العنوان خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى (۲۳) مع القرآن خلف القبضان (4من6) : أشرف علوم القرآن:
الكاتب الشيخ رائد صلاح
تاريخ النشر السبت 25-مارس-2006
مشاهدات 64
نشر في العدد 1694
نشر في الصفحة 50
السبت 25-مارس-2006
كنت أجهل أن بعض آيات القرآن الكريم قد نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس في بيت المقدس ليلة الإسراء.
هكذا عشت مع القرآن الكريم فرحًا سعيدًا ألوذ إليه في نهاري وليلي، وأجد فيه متعتي الصافية، والنامية، والرابية يومًا بعد يوم، وهكذا أخذت تزداد الإشراقات القرآنية في قلبي وصدري، وهكذا أخذت هذه الإشراقات تشرح صدري وتغذي ضميري، وتصقل أحاسيسي وتضبط جوارحي، وهكذا وجدت نفسي أنال من هذا البحر اللامحدود الذي لن تنقضي عجائبه مع مرور القرون حتى قيام الساعة!
وهكذا بدأت أقترب بعض الشيء من معنى رواية ابن كثير عن الأعمش عن أبي وائل: «استخلف علي، عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة- وفي رواية سورة النور-، ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا»، وهكذا وقفت خاشعًا مذهولًا عند قول أبي القاسم النيسابوري في كتابه «التنبيه على فضل علوم القرآن» حيث يقول: «من أشرف علوم القرآن، علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا، وما نزل مشيعًا، وما نزل مفردًا، والآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكيات في السور المدنية، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى مكة، وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة، وما نزل مجملًا وما نزل مفسرًا، وما اختلفوا فيه فقال بعضهم مكي وبعضهم مدني، فهذه خمسة وعشرون وجهًا، من لم يعرفها ويميزها بينهم لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى».
أدلة القرآن
وأصدقكم القول إنني اجتهدت ومازلت أجتهد أن أجمع الأدلة من القرآن والسنة النبوية التي تبين فضل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وقد أدهشني أمر في سجني لم أعرفه من قبل، وهو أن بعض الآيات القرآنية قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس، وعلى سبيل المثال فإن قوله سبحانه في سورة الزخرف: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (الزخرف: 45) فإنها نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء، وأنا أقر معترفًا بذنبي أنني كنت أجهل ذلك حتى دخلت السجن ووقفت على هذا الكنز الثمين خلال خلوتي مع القرآن الكريم وإشراقاته النورانية.
وأصارحكم القول إنني اجتهدت خلال سجني أن أقرأ كل ما وقع بين يدي حول القرآن الكريم، وقد قرأت الشيء الكثير بفضل الله تعالى، ووجدت الفوائد التي لا تحصى خلال هذه القراءة الطويلة، ولكنني أعترف- ولا أجد حرجًا في ذلك- أنه خلال سجني وقع بين يدي كتاب بعنوان «بدائع الفوائد» للإمام ابن القيم الجوزية، وهو كتاب يتناول بعض علوم القرآن وإعجازه اللغوي، ولذلك اجتهدت أن أقرأ الكتاب وهو من أربعة أجزاء، واجتهدت أن أقف على معانيه، إلا أنني مرة أخرى أصارحكم القول أنني لم أنجح أن أفهم الكتاب، لذلك تركته وأعدته إلى بيتي، وأسأل الله تعالى أن يعينني على فهم معانيه ولو بعد حين.
قواعد من القرآن:
ولكن هذا الموقف الذي عشته مع هذا الكتاب لم يكسر عزيمتي، بل واصلت الخلوة مع القرآن الكريم والتزود من إشراقاته النورانية وبدائع فوائده، ومن الفوائد المهمة التي وجدتها في سجني، وأرى من الواجب أن أكتبها في هذه المقالة هي «قاعدة الهمز» فقد وقفت عليها خلال قراءتي لكتاب «مناهل العرفان في علوم القرآن» وأنا أعترف بلا حرج أنني وغيري كثيرون نقع في كثير من الأخطاء خلال كتابتنا للكلمات التي تتضمن الهمز، لذلك سأورد «قاعدة الهمز» كما وجدتها في هذا الكتاب للفائدة، وهي ضرورية، حيث يقول صاحب هذا الكتاب وهو الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني حول «قاعدة الهمز» «خلاصتها أن الهمزة إذا كانت ساكنة تكتب بحرف حركة ما قبلها نحو ائذن، البأساء» «ففي الكلمة الأولى، جاءت الهمزة ساكنة، وما قبلها مكسور، فكتبت على حرف حركة الكسر وهو الياء، أما في الثانية فجاء ما قبلها مفتوحًا، فكتبت على الألف»... وهكذا، إلا ما استثني.
أما الهمزة المتحركة فإن كانت أول الكلمة أو اتصل بها حرف زائد كتبت بالألف مطلقًا، سواء كانت مفتوحة أم مكسورة أم مضمومة نحو «أيوب، أولو، إذا سأصرف، سأنزل، فبأي» إلا ما استثني، وإن كانت الهمزة وسطًا، فإنها تكتب بحرف من جنس حركتها نحو «سأل، سئل، تقروه» إلا ما استثني، وإن كانت متطرفة كتبت بحرف من جنس حركة ما قبلها نحو «سبأ، شاطئ، لؤلؤ» إلا ما استثني، وإن سكن ما قبلها حذفت- أي حذفت من الحرف ورسمت مفردة- نحو» ملء الأرض، يخرج الحب «إلا ما استثني والمستثنيات كثيرة في الكل».
مكتشفات حديثة:
وخلال سجني، من الله تعالى علي وقرأت كتاب «الأساس في التفسير» للأستاذ سعيد حوى وهو موسوعة في علم التفسير يتكون من أحد عشر مجلدًا، وقد وجدت فيه الخير الكثير وعشت فيه أشهرًا مباركة من عمري على هذه الأرض، ووجدت فيه ما لا يحصى من الإشراقات القرآنية، فخلال قراءتي للمجلد الأول ومنذ صفحاته الأولى وقفت على هذه المقدمة الرائعة التي يقول فيها صاحب الكتاب: «وفي عصرنا انطلق كل شيء من عقاله بحرية كاملة دون أي التزام مسبق في الظاهر كما رأينا، ولكن الأمر العجيب أن كل شيء يخدم قضية الحق أبعد لصالح الهوى، وكل شيء يخدم قضية اليقين أبعد لصالح الظنون، وكل ذلك يعطي صفة علمية يتم الإيهام بأنها قطعية، وهي باطل في جوهرها، فعلى سبيل المثال: لقد انطلق علم الجيولوجيا والبيولوجيا والمستحاثات وغير ذلك من العلوم، وبدأت الحضريات عن الآثار وغيرها للوصول إلى حقائق، فإذا جاءت النتائج تؤيد النصوص الدينية استبعدت، وإذا جاءت لغير صالح نوع من النصوص الدينية المحرفة تبنيت وحمل بسببها على كل دين، حتى ولو كانت نصوصه لا تتناقض مع هذه المكتشفات، وأصاب الإسلام من ذلك الكثير، تجد مثلًا دارسي التاريخ الفرعوني في مصر يرجحون أن جثة فرعون الذي عاصر موسى موجودة حتى الآن، والقرآن يذكر النجاة البدنية الفرعون من الغرق مع إثباته الغرق، وفي ذلك دليل على أن القرآن هو الذي أعطى الجواب الكامل الصحيح على هذا الموضوع، وأن القرآن ليس مستمدًا من روايات الكتب السابقة، كما يزعم الزاعمون، لأن ما يسمى بالتوراة- الحالية- تذكر غرق فرعون دون أن تذكر نجاة جثته، فبدلًا من أن يرى فيما ذكره القرآن دليلًا على الوحي وعلى أن القرآن وحي إلهي، تكون المسألة أن يشكك في كل الوحي الإلهي، بسبب أن ما يسمى بالتوراة حاليًا- وهـي مـحـرفــة- عارضت مكتشفات أثرية.
والحفريات التي تمت في العراق أوصلت إلى ملحمة جلجامش التي تحدثت عن نوح عليه السلام وعن الطوفان وأوصلتنا، هي وغيرها إلى أن الطوفان كان مشهورًا معروفًا، وأن قصة نوح عليه السلام كانت معلومة معروفة، ثم تذكر هذه الحفريات- كما يقول أنطون موتكات في تاريخ الشرق الأدنى القديم الذي عربه توفيق سليمان وآخران-: «لقد صنفت المصادر المحلية التي ترجع إلى ما بعد الطوفان سلالة كيش الأولى في ثلاثة وعشرين ملكًا بلغ مجموع حكمهم (٢٤) ألف سنة، ثم تتبعها سلالة أوروك الأولى بالني عشر ملكًا وصل مجموع حكمهم مدة زادت عن ألفي سنة، هذا ما أوصلت إليه الحفريات، وفيه دليل على أن الناس في الماضي كانوا يعمرون».
يتبع.…
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل