العنوان خير رمضان يتواصل على مدار العام
الكاتب هيفاء علوان
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2008
مشاهدات 63
نشر في العدد 1821
نشر في الصفحة 48
السبت 27-سبتمبر-2008
- يأتينا بمنح سنوية للارتقاء فيعرج المؤمن في ملكوت الحسنات
- الصيام عبادة تتميز عن باقي العبادات بأنه بين العبد وربه فلم يسبق لأحد أن صام تقربًا لغير الله
في الصيام حكم مدارها على التقوى، ففي الصيام دحر وقهر للشيطان، ومنارة تزين قلب الإنسان. فالصوم يكسر شهوة الإنسان المسلم يحفظ جوارحه عن اقتراف الآثام، ويحميه من لظى الأيام، يبعده عن المعاصي يصبره على المآسي، ويحدوه إلى جني أحلى الأماني، على مدار العام.
في الصيام اعتياد على النظام ودقة المواعيد، ويتجلى فيه أكثر ما يتجلى وحدة المسلمين، فهو إعلان المبدأ وحدة المسلمين في كل شؤونهم وعلى امتداد أيامهم.
فهذه الفريضة فرضت علينا وعلى من قبلنا لتزكي النفوس وتطهر القلوب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
هذا النداء الحبيب تخفيف إلهي فالله سبحانه وتعالى يقول: يا من آمنتم بي - والمؤمن - محب لله تعالى تقبلوا هذه الفريضة من ربكم سبحانه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نودي به الرسول وكل من أحبه الرسول فلم يناد النبي صلى الله عليه وسلم بمحمد وإنما يا أيها النبي ويا أيها الرسول، فعندما ينادينا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تعني حبًا من الله للمنادى، وعادة كلما تنادي نداء فيه تكليف تخفف النداء، لكأنما ربنا سبحانه يريد أن يعلمنا بأنا إذا أردنا التكليف تخفف النداء، وتنادي نداء المحب: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾؟.
أعلى مستوى
ولا بد من أن نعلم أن أمتنا لم تكلف بصيام رمضان كاملًا في بادئ الأمر، وإنما كلفت بصيام أيام معدودات «ثلاثة أيام من كل شهر».
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: 184)... فخالقنا كأنما يريد أن يعلمنا أن أمة الإسلام لم تتفرد بهذه الفريضة من بين الأمم، فالأمم السابقة كلها صامت لكن أمة الإسلام تؤديه على أعلى مستوي.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) لعل هنا تفيد التمني، لكن بالنسبة لله تعالى لا تكون كذلك، إنما علينا أن ندرك أن الله سبحانه إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، فالغاية المرجوة من أداء هذه الفريضة فريضة الصيام أن نخرج من الصيام بتقوى الله عز وجل، وهذه كما نفهم غاية الصوم.
وقد حضنا النبي صلى الله عليه وسلم على كثرة الصيام في شهر شعبان، والحكمة من ذلك أن الأعمال تُرفع إلى الله في شهر شعبان، وقد ذكر بعض العلماء الحكمة من صيامه أن جعلوه بمنزلة السنة القبلية في الفرض فإنها تهيئ النفس وتنشطها لأداء الفرض في رمضان.
قال أبو بكر البلخي: «شهر رجب شهر وان الزرع، وشعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع».
لا بد أن تتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا الصلاة والحج فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، أخرجه البخاري (6008)، ومسلم (674) وقال في فريضة الحج: «خذوا عني مناسككم» أخرجه النسائي (3062)، والطحاوي في ((أحكام القرآن)) (1359)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (1/186) باختلاف يسير.، ولكنه في الصيام لم يقل صلى الله عليه وسلم: صوموا كما رأيتموني أصوم، بل قال في الحديث القدسي: «.... إلا الصيام، فإنه لي وانا أجزي به».
تميز الصيام
فالصيام عبادة تتميز عن باقي العبادات، أنه بين العبد وربه، ولا يستطيع أحد أن يقلد أحدًا في الصيام بل ولا يمكن لأحد أن يصوم لغير الله، كما يرائي العبد في الصلاة والزكاة وغيرهما.
قد يشرك بعض العباد مع الله آلهة في صلاة، أو طاعة، أو ولاء، كأن يصلي الإنسان لغير الله من حجارة وأفلاك، أو يقصد غير الله في إيتاء الزكاة والصدقات، وكذلك كان الناس يحجون لأصنام الكعبة، أما الصيام فلم يسبق لأحد أن صام تقربًا لغير الله، فقد جاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».
لهذه العبادة العظيمة مغزى عظيم المال كريم، إذ أراد سبحانه منا - نحن المسلمين -أن نؤديها شكرًا له عز وجل ولو لم يفرضها - سبحانه - علينا لكنا صمنا هذا الشهر العظيم شكرًا له عز وجل على أعظم نعمة من بها علينا ألا وهي نعمة الإيمان ونعمة إنزال القرآن، والمنة الكبرى أننا من أتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ولأهمية هذه العبادة، أكد الباري عز وجل عليها في غير رمضان، ففي شهر رجب وشعبان حضنا النبي على الصيام، وكذلك في الأيام البيض من كل شهر وأيام الاثنين والخميس، وقد أعجبني قول للإمام أبي بكر البلخي: مثل شهر رجب كالريح، وشعبان كالغيم ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان، فكيف يريد أن يحصد في رمضان.
منح سنوية
إن صيام رمضان يأتينا بمنح سنوية للارتقاء بلا حدود، فيعرج المؤمن في ملكوت الحسنات ينقي قلبه ويشمر للعمل ليحظى برضى الله.
وصيام رمضان يعلم كل مسلم قواعد الدين، ففي حديث ابن عباس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «عٌرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان». (رواه أبو يعلى).
ماذا نحن فاعلون؟
علينا في كل وقت وفي شهر رمضان بالذات أن نضع هذه العبارة نصب أعيننا؛ «من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، ومن يكن في نقصان فالموت خير له»..
وعلى المسلم أن ينظر إلى صلاته، فإن كانت تخلو من السنن الراتبة، فعليه أن يصبح أكثر حرصًا على أدائها، وإن كان قبل ذلك مهملا لها، يؤديها في آخر الوقت، عقد العزم على أدائها دوما لوقتها، بل وإذا كانت صلاته للفرائض على خير ما يرام، أكثر من النوافل حتى يحظى بمحبة الله، ومحبة عباد الله، وإذا كان مقصرًا في أداء فريضة الزكاة فليعمل ويبادر إلى أدائها بدقة قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وإذا كان لا يراعي الرحم وكان مقصرًا في صلة الأرحام، عاهد نفسه في هذا الشهر الكريم على صلة الرحم في كل أيامه وأحواله وإن كان قليل الرحمة في بيته وخارج بيته. عاهد نفسه على أن يكون من الراحمين لينال رحمات الله سبحانه، وإن كان لا يجتمع مع أولاده وأهله إلا لماما، أكثر من المجالس العائلية وزينها بذكر الله فما أروعها من جلسات تذيب تلك الحواجز الثلجية بين أفراد الأسرة، لتشق قنوات التواصل والحوار، وإن الأسرة التي تتذوق حلاوة الإيمان، ولذة الصيام، وروعة الدعاء في جلسات حميمة يومية لن تهز هذه الأسرة الأعاصير، ولن تجرف أفرادها التيارات.
وإن كان يرى العيب عند سواء ولا يرى القذى في عينه، فليعاهد الله أن يحاسب نفسه دائمًا قبل أن يحاسب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل