الكلام ينتشر في كل حتة، ومعروف وكثير من الموجودين في الحدود شغالين مع الأجانب، وراح يضيعوا البلد، وشغلوا عليهم المخابرات وشفوهم بيروحوا فيه؟

المحقق: ألا تعلم أنه محظور إطلاق النار على أحد؟

خاطر: وهو ممنوع أن أطلق النار كمان على عدوي؟

المحقق: ومن هو العدو في نظرك؟

خاطر: كل واحد يتعدى حدود المسموح أو حدود الدولة.

المحقق: هل أظهر الإسرائيليون أي عمل عدائي جعلك تطلق النار عليهم؟

خاطر: ما حدش أظهر عمل عدائي، بس أنا باعتبر أي واحد يدخل على النقطة- وده ممنوع حسب الأوامر- يبقى عمل عدائي، أنتم قلتم لنا ده ممنوع قولوا لنا نسيبهم، وإحنا نسيبهم يدخلوا الشاليهات يرقصوا فيها.

المحقق: أما تعلم أن ما أتيته كان يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة؟

خاطر: لو كل واحد حاسيبه يخش النقطة، ولو كان عسكري فعل ذلك لحصلت عواقب وخيمة أيضًا، والذي يحب سلاحه يحب وطنه، واللي يهمل في سلاحه يهمل في وطنه.

المحقق: أنت متهم بقتلك عمدًا سبعة أشخاص إسرائيليين وبسبق الإصرار فما هي أقوالك؟

خاطر: لا طبعًا مش متعمد لأنهم دخلوا منطقة ممنوعة، وحاولت إرجاعهم بتهديد السلاح، وهما أعطوني السلاح ليه؟ مش عشان أرد به أي عدو؟ والإسرائيليون جم المنطقة دي يعني يعتبرون عدو وأنا أطلقت النار للتحذير، ولكنهم استمروا في الصعود إلى نقطتي وكان لازم أرجعهم مهما يكن لمصلحة مصر.

ما عرضناه هو بعض فقرات من التحقيق الذي أجرته النيابة العسكرية المصرية مع الجندي سليمان خاطر، ومن خلال هذه الفقرات تتضح لنا معظم الدوافع المادية والمعنوية التي أدت بالجندي خاطر إلى قتل المجموعة الإسرائيلية.

فالدافع المادي: يتمثل في عدم التزام المجموعة الإسرائيلية بأوامر الجندي خاطر في عدم تخطي منطقة الحدود إلى حيث يتمركز في نقطة حراسته، وهذا أمر يعتبر من بدهيات الحراسة العسكرية وبخاصة في منطقة حدودية، وهناك أيضًا الأوامر العسكرية التي يلتزم بها الجندي خاطر والتي تنص على منع أي شخص كان عبور نقطة حراسة أو حدود أو بدون ترخيص مسبق، ومن أجل ذلك كان من الضرورة الأمنية العسكرية تسليح هؤلاء الحرس وتزويدهم بالذخيرة الحية، والجندي خاطر كان في عمله ينفذ أمرًا عسكريًا التزم به منذ التحاقه بالقوات المسلحة.

والدافع المعنوي: يتمثل في مشاعر الجندي خاطر التي تأثرت كثيرًا برؤية المئات من اليهود يتجولون على شاطئ الخليج وهم عراة يتملكهم الغرور والشعور بالعظمة والفوقية أمام جنود مصر الذين خاضوا أربع حروب مع اليهود، دفعوا خلالها عشرات الآلاف من الشهداء الذين ذهبوا ضحية تخاذل القيادات العليا المدنية والعسكرية، ومع ذلك تكون نتيجة هذه التضحيات الكبيرة أن يصبح العدو صديقًا تتجول نساؤه العاريات فوق أرض مصرية يستغلون أجسادهن العارية من أجل الدخول على جنود مصر للحصول على أية معلومات يمكن أن يستفيد منها العدو، كما جاء في إحدى فقرات التحقيق.

ومع ذلك فلم يذهب خاطر إلى حد قتل الإسرائيليين لمجرد كونهم عراة، كما يقول إن الله أمرني في هذه الحالة أن أغض بصري، وهذا ما أستطيعه أمام هذا المنكر وغير ذلك، فالراعي هو المسؤول عن رعيته وما يحدث في بلده، وأنا رجل مسلم وهؤلاء عرايا، وربنا قال أغضض من بصرك، أما إطلاق الرصاص عليهم فقد تم لتجاوزهم الحدود المسموح بها، ومحاولتهم الدخول إلى المنطقة الممنوعة.

إن الترحيب الإسرائيلي بقرار المحكمة المصرية هو بحد ذاته دليل براءة للجندي خاطر، كما هو دليل اتهام يوجه للمحكمة وقضاتها، ويعزز ذلك الموقف المتخاذل للسلطات المصرية تجاه تلك القضية ما أقدم عليه صحفي إسرائيلي كان قد سمح له بزيارة الجندي خاطر وهو بزنزانته لتصويره، فحين اقتراب الصحفي الإسرائيلي من الجندي خاطر ضربه على رأسه بآلة التصوير التي كان يحملها سببت له جرحًا بليغًا ونزيفًا حادًا، وكان هذا العمل الوحشي يمثل حقيقة الاتجاهات العدوانية الحاقدة لليهود، والتي يحاول قادة مصر أن يخفوا معالمها من خلال سياسات التطبيع الخيانية التي وجه إليها الجندي خاطر رصاصاته.

إن قضية خاطر ستكون دافعًا لكل جندي لأن يقف نفس الموقف رغمًا عن القيادات المتخاذلة التي دفعت الأمة إلى اجتراح الهزيمة تلو الهزيمة.

الرابط المختصر :