العنوان دراسات في السّيرة (حلقة ٢٥) المدرسة الإصلاحية
الكاتب محمد النايف
تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1975
مشاهدات 121
نشر في العدد 280
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 30-ديسمبر-1975
حلقة ٢٥
المدرسة الإصلاحية
•رواد المدرسة الإصلاحية من علماء المسلمين اجتهدوا فكانت لهم أخطاء.
•لا يعنينا في تقويم هذه المدرسة الجانب السياسي أو الاجتماعي، فنحن مقيدون بتقويم ما كتبوه في السيرة.
•تأويل المعجزات بَدأ به رواد المدرسة بعد اتصالهم بالمستَشرقين.
أول من ضرب سهمًا في هذا الشأن الشيخ محمد عبده، ولا بد له- وهو يفاجئ جمهور المسلمين بأفكار غريبة عنهم، ولم يسبق إليها- أن تكون بدايته خطوة في أول الطريق ثم يترك لغيره أن يتمها، ولا بد له أيضًا أن شبه السابقين فيغير ويبدل في سندها ومتنها ليصنع منها أدلة يعزز بها رأيه، ويقول لعلماء المسلمين الغاضبين: لم آتكم ببدع من القول وهذه آيات الله بيني وبينكم كما فسرها سلفنا، وأحاديث رسول الله كما فهمها من سبقنا من علماء المسلمين، وحذار أن تكونوا عبدة ألفاظ.
لكن الخطوة التي بدأها محمد عبده كان فيها جرأة ملفتة للنظر فهو اعترف بخوارق تقع بقدرة الله على أيدي الأنبياء، ثم وضع قيودًا: كأن تكون جائزة عقلًا وليس فيها اجتماع النقيضين، وبعبارة غامضة زعم أن نبوة محمد خالية من المعجزات فقال:
«إن الخوارق الجائزة عقلًا، أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما، لا مانع من وقوعها بقدرة الله- تعالى- على يد نبي من الأنبياء، ويجب أن نؤمن بها على ظاهرها ولا يمنعنا هذا الإيمان من الاهتداء بسنن الله- تعالى- في الخلق واعتقاد أنها لا تتبدل ولا تتحول كما قال- تعالى- في كتابه الذي ختم به الوحي، على لسان نبيه الذي ختم به النبيين، فانتهى بذلك زمن المعجزات، ودخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد» «۱»
ويعود مرة أخرى فيلوح بإنکار الخوارق في نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم، وأنها لم تقم إلا على الدليل العقلي والفكر الإنساني- ولا بأس من أن يثبت محمد عبده دور الدليل العقلي بنبوة المصطفى- «ص»-، دون أن يكون هذا الإثبات على حساب إنكار المعجزات- يقول في أول کتابه «الإسلام والنصرانية»:
«فالإسلام في هذه الدعوة والمطالبة بالإیمان بالله ووحدانيته لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري. فلا يدهشك بخارق العادة، ولا يغشى بصرك بأطوار غير معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية، ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية».
وراح محمد عبده فيما فسره من القرآن الكريم يحاول تأويل كل معجزة يمر عليها للأنبياء، مع ما في هذا التأويل من تمحل، ومخالفات أصولية، ومجانبة للحقائق العلمية. يقول في تفسير قوله تعالى:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ (سورة البقرة: ٢٥٩)
فأماته الله مائة عام ثم بعثه قالوا: معناه ألبثه مائة عام ميتًا وذلك أن الموت يكون في لحظة واحدة، وفاتهم من الموت ما يمتد زمنًا طويلًا وهو ما يكون من فقد الحس والحركة والإدراك من غير أن تفارق الروح البدن بالمرة وهو ما كان لأهل الكهف وقد عبر عنه تعالى بالضرب على الآذان «۲»
وفي قوله تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة البقرة: ٢٦٠)
نقل قول المفسر «أبي مسلم» الذي استشهد به الرازي وهذا ملخصه:
«خذ أربعة من الطير فضمها إليك، وآنسها بك حتى تأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك، فإن الطيور من أشد الحيوان استعدادًا لذلك، ثم اجعل كل واحد منها على جبل، ثم ادعها فإنها تسرع إليك لا يمنعها تفرق أمكنتها وبعدها من ذلك. كذلك أمر ربك إذا أراد إحياء الموتى يدعوهم بكلمة التكوين «كونوا أحياء» فيكونوا أحياء، كما كان شأنه في بدء الخلق إذ قال للسموات والأرض: ائتيا طوعًا أو کرهًا قالتا أتينا طائعين.
وأنكر أبو مسلم القول بأن المراد منه فقطعهن. وقال محمد عبده: إن ما فهمه أبو مسلم هو المتبادر من عبارة الآية الكريمة.. والواجب عن من يريد فهم كتاب الله- تعالى- أن يتجرد من التأثر بكل ما هو خارج عنه، فإنه الحاكم على كل شيء ولا يحكم عليه شيء. ولله در أبي مسلم ما أدق فهمه وأشد استقلاله فيه» «۳» وأبو مسلم هو محمد بن بحر الأصفهاني 868- ٩٣٤» م من المعتزلة «٤»، ورأيه هذا يخالف ما ذهب إليه جمهور المفسرين، ولا يعتمد فيما قاله على دليل سوى الرأي.
ويفسر قوله تعالى:
﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ (البقرة: 35- 36).
فيرى أن الجنة الواردة في هاتين الآيتين هي بستان في ربوة فسمي الخروج منها هبوطًا لأن ما انتقلوا إليه دون ما كانوا فيه، فوجود آدم وحواء أصلًا على الأرض،وهبطا من مكان مرتفع إلى منخفض على الأرض.
ويشرح محمد عبده سورة الفيل فيقول:
«.. وفي اليوم الثاني فشا في جند الجيش داء الجدري والحصبة قال عكرمة: وهو أول جدري ظهـر ببلاد العرب وقال يعقوب بن عتبة فيما حدث: إن أول ما رؤيت الحصبة والجدري ببلاد العرب ذلك العام، وقد فعل ذلك الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله فكان لحمهم يتناثر ويتساقط فذعر الجيش وصاحبه وولوا هاربين وأصيب الجيش..»
ومحمد عبده في حين يؤمـن أصلًا بالمعجزة ينكر الكرامة مرة واحدة. ولا فرق بين المعجزة والكرامة إلا أن الأولى يكرم الله بها أنبياءه، والثانية لأوليائه مـن غير الأنبياءكالصحابة والتابعين. وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول عن الكرامة:
«وإنما الذي يجب الالتفات إليه هو أن أهل السنة وغيرهم في اتفاق على أنه لا يجب الاعتقاد بوقوع كرامة معينة على يد ولي لله معين بعــد ظهور الإسلام فيجوز لكل مسلم، بإجماعالأمة، أن ينكر صدور أي كرامة كانت من أي ولي كان، ولا يكون بإنكاره هذا مخالفًا لشيء مـن أصول الدين ولا مائلًا عن سنـــة صحيحة، ولا منحرفًا عن الصراط المستقيم».
والذي نقوله: إننا نؤمن بكرامة معينة وقعت على يد ولي لله معين
فمن كرامات الصحابة أن أسيد بن حضير كلما كان يقرأ سورة الكهف ينزل من السماء مثل الظلة فيهــا أمثال السرج، وهي الملائكة نزلـت لقراءته، وقصة الصديق- أبي بكر- رضي الله عنه- لما ذهب بثــلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعــل لا يأكل لقمة إلا ربا من أسفلهــا أكثر منها، فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك.
وهاتان الروايتان في صحيــح البخاري.
والأخبار الصحيحة عن كرامـات الأولياء كثيرة وباقية حتى يــوم يبعثون وهي قسمان: كرامــاتالأولياءوسببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية، سببها ما نهى الله عنه ورسوله. «٦»
فمن أين زعم محمـد عبده على أن أهل السنة وغيرهم في اتفاق على أنه لا يجب الاعتقاد بوقوع كرامة معينة على يد ولي لله معين؟!
وأين هذا الإجماع الذي ادعـاه على إنكار صدور أي كرامة كانت من أي ولي كان!!
وبعد:
أرأيت يا أخي أن اعتراف محمد عبده بالخارقة صوري، وحقيقة ما يزال يؤولها وينكر بعضهــا- الكرامات- حتى يقترب من الإنكار الكلي دون أن يقدم عليــه مكتفيا بهذه الخطوة تاركًا الأمر لمن يأتي بعده من تلامذته الذين رباهم على عينه.
موقف الخضري من الخوارق:
للشيخ محمد الخضري كتابان في السيرة: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، ومحاضرات تاريخ الأمم الإسلامية.. وهو في كتابيه لــم يتجاوز خطوة شيخه محمد عبده، والفرق بينهما أن الخضري كتب في السيرة وشيخه ألف في التفســـير والعقائد والمنطق.
والخضري في نور اليقين معتدل أورد معجزات الرسول- صلى اللـه عليه وسلم-: كشق الصدر، وقصة بحيرى الراهب، والإسراء والمعراج كما ورد في صحيحي البخاري ومسلم، ويبدو أنه في ذلك الحين لم يتصـل بالمستشرقين ولا بالشيخ محمــد عبده فتراه يرد على الذين ينكرون المعجزات فيقول:
«ثم أعقب ذلك ما حصل مـن شق صدره وإخراج حظ الشيطان منه، وليس هذا بالعجيب على قدرة الله- تعالى-، فمن استبعد ذلك كان قليل النظر لا يعرف من قوة اللـه شيئًا لأن خرق العادات للأنبياء ليس بالأمر المستحدث ولا المستغرب»
وإذا تجاوز عن بعض المعجزات: كمعجزة الغار، وشاة أم معبد، ومعجزات غزوات الرسول- صلى الله عليه وسلم- فقد نجد له عذرًا في أن كتابه مختصر وموجز.
أما الخضري في محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية فلقد صار مدرسًـا للتاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية، وانتقل من المنصورة، وتوثقت صلته بالمدرسة الإصلاحية، ولم يعـــد الخضري مؤلف المحاضرات هــو الخضري صاحب نور اليقين، فالبون شاسع بينهما.
ففي محاضراته تجاوز عن أكثـر المعجزات فلم يتحدث عن حــادث الفيل، ومعجزة هجرة الرسول- «ص»- كيف خرج من بيته وماذا حدث في الغار، ولم يتعرض لشيطان العقبة ولا للشيطان الذي حضر دار الندوة، ولم يذكر شاة أم معبد ومضى على استبعاد المعجزات في جميع غزوات الرسول- صلى الله عليه وسلم-.
وكشف عن صمته فيما أرخه من معجزات:
فيشكك في قصة بحيرا الراهب فيقول:
«وقد نقبنا كثيرًا عن اسم هذا الراهب في كتب من عنوا بذكــر أساقفة الشام أو بصرى والمشهورين من رجال الدين فيهما فلم نجده».
فمن هؤلاء الذين نقب في كتبهم
وإذا كانت قصة بحيرا واردة في حديث صحيح فلماذا يبحث في طرق وعرة وغريبة عنا!؟
وعند حديثه عن الإسراء والمعراج يتمسك بالرواية المنسوبة لعائـشة ومعاوية- رضي الله عنهما-، وممــا يقوي هذه الرواية عنده أنه لــم ينقل إلينا التاريخ أن أحدًا قام في وجههما رادًا عليهما رأيهما.. ويرجح أن الإسراء والمعراج كانا بالروح دون الجسد لأن رؤيا الأنبياء حق تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، واستغراب المشركين ظاهر لأنهم قوم معاندون.
ويدافع عن أصحاب هذا الرأي أنهم لا يتمسكون من الخوارق إلا بما شاهده رواته عيانًا، وصرحـــوا بمشاهدته في رواياتهم ووصل إليهم من طرق مأمونة الخطأ أو صرح بـه الكتاب. سنتعرض لحادثة الإسراء والمعراج ونكشف عوار هذا الرأي ان شاء الله، ومن المضحكات في تاريخ الخضري أن لـه رأيين في الإسراء والمعجزات، كل رأي يناقض الآخر، ولم يحاول أن يعتذر عن الرأي الأول في نور اليقين أو يبين للقراء طريقته العلمية الحديثة في التأليف.
موقف هيكل من المعجزات:
كتاب «حياة محمد» للدكتور محمد حسين هيكل يمثل وجهة نظر المدرسة الإصلاحية في سيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم-، لأنه كتــاب شامل ليس فيه الإيجاز الذي ذهب إليه الخضري في نور اليقين أو في محاضراته، بل أرخ حياة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منذ ولادته- وحالة العرب قبل ولادته- وحتى التحاقه بالرفيق الأعلى.
والكتاب مشفوع بآراء معظـم رواد المدرسة الإصلاحية، فمـن المراجع التي اعتمد عليها المؤلف آثار محمد عبده، ونقل رأيه في الخوارق من مقدمة كتابه «الإسلام والنصرانية» وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه هيكل.
وقدم الكتاب شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي فدافع عن طريقة هيكل وأيده في إنكار كل معجزة سوى القرآن:
«ولم تكن معجزة محمد- صلى الله عليه وسلم- القاهرة إلا في القرآن، وهي معجزة عقلية. وما أبدع قول البوصيري:
لم يمتحنا بما تعيا العقول به
حرصًا علينا، فلم نرتب ولم نهم
ودافع عن هيكل وأيده محمد رشید رضا صاحب مجلة المنار في عددها الذي صدر في ٣ من مايو ۱۹۳5 فقال ما نصه:
«أهم ما ينكره الأزهريون والطرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات.
وقد حررتها في كتاب الوحي المحمدي من جميع مناحيها ومطاويها في الفصل الثاني وفي المقصد الثاني من الفصل الخامس، بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة الله القطعية على ثبوت نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم- بالذات، ونبوة غيره من الأنبياء وآياتهم بشهادته لا يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها، وأن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة.
إذن فنحن أمام كتاب في السيرة يعتبر خير شاهد على أفكار ومعتقدات المنتسبين إلى المدرسة الاصلاحية.
وقد لخص الأستاذ هيكل أهدافه وطريقته بما يلي:
- قال عن طريقته بأنها دراسة علمية على الطريقة الغربية الحديثة «!!» خالصة لوجه الحق ولوجه الحق وحده. ثم يذكر بالثناء كتب المستشرقين التي عاونته في الاهتداء إلى غاية يطمئن إليها ومن هذه الكتب «حياة محمد» للمستشرق السير ولیم موير، ولعله جاراه في تسمية الكتاب، وكتاب الأب لامنس «الإسلام».
- أراد هيكل أن يجعل من حياة محمد- صلى الله عليه وسلم- حياة عادية كحياة أي بطل أو زعيم مجردة من أية خارقة فقال:
«فحياة محمد حياة إنسانية بلغت أسمى ما يستطيع إنسـان أن يبلغ، ولقد كان- «ص»- حريصًا على أن يقدر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه، حتى كان لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن، ويصارح أصحابه بذلك».
- التشكيك بكتب السيرة والتاريخ وتراجم المسلمين قال:
«.. فقد أضافت كتب السيرة إلى حياة النبي مالا يصدقه العقل ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة».
وما اكتفى بكتب السيرة بل شكك بكتب الحديث وبالصحاح منها كصحيح البخاري الذي هو من أصدق الكتب بعد القرآن الكريم، وجميع المعجزات التي أنكرها ثابتة بأحاديث صحيحة لكن لا قيمة لهذه الأحاديث عند من انتهج دراسة علمية على الطريقة الغربية.
- حيث لا قيمة للحديث الصحيح عند المؤلف، يريد أن يكون القرآن هو المصدر الوحيد للسيرة:
«فكل ما تعلق بسيرة محمد يجب أن يعرض على القرآن، فما وافقه كان حقًا، وما لم يوافقه لم یکن بحق».
ويستشهد بحديث يرويه عن الرسول- «ص»-:
«إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فأعرضوه على كتاب الله.. فما وافقه فمني، وما خالفه فليس عني».
وسنقف عند هذا الحديث وعند كل هدف من أهداف هيكل ونبين خطورة مذهبه. ونعود إلى حديثه عن المعجزات فتمشيًا مع اعتقاده أن ليس هناك من معجزة غير القرآن جاء كتابه خاليًا من المعجزات.
فعن حادث الفيل يردد ما قاله محمد عبده من أن وباء الجدري قد تفشى بالجيش وبدأ يفتك به، وكان فتكه ذريعًا حتى فني الجيش.
وعن حادث شق الصدر لا يناقش الخبر من حيث صحته أو عدم صحته مع إنه ثبت بأحاديث صحيحة منها ما يرويه مسلم، يناقش الخبــر نقاشًا عقليًا، وليته بعقله المجرد بل بعقلي المستشرقين سير وليم موير ودر منجم ويؤيدهما في إنكار الحادث ورفضه.
وعن قصة سراقة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر يقول:
«وبدأت الشمس تنحدر، وبدأ محمد وأبو بكر يفكران في امتطاء جمالهماإذ كان من سراقة قيد البصر، وكان جواد سراقة قد كبا به قبل ذلك مرتين لشدة ما جهده فلما رأى الفارس أنه وشيك النجاح وأنه مدرك الرجلين فرادهماإلى مكة أو قاتلهما أن حاولا عن نفسيهما دفاعًا، نسي كبوتي جواده ولنرهليمســك بيده ساعة الظفر. ولكن الجواد في قومته كبا كبوة عنيفة ألقى بها الفارس من فوق ظهره يتدحرج في سلاحه. وتطير سراقة وألقي في روعه أن الآلهة مانعة منه ضالته، وأنه معرض نفسه لخطر داهم إذا هم مرة واحدة لإنفاذ محاولته..»
وهنا لم يعد هيكل صاحب طريقة علمية كما وصف نفسه. وإذا كان في حادث شق الصدر أعرض عـن صحيح مسلم وأخذ بقولي سير وليم موير ودرمنجم، ففي قصة سراقة أرخى لخياله العنان ليحبك لنا قصة لم يذكر من أين جاء بها؟
وعند حديثه عن الإسراء والمعراج يشارك «درمنجم» سخريته فيسرد ما استخلصه هذا المستشرق مــن الأساطير التي لم يرجع منها علماء الحديث رواية واحدة وأكثرها ينسب لابن عباس وهو بريء منها براءة الذئب من دم يوسف- عليه السلام-، وأراد هيكل من سرد رواية «درمنجم» أن يدلل على ما في كتب السير مـن روايات غير مقبولة، لكن هــذه الروايات غربلها سلفنا الصالح من علماء الجرح والتعديل.. وينتهي أخيرًا الى ترجيح أن يكون الإسراء والمعراج بالروح لا بالجسد.
وعن شيطان العقبة يأبى هيكل إلا أن يسميه رجلًا خرج لبعض شأنه فعرف من أمر القوم فأراد أن يفسد عليهم تدبيرهم.
وهكذا جاء كتاب «حياة محمد» خاويًا من المعجزات، ينكر بعضها ويؤول بعضًا ويتغافل عن ذكــر الباقي.. وبهذا يكون هيكل قد خطا خطوة أخرى في الطريق الذي بدأ به شيخه محمد عبده.
وأتم محمد فريد وجدي طـريق محمد عبده عندما زعم أن شــق الصدر وتظليل الغمامة وانشقاق القمر لا يمــكنإثباته بدليل محسوس «10».
«1»- الاعمال الكاملة للامام محمد عبده: 4/ 183
«2»- الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده 4/ 738
«3»- المصدر السابق.
«4»- وفيات الأعيان.
«5»- الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده 3/ 473
«6»- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
«7»- نور اليقين: ص: 19
«8»- محاضرات تاريخ الأمـــم الإسلامية: ص- 63
«9»- حياة محمد: محمد حسـين هيكل ص 13
«10»- القول الفصل: مصطفــى صبري نقلا عن مجلة الأزهر- الجزء السابع من المجلد الحادي عشر- مقالة لفريد وجدي بعنوان «السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل