العنوان دماء الشهداء.. هل تضيع بين العجز العربي المفضوح والانحياز الأمريكي الأعمى؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2001
مشاهدات 55
نشر في العدد 1466
نشر في الصفحة 9
السبت 01-سبتمبر-2001
انفض الاجتماع الطارئ الأخير لوزراء الخارجية العرب مخلفًا وراءه المزيد من الانقسام والتشرذم العربي، والخلاف على كل صغيرة وكبيرة وكان الجامعة العربية لم تعرف العمل المؤسـسي الجماعي منذ أكثر من نصف قرن ولم تترسخ فيها آلياته. ولم يحظ أى قرار صدر عن الاجتماع بإجماع الأعضاء الذين اكتفوا بتوافق الآراء، ولذا جاءت القرارات ضعيفة غير فعالة.
وحتى ما قيل إنه خطة تحرك عربية سرية لم يتجاوز القيام بتحرك عربي سريع لدى الأمم المتحدة لاستصدار مبادرة دولية تهدف إلى إيفاد مراقبين دوليين للأراضي الفلسطينية، وتحميل الكيان الصهيوني مسؤولية احتلال بيت الشرق في القدس وتنظيم لقاءات مع وزراء الخارجية في المجموعات الدولية المختلفة كالاتحاد الأوربي والأسيان وغيرهما إلى غير ذلك من التحركات. ولا ندري ماذا تحمل تلك التحركات في طياتها من دلائل الخطورة حتى يقال إنها مضمنة في خطة سرية، وهل تناسب تلك القرارات الهزيلة تحديات المرحلة وتهديداتها وهل ترقى إلى مستوى التضحيات التي يقدمها الشعب الفلسطيني المسلم في مواجهة غير متكافئة مع قوى البغي والشر الصهيوني المدعوم من الولايات المتحدة؟
فإذا كانت الإجابة بالتأكيد - لا - فما سبب استمرار هذا العجز العربي المفضوح وترسيخه عبر قرارات الاجتماعات الوزارية في أروقة الجامعة العربية لا تبرير لما يحدث سوى أنه محاولة يائسة للقرار من قدر محتوم، وأنى لهم أن يفروا منه وإلى أين؟
إذا كان أكثر الحكومات العربية يرفض مواجهة الواقع ويدفن رأسه في الرمال هربًا من الحقيقة، فإن الطرف الآخر - الحلف الصهيوني الأمريكي - لن يرضى منهم بهذا الموقف ولن يقبل بأقل من الرضوخ التام والاستسلام الكامل. فهل يعقل أو يقبل أن يصل بنا الأمر إلى ذلك وإلى متى السكوت والمؤامرة تتسع خيوطها، بل هي منسوجة سلفًا، ومعلوم أنها لا تقف عن حدود فلسطين، بل تمتد لتشمل المنقطة بأسرها؟
إن الدين والكرامة والشجاعة تقتضي مواجهة الموقف بما هو أهله وبمن هم أهله. وحتى الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمئنوا بها، وكرهوا أن ينفروا في سبيل الله يتحتم عليهم النزال وإلا خسروا الدنيا والآخرة:
﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 39]
بعد هذا الموقف العربي الهزيل خرج الرئيس الأمريكي جورج بوش متقمصًا دور الناطق الإعلامي باسم رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون ليقول: إن إسرائيل أعلنت بوضوح أنها لن تجري مفاوضات تحت التهديد الإرهابي، إن الأمر في غاية البساطة إذا كان عرفات مهتمًا بإجراء مفاوضات فانا أشدد عليه كثيرًا بأن يقوم بأي عمل كان من أجل أن يوقف الإرهابيون الفلسطينيون عملياتهم الانتحارية والهجمات والتهديدات.
وهكذا فإن الرئيس الأمريكي - الذي يبدو أنه يخاف أن يواجه مصير والده حين تحالف ضده اللوبي اليهودي وأسقطه في حملته الثانية لكرسي الرئاسة - يتبنى الموقف الصهيوني على طول الخط دون اعتبار لما يقال عن رعاية بلاده العملية التسوية أو اعتباره وسيطًا نزيهًا؛ فضلًا عن أن ينحاز للضعيف المغلوب على أمره، فإن كان الموقف الأمريكي على هذا الحال من الانحياز ومساندة الظالم والوقوف بجانبه. ومن قبل ذلك سعت الإدرة الأمريكية لإفشال تحرك فلسطيني في مجلس الأمن الإرسال قوة حماية دولية للفلسطينيين - فليس مستغربًا أن يلجا جيش الاحتلال بعد تصريحات بوش مباشرة لاستخدام طائرات إف 15 وإف 16 الأمريكية الصنع لضرب مواقع السلطة الفلسطينية ومنازل الفلسطينيين بقنابل زنة ٢٥٠٠ رطل وذلك لأول مرة في تاريخ الأزمة الفلسطينية.
ثم نسمع من المسؤولين العرب من يقول إن الولايات المتحدة دولة صديقة ولنا معها مصالح لا يمكن تجاوزها، وإذا جاز يومًا أن تكون هناك صداقة بين الجاني والمجني عليه، والمتآمر والمتآمر عليه أفلا يستحق الحال وقفة مع ذلك الصديق الذي تجاوز حدوده، وفرط في حقوق الصداقة إلا ينبغي أن يسعى العرب والمسلمون لتعديل الموقف الأمريكي بتوظيف الإمكانات العربية، وما أكثرها وبصفة خاصة النفط، والاستثمارات، وممارسة الضغوط الداخلية والخارجية ودعم الجالية العربية والمسلمة من المتجنسين بالجنسية الأمريكية لممارسة دور يواجه اللوبي الصهيوني فأي تحرك من ذلك قد حدث وما نتيجته.
لقد أدرك الشعب الفلسطيني طبيعة الصراع والتضحيات التي تستوجبها المرحلة وحسم موقفه وقرر خوض المعركة من أجل الاستقلال، لا من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات الاستسلامية، فماذا فعل الآخرون هل وعوا طبيعة المرحلة وأدركوا ما تستوجبه من تضحيات؟ إن الأقوال والأفعال تشيران إلى غير ذلك فإلى متى الخضوع والإذعان والتقاعس والخذلان، ولو تمكن الصهاينة من فلسطين فسيتحولون إلى غيرها من البلدان.
إن تقديم الدعم المادي والمعنوي المال والسلاح والغذاء والدواء والنصرة بالكلمة والدعاء لهو واجب تجاه إخواننا الفلسطينيين ينبغي علينا أداؤه، مثلما أنه واجب لحماية مستقبل المنطقة وشعوبها، لا يقل أهمية عن تجييش الجيوش وشراء الأسلحة لدواعي الأمن الوطني. وإذا كان الفلسطينيون لا يملكون فرض ذلك على أحد من إخوانهم فإن واجب الدين والحق والجوار والمصلحة يفرضه علينا.
إن الموقف الأمريكي الأخير يمثل تحديًا صارخًا للأمة العربية والإسلامية يستدعي وقفة جادة مسؤولة من الأمة رسميًا وشعبيًا.. ولتكن هناك خطوات جادة على الأرض لا اجتماعات هزيلة كالتي نراها ونسمع عنها.
إن حكام الدول العربية مسؤولون مسئولية كبيرة أمام الله.
﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [ مريم: 95]
فمن ذا الذي يعصمهم من أمر الله إذا فرطوا أو سكتوا عن التجاوزات الصهيونية والأمريكية.