العنوان الإنكار على أصحاب النفوذ
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1985
مشاهدات 82
نشر في العدد 735
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 01-أكتوبر-1985
أهمية صلاح
السلطان:
أصحاب النفوذ هم
أصحاب اتخاذ القرار في كل مكان، سواء في البلد ككل أو في الوزارة أو مكان العمل،
فصاحب القرار قد يكون رئيساً للدولة، أو يكون وزيرًا، أو يكون مديرًا، أو رئيس قسم
وهكذا.
وكل هؤلاء يستمد
سلطته وقراره من المسؤول الأول في البلاد، وقديمًا قيل: «إذا صلح الراعي صلحت
الرعية» وقيل أيضاً: الناس على دين ملوكهم، وقيل كما تكونوا يول عليكم، ومما يرويه
التاريخ لنا أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه عندما جيء بتاج كسرى إليه قال: «إن
قومًا أدوا هذا لأمناء».
فقال له علي:
«إن القوم رأوك عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا»(184).
فالناس من طبعهم
التأثر برؤسائهم، فإذا كانوا يقلدونه في ملبسه، وعاداته الخاصة، فهم كذلك على
استعداد في تقليده في صلاحه وتقواه وورعه وإخلاصه، ولهذا السبب قال الإمام ابن
الجوزي «وأولى من أهديت إليه النصائح السلطان، ويعلل السبب بقوله لأن في صلاحه
صلاح الخلق كلهم»؛ ولذلك قال الحكماء: «صلاح الوالي خير من خصب الزمان» وقال
الأحنف لمعاوية: «أنت الزمان فإن صلحت صلح الناس»(185).
ليسوا كسلاطين
الأمس:
وإذا كان الرسول
صلى الله عليه وسلم يقول «خير الناس قرني، ثم الثاني ثم الثالث، ثم يجيء قوم لا
خير فيهم»(186). فإذا كانت هذه الأفضلية شاملة لكل من عاش في ذلك القرن، فهي بلا
شك تشمل الولاة على هذه الأمة، فخير السلاطين من كانوا في قرنه صلى الله عليه وسلم
ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فليس سلاطين اليوم كسلاطين الأمس، فإن اعترض
معترض محتجًا بسير بعض علماء السَلَف وتعرضهم الجارح لسلاطينهم وولاتهم، فيرد عليه
ابن مفلح إذ يقول «فأما ما جرى للسلف من التعرض لأمرائهم، فإنهم كانوا يهابون
العلماء، فإذا انبسطوا عليهم احتملوهم في الأغلب»(187).
فكان الخلفاء
الراشدون هم الذين يذهبون للعلماء يطلبون منهم النصيحة، و«كان عمر يجمع كل ليلة
الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين أيدهم جنازة»(۱۸۸).
*قال علي لعمر
رضي الله عنهما: «إن القوم رأوك عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا»
وجاءت الخلافة
الأموية، وكان الخلفاء فيها ينادون العلماء ليذكروهم بالآخرة، فإذا ما غضب عليهم
أحد، وواجههم بما لم يتوقعوه تحملوه لأجل علمه وهيبته.
وكذلك الدولة العباسية والتي كثر فيها الخلفاء
الذين كانوا يطلبون النصيحة من العلماء، وخاصة هارون الرشيد الذي اشتهر عنه حب
العلماء، وسماع النصيحة من كل فرد في المجتمع، وحتى من كان دونه من خلفاء بني
العباس لم تخب في نفوسهم هيبة العلماء وحب النصيحة، وأقل ما كان فيهم أن أحدهم كان
يشعر بالخطأ والتقصير، بل إن بعضهم كان يربط البلاء الذي تُصاب به البلاد بسبب
ذنوبه هو دون ذنوب الشعب، فمما يرويه فرقد مولى المهدي قوله: «هاجت ريح زمن
المهدي، فدخل المهدي بيتًا في جوف بين، فألزق خده بالتراب ثم قال : «اللهم إنه
بريء من هذه الجناية كل هذا الخلق غيري، فإن كنت المطلوب من بين خلقك منها، أنا
بين يديك. اللهم لا تشمت بي أهل الأديان. فلم يزل كذلك حتى انجلت الربح»(189).
مسوغات الإنكار
على أصحاب النفوذ:
المسوغ الأول:
أن تأثير السلطان على من دونه من الشعب كبير، فكيف ما يكون يكونوا هم، وهذا ما
ذكرناه آنفًا.
المسوغ الثاني:
النجاة من العذاب:
وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله لا يعذب
العامة بعمل الخاصة، حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ولا تغيره فذاك
حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة»(190).
وحالة الإهلاك
هذه لا تحدث حتى يقوم أصحاب النفوذ ببعض المناكر والتي يستطيع العوام إنكارها
عليهم دون أن يترتب على ذلك أي ضرر، وذلك ظاهر بقوله «صلى الله عليه وسلم» «تقدر
العامة» ومع ذلك يترددون في الإنكار خوفًا على النفس والرزق.
المسوغ الثالث-
لا نريد الوداع:
عن عبد الله بن
عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إذا رأيت أمتي تَهاب الظالم أن
تقول له أنت ظالم فقد تودع منها»(191).
المسوغ الرابع-
الثقة بالثواب:
قد يقع الضرر الناتج من البلاء بسبب أمر بمعروف
أو نهي عن منكر يقوم به الداعية هنا أو هناك، والبلاء ألوان، وليس بالضرورة أن
يكون تعذيبًا جسديًا، فقد يكون في التغرب بعيدًا عن الوطن، وقد يكون في مصادرة
الأموال، وقد يكون في التهديد النفسي بالاعتداء على الأعراض، وقد يكون في التضييق
والمراقبة الدائمة، وقد يكون بتشويه السمعة والاتهام بغير حق، وقد يكون بغير هذه
الصور والتي يتفنن في ابتكارها أعداء الله. ولكن ما يصيب الداعية من هذا كله أو
بعضه يسبب له ضغطًا نفسيًا ربما يؤدي به إلى بغض المجتمع واعتزاله، وتكفير الولاة،
وربما أدى إلى سقوطه وعودته للجاهلية، فما لم يستشعر الداعية بالثواب العظيم بسبب
ما يلاقي من بلاء، فإنه ليس بمأمن من النتائج السلبية التي ترافق البلاء والتي تؤدي
إلى شلل عملية الإنكار أو إصابتها بعاهة مُستديمة.
*يقول ابن
الجوزي: «وأولى من أهديت إليه النصائح السلطان، لأن في صلاحه صلاح الخلق كلهم»
فلا بد من تربية
جيل الصحوة على استشعار الثواب اقتداء بالصحابي عمير بن حبيب بن حماشة والذي أدرك
النبي صلى الله عليه وسلم عند احتلامه، عندما أوصى ولده فقال له «يا بني إياك
ومجالسة السفهاء، فإن مجالستهم داء، ومن يعلم عن السفيه يسر، ومن يجبه يندم، ومن
لا يرضى بالقليل مما يأتي به السفيه يرضى بالكثير وإذا أراد أحدكم أن يأمر
بالمعروف أو ينهى عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر على الأذى، ويثق بالثواب من
الله تعالى فإنه من وثق بالثواب من الله عز وجل لم يضره مس الأذى»(192).
بل إنه لا يذوق حلاوة الإيمان ولذته إلا تحت
السياط والتعذيب، وفي ظلمات السجون والتضييق، وتجعله ينطق كما نطق أخوه هاشم
الرفاعي عندما كان تحت التعذيب.
«قد عشت أؤمن
بالإله ولم أذق **
إلا
أخيرًا لذة الإيمان» (193)
المسوغ الخامس-
سؤال الله يوم القيامة:
ولو كان هذا
المسوغ هو وحده الذي يدفعنا للإنكار على أصحاب النفوذ أو غيرهم لكفى، فعن أبي سعيد
الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرًا
عليه فيه مقالًا، ثم لا يقوله، فيقول الله: ما منعك أن تقول فيه، فيقول: رب خشيت
الناس، فيقول: فأنا أحق أن تخشى»(194).
المسوغ السادس:
ما أورده الإمام
أحمد في مسنده عن الرسول صلى الله عليه وسلم «أن من أمتي قوماً يعطون مثل أجور
أولهم فينكرون المنكر»(195).
قال المناوي "إن
من أمتي قوماً" أي جماعة لهم قوة في الدين "يعطون مثل أجور أولهم"
أي يثيبهم الله مع تأخر زمنهم مثل إثابة الأولين من الصدر الأول الذين نصروا
الإسلام وأسسوا قواعد الدين، "قيل من هم يا رسول الله؟ قال هم الذين ينكرون
المنكر"(191).
حديث الإنكار
على الأمراء:
عن أم سلمة زوج
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«إنه يستعمل
عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي
وتابع» قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال «لا، ما صلوا»(197).
وهذا الحديث وإن
كان مختصًا فيمن يحكم بما أنزل الله من الخلفاء وغيرهم فيمن يفعلون بعض المعاصي ما
يجعل عملهم خليطًا بين ما هو موافق للشرع، وما هو مخالف له، إلا أن الرسول صلى
الله عليه وسلم يرسم في هذا الحديث خطوطًا عريضة لنوع خاص من الإنكار وهو ما يختص
بأصحاب النفوذ والسلطان.
يقول الإمام
المناوي «فتعرفون وتنكرون- أي تعرفون بعض أحوالهم وأقوالهم لموافقتها للشرع،
وتنكرون بعضها لمخالفتها له- فمن كره ذلك المنكر بلسانه، بأن أمكن تغييره بالقول
فقد برئ من النفاق والمداهنة، ومن أنكر بقلبه فقط ومنعه الضعف في إظهار النكير فقد
سلم من العقوبة على تركه الذكير ظاهرًا، ولكن من رضي- أي من رضي بالمنكر- وتابع
عليه في العمل فهو الذي لم يبرأ من المداهنة والنفاق، ولم يسلم من العقوبة، فهو
الذي شاركهم في العصيان، واندرج معهم تحت اسم الطغيان»(198).
ويقول الإمام
النووي «وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما
يأثم بالرضى به، أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه»(199).
نستخرج من ذلك
أنه لا بد من الإنكار على أصحاب النفوذ، ولكن بأسلوب يختلف مع من دونهم، وذلك لما
يترتب في الغالب على الإنكار عليهم من المفاسد التي تضر الدعوة والدعاة، فتسبب
إعاقة العمل عن تكوين القاعدة الصلبة من خلال الجمهور.
وحتى تخرج
الحركة الإسلامية نفسها من إثم السكوت على المنكر ومن حمى المداهنة والنفاق، لا بد
من الاستفادة من القواعد الثلاث المستخرجة من الحديث لتكون المفتاح لقواعد الإنكار
على أصحاب النفوذ.
184 -تاريخ عمر ۱۸۸
185 -المصباح
المضيء ١٨٣/١
١٨٦ -الطبراني
وصححه الألباني من ج ص (۳۲۸۸)
۱۸۷ -الآداب الشرعية 6/197
۱۸۸ -المصباح المضيء 9/383
١٨٩ -المصباح
المضيء 9/421
١٩٠- قال
الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات- مجمع الزوائد.7/268
١٩١ -قال
الهيثمي: رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح -مجمع
الزوائد 262/7.
١٩٢ -قال
الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، مجمع الزوائد 266/7
193 -شعراء الدعوة الإسلامية 54/2
١٩٤ -أخرجه
الإمام أحمد قال وصححه الساماني.
195 -رواه الإمام
أحمد والألباني ص. ج. ص 2220
١٩٦ -فتح القدير
۰537/2
۱۹۷ -رواه مسلم -كتاب الإمارة 63
۱۹۸ -فيض القدير 94/4
۱۹۹ -مسلم شرح النووي 243/12