الاثنين 17-ديسمبر-1973
بالأمس القريب.. وفي أعقاب النكسة.. جاءوا لمصر بلد
الأزهر الشريف بجاك بيرك.. واحد من المستشرقين من بعد جان بول سارتر وزميلته، وبدأ
يعطي لرجال الإعلام دروسًا في فن الإعلام.. ومما قاله لهم: إن الإعلام علم جديد لم
تعرفه البشرية من قبل العشرينات من هذا القرن، وأنه يقوم على أسس محددة وهي نظرية
أو مبدأ أو فكرة..
ويقام معهد يتلقى فيه المؤمنون بها دروسًا حولها..
ومن بعد ذلك لقاء مع جماهير الناس بالمعنى الواسع يدعون إلى ما تعلمونه داخل هذا
المعهد..
وصفق له المستعربون.. ودعاة العدل الاجتماعي..
وأتباع الاشتراكية المتطرفة، فقد أرادوا أن يعرفوا العالم العربي المسلم أن هذا
حق، وأن هذا هو العلم، وأن المدنية تسطع من هناك.. وأن النكسة جاءت لأننا نجهل فن
الإعلام وعارضناه..
ولم نكتف بذلك، بل نشرنا معارضتنا على الملأ وقلنا
يومها: إذا كانت هذه المقاييس حقيقة وصدقًا.. فنحن المسلمون أول من وضع هذه
النظرية.. فالفكرة والمبدأ والنظرية جديدة جدًا وهي القرآن الكريم وسنة رسوله صلى
الله عليه وسلم.
والمعهد.. دار الأرقم بن أبي الأرقم التي لم يشهد
التاريخ لها نظيرًا.. وتلاميذه الأول.. الصحابة الأول وهم من بيئات مختلفة.. الذين
هاجروا إلى المدينة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم-... وهم النجوم المهداة..
وجماهير الناس.. هم أمة الإسلام.
ومرة أخرى.. وفي العصر الحديث.. كلما ألمت بالشعوب
المتفقة في المصالح.. والمشتركة في القضايا الواحدة خرجت الدعوات إلى عقد مؤتمرات
على مستوى القمة؛ ليتدارس الرؤساء أمور مشاكلهم.. ويضعون لهم الحلول ويعودون من
بعدها إلى جماهير أممهم.. يشرحون لهم ويعلنون ما توصلوا إليه..
وقد ثبت عمليًا أن هذا هو أعظم السبل لتعميق مفاهيم
الناس حول قضايا معينة.. كالسلام وغيره.. بل لقد وجد العالم من بعد حرب دامية
استمرت سنوات أربع تقريبًا وأطلق عليها الحرب العالمية الأولى أنه لا بد من وحدة
تجمع شعوب الأرض، وبما أن هذا أمر مستحيل فليكن بديله جمعًا لحكوماته فيما سمي
عصبة الأمم.. ومن بعدها الأمم المتحدة بعد حرب أخرى...
ولقد عرف الإسلام هذا النظام.. ودعا إليه ومن مثل
ما اكتشفه فلاسفة القرن الحديث بأربعة عشر قرنًا، ففرض على جماهير المسلمين اللقاء
في مؤتمر عام.. وعلى جميع المستويات البشرية والجغرافية.. فسكان الحي الواحد
يجتمعون في صلاة الجمعة.. والمنطقة الواحدة في صلاة العيدين..
وممثلون عن كل الشعوب مرة كل عام.. في موسم الحج..
ولم يجعل الحق- تبارك وتعالى- هذه اللقاءات من
الأمور المستحبة فقط.. بل جعلها فرضًا حتى يلتقي الناس فيتباحثون في أمور دينهم
ودنياهم.. وجعل للحج وضعًا خاصًا.. لشموله واتساع قاعدة الشعوب التي تلتقي فيه..
فقرره ركنًا خامسًا للإسلام، ولذلك اشتملت آيات الحج على أكثر من 45 ضمها القرآن
الكريم.
ولم يترك خالق الكون الناس على أهوائهم ينظمون الحج
كيفما يشاءون ووفقًا لما يسمونه في كل عصر- وكل عصر مختلف عما سبقه وعما سيليه- بل
وضع له آدابًا ونظامًا وجعل منه مؤتمرًا شعبيًا منظمًا يتدارس فيه المسلمون شؤونهم
في ترفع عن المباذل.. وبعيدًا عن المهاترات وفي موضوعية كاملة.. بل وجعل منه مدرسة
يقضي الناس فيها فترة معينة من الزمن.. في زي موحد، ولواء موحد، وأخلاق واحدة
مبعثها القرآن الكريم، فلعلهم يسيرون بقية أيامهم بهذا الأسلوب..
وفي هذا يقول الحق- تبارك وتعالى- في سورة البقرة:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ
وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ
يَا أُولِي الْأَلْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن
رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ
الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ
لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم
مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا
فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي
الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا
حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ
نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي
أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ
وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: 197-203).
ومن هنا تبدأ مسؤولية رجل الإعلام الإسلامي.. مطلوب
منه أن يضع كل شيء يدور حول الناس من فكر وعمل واقتصاد وغيره في الميزان
الإسلامي.. وسيجد كل شيء.. فالإعلام لم يترك الناس على أهوائهم.. بل وضع لكل شيء
قاعدة، وإلى أن تقوم الساعة.. وفيها الخير كله لأنها من عند الله..
فهذه الجموع التي أتت من كل بقاع الأرض تلتقي تحت
راية الإسلام لها مشاكل.. وعندها آراء وتجارب يجب أن يتبادلها المسلمون ويتعرفوا
عليها... وسط هذه الجموع يجب أن تكون هناك حلقات علم إسلامية.. تقسم وفقًا
للجماعات التي سيتحدثون إليها وباللغات التي يتكلمون بها.. وليعرف الناس أمور
دينهم الحق.
فالإسلام في حاجة إلى مزيد من التعريف لأن الجاهلية
التي يعيشها العالم قد حجبت قدر الإسلام حتى عن أبصار العديدين من المسلمين.. وآن
لهم ولغيرهم أن يعرفوا إلى ماذا يدعو هذا الدين الحنيف، وإلى مقارنة بين ديننا
الذي هو من عند الله وهذه الآراء التي تعيش على الأرض لحظات ومهمتها إبعاد الناس
عن الإسلام أولًا وقبل كل شيء.. ولتعبير السلعة الفكرية المصدرة إلى شعوب الأرض أن
الدين شيء.. والسياسة شيء آخر.. وأن الدين مجرد عبادة.. وهذا ما يرفضه الإسلام
إطلاقًا.. فما جاء إلا لخير الدنيا والناس.. وصلاح الآخرة.
.. أن يكون من العمل الإعلامي الإسلامي المنظم دعوة
إلى الأخوة الإسلامية، فهؤلاء الذين يأتون من كل فج عميق يمثلون كل قوى المجتمعات
والمتحكمة فيه..
فيهم الوزراء.. وفيهم الكتاب.. وفيهم رجال
الأعمال.. وفيهم الأساتذة والطلاب..
هؤلاء وغيرهم يجب أن يعمل رجل الإعلام الإسلامي على
ضمهم في صعيد واحد.. يتحدث كل واحد منهم عن التجربة الإسلامية في بلده من وجهة
النظر التي يعيشها إذ يمثلها.. وأوجه نشاطها.. والعقبات التي تتعرض الدعوة
الإسلامية لها.. وعلى الأجهزة التي تعمل في الحقل الإسلامي.. وإلى جانب ذلك
إمكانية ما يقدم لأبناء الإسلام المجاهدين هنا أو هناك.. أو الرازحين تحت حكم
معين.. أو المضطهدين من عنصريين أو طوائف محددة..
وليخرج رجل الإعلام المسلم على الناس بهذه الأبحاث.
وليقدم خلال الندوات التصحيح لكل مفهوم يخالف الخط
الإسلامي..
وأشهد أن في العالم الإسلامي جماعات نشطة تعمل
وبشوق في هذا المجال.. كهذا الذي رأيته ذات يوم قريب حول الحرم المكي في رابطة
العالم الإسلامي..
ولا بد من وحدة تجمع الطاقات.. وتوحد الجهود
البشرية والفكرية.. وفي صورة منظمة.
ومن مسؤولية رجل الإعلام الإسلامي أيضًا أن يتعاون
في موسم المحاضرات والندوات حتى لا تكون محصورة في النوادي.. وأن تتجه موضوعاتها
إلى كشف المؤامرات التي توجه ضد الإسلام والمسلمين.
وليكن من موسم الحج الحالي خير فرصة ندعو فيها إلى
وحدة الصف الإسلامي.. ووحدة التجمع الإسلامي.. وليكن المنطلق في صورة اتحادات
وظيفية.. تحمل اسم الإسلام.. واضحًا... وعلنًا..
وما أكثر مسؤوليات رجل الإعلام الإسلامي، ولكن.. لو أخذ مكانه.. وعاونه الآخرون.