العنوان دراسة خاصة للمجتمع أبعاد ظاهرة الانحراف والجريمة في الغرب
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1992
مشاهدات 70
نشر في العدد 1011
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 11-أغسطس-1992
· السطات في أوروبا عاجزة عن التصدي للوضع الأمني المتردي رغم الإمكانات المادية الضخمة.
بعد أحداث العنف العنصري في أمريكا أثيرت المسألة الأمنية داخل المجتمعات الغربية، وإمكانية وصول العدوى الأمريكية إلى بقية دول المعسكر الغربي، في الوقت الذي كثر فيه الحديث عن اتفاقية ماستريخت والوحدة السياسية والنقدية الأوروبية. وللوقوف على بعض مظاهر هذه المعضلة الكبرى في نهاية القرن العشرين، تقدم «المجتمع» صورة عن الوضع الأمني داخل المجتمع الفرنسي مع بعض الاستنتاجات.
تعامل غير صحي مع الملف الإسلامي:
إذا كانت باريس تعرف بأنها عاصمة الأنوار ومركز أو ملتقى الثقافات والأجناس وقلب النشاط الدبلوماسي ومهد حقوق الإنسان منذ الثورة الشهيرة في القرن الثامن عشر، فإن هناك العديد من المؤشرات التي تدل على تراجع ملحوظ عن بعض هذه الصفات، خاصة فيما يتعلق بمسألة حقوق الإنسان. وتمثل ذلك بالخصوص في معالجة الملف الإسلامي بكل جوانبه، ومحاولة تذويب شخصية المسلمين المهاجرين في الحيز الثقافي للحضارة الغربية المسيحية وعدم الاعتراف بالخصوصية الإسلامية التي لا تتماشى مع فكرة العلمانية المفروضة على المجتمعات الغربية ومن يدور في فلكها.
وقد اتضح ذلك من خلال الزوبعة التي أثيرت حول مسألة الحجاب الإسلامي، وإلى حد اليوم لم يحسم المجلس الدستوري - أعلى سلطة قانونية في الدولة - الموضوع، وكثرت بالتالي التجاوزات في مجال التعليم، بالإضافة إلى عرقلة مسألة تمثيل الجالية الإسلامية، بل توظيفها سياسيًا. والأخطر من ذلك ربط ظاهرة انتشار البطالة وتدهور الوضع الأمني بتواجد تجمعات كبيرة من المهاجرين أغلبها من المسلمين المنتسبين إلى بلدان المغرب العربي أو أفريقيا، في حين أن تزايد قضايا الإجرام ليس له علاقة مباشرة بمسألة الهجرة، وإنما يدخل في إطار ظاهرة عامة تعيشها المجتمعات الغربية دون استثناء «انظر جدول الإجرام في العواصم الأوروبية».
توظيف سياسي للتدهور الأمني:
ومن خلال هذا الجدول يتبين أن باريس تقف في المرتبة الرابعة في مسألة الإجرام على المستوى الأوروبي بعد لندن وأمستردام ودبلن، وشهدت سنتا 1989 و 1990 حوالي 50 جريمة على كل ألف ساكن. وتشير الإحصائيات إلى وقوع 3,744,122 جريمة وجنحة في فرنسا عام 1991، وفي كل سنة تقع حوالي 1,500 جريمة قتل، و2,600 سرقة بيوت بالعنف، وحوالي 5,000 اعتداء غير مسلح في الطريق، و400,000 عملية سرقة، وهناك حوالي 50,000 سجين.
والسؤال المطروح: ما السياسة التي اتبعتها السلطات المعنية لمحاصرة هذه الظاهرة المتزايدة؟ هناك قراءتان: الأولى تعتبر أن هذه السلطات عاجزة عن التصدي لهذا الوضع الأمني المتردي، رغم الإمكانات المادية الضخمة، 400 مليون فرنك تمثل مجمل الميزانية التي خصصتها الدولة لمقاومة ظاهرة الانحراف في السنوات العشر الأخيرة، وهي السنوات التي مضت على حكم اليسار، في حين ترى القراءة الثانية أن الدولة تحاول توظيف هذا الوضع سياسيًّا بالإعلان من حين لآخر عن الزيادة في أعوان الشرطة لأغراض انتخابية، وليس من أجل مقاومة الانحراف كما يصرح المسؤولون. فقد صرح الوزير الأول في أول خطاب له أمام البرلمان بأن الأمن هو الحق الأول من حقوق الإنسان، وقدم وزير الداخلية من جهته «خطة لعمل آني من أجل الأمن في المدن» مع اعترافه بوجود مستويين داخل فرنسا في هذا المجال.
فورة اجتماعية:
وفي ذلك إشارة إلى التفاوت في تجنب أخطار الانحراف حسب المستوى الاجتماعي. فالأثرياء شعورًا منهم بتقلص دور الدولة في مهمة الحماية المناطة بعهدتها لجأوا إلى مؤسسات الضمان الخاصة؛ بحيث تؤكد الإحصائيات بأن سوق الأمن الخاص ارتفع إلى 35 مليار فرنك، في حين بقي الفقراء ومتوسطو الحال عرضة لكل المخاطر، علمًا بأن نسبة الإجرام ارتفعت في المناطق ذات الكثافة السكانية الشعبية وفي وسائل النقل العمومية. من هنا يمكن اعتبار مسألة التفاوت الاجتماعي هي أس المشاكل الأمنية، وأكثر المجتمعات المريضة بهذا الداء هي الأكثر توغلًا في العقلية الرأسمالية التي تقيس الإنسان بثرواته وليس بكفاءته وأخلاقه؛ مما نتج عنه تفكك العلاقات البشرية وطغيان المادية على مختلف الفئات الاجتماعية. ومما زاد الوضع تعقيدًا انتساب الشريحة الكبرى من الجاليات المهاجرة والمنتمية إلى الفضاء العربي الإسلامي إلى الفئات الضعيفة اجتماعيًّا وثقافيًّا. والتنشئة في الأجيال الصاعدة من أبناء المهاجرين لم تجد الرعاية المادية والمعنوية الكافية لشق طريقها وسط جبال من التحديات الحضارية.
تقليد أعمى:
ومن أهم مظاهر هذا التسيب الفراغ الروحي والأيديولوجي المنتشر في أوساط الشباب المنتمي إلى عائلات مهاجرة، والتي تتجه نحو الاستقرار في المهجر بعد أن اعتادت التأقلم مع الظروف الجديدة دون أخذ الاحتياطات اللازمة والأسباب الضرورية لاندماج إيجابي في المجتمع الغربي. فلم يجد الأبناء غير النموذج الغربي في التعامل والسلوك، وحتى أولئك الذين عاشوا في عائلات محافظة شعروا بتمزق بين هويتين وحضارتين. وباعتبار أن الحضارة الغربية لا تجعل رقيبًا على السلوك الفردي الخاص غير نفسه، فقد انساق عدد من شباب أبناء المسلمين في تيار التقليد الأعمى للغرب المهيمن بثقافته. فكان السقوط في وحل المخدرات وداء التسكع والإجرام. واستغلت أطراف سياسية ذات نزعة عنصرية هذه الظاهرة؛ لتحمل كل المهاجرين المسلمين مسؤولية انحراف نسبة من أبنائهم، في حين أن هؤلاء ضحية وضع عام وليسوا السبب الرئيسي والمباشر له. فطبيعة المجتمع والفكر الغربيين تولد العنف والتمرد؛ لأن الفلسفة الغربية تضخم الفرد على حساب الجماعة، فيتحول المرء أمة برأسه وتدفعه مصالحه إلى مراوغة القانون وتجنب ما لا يستجيب لأهوائه.
حضارة الخوف:
ومهما تكن الأسباب فإن حالة عدم الاستقرار والخوف باتت الخبز اليومي للإنسان في الغرب، وهي حالة لا تساعد على الانفتاح على الآخرين والتعود على الحضارات والثقافات الأخرى؛ بل بالعكس تبعث روح التوجس والحذر حتى من الجوار، وتشجع على الأنانية المفرطة والانكماش على الذات. وهي الأسباب الخفية وراء امتناع الشعب الدانماركي عن الدخول في اتفاقية ماستريخت والالتزام بمقتضياتها (سياسة خارجية ونقدية وقضائية موحدة)، كما جاء في نتائج الاستفتاء الأخير، الشيء الذي حرك مخاوف الدوائر السياسية الرسمية في بقية الأقطار الأوروبية الغربية، كما هو الحال في فرنسا؛ حيث أسرع الرئيس ميتران بالإعلان عن تنظيم استفتاء بشأن هذه الاتفاقية. بيد أن انتشار ظاهرة الانحراف والجريمة والعنف في المجتمعات الغربية سوف لن يتوقف بتوسيع الدائرة الأوروبية وتوحيد الكيانات السياسية؛ لأن البعد الأوروبي يخضع للقرار الفوقي، أما البنية الاجتماعية فيحكمها تصور فكري رأسمالي، والرأسمالية أثبتت إفلاسها في بناء الإنسان المتوازن والمسؤول تمامًا، كما فشلت الشيوعية في تذويب أو على الأقل التقليص من الفوارق الاجتماعية، فكان لزامًا البحث عن بديل.