; دور الشعر والأدب الجهادي في المعارك | مجلة المجتمع

العنوان دور الشعر والأدب الجهادي في المعارك

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2001

مشاهدات 70

نشر في العدد 1468

نشر في الصفحة 45

السبت 15-سبتمبر-2001

الجهاد في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة، والجهاد إما بالسنان «أي المعارك» وإما باللسان، أي بالدفاع عن الدين، والتحريض للجيوش والتثبيت للمجاهدين في سبيل الله خاصة إذا اعتدي على المسلمين وحرماتهم، لأن الإسلام لا يرضى لأهله وأتباعه المذلة والهوان ولذا أمر المسلمون بإعداد أسباب القوة والمنعة والجهاد في سبيل الله فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60) وجاءت آيات الجهاد في القرآن قاطعة وحاضة كل مسلم على الجهاد ومبشرة له بالنصر المبين أو الشهادة والفوز العظيم، فأثر المسلمون لهذا العزة والكرامة والنصر على الهوان والقعود أو الموت والشهادة والفوز بالنعيم المقيم، وكان للشعر والأدب بعد كتاب الله وسنة رسوله دور في المعركة مع الكفر والكافرين، يثبت ويحرض ويحفز الهمم.

فهذا النابغة الجعدي يخرج غازيًا في سبيل الله فتحاول زوجته أن تثنيه عن عزمه وتغريه بالبقاء إلى جانبها فليس لها غيره، ولكنها تفشل في ذلك، ونراه يقول لها وكله عزم وإصرار:

باتت تذكرني بالله قاعدة                         والدمع ينهل من شأنيهما سبلًا

يا بنت عمي كتاب الله أخرجني                 كرهًا، وهل أمنعن الله ما فعلا

فإن رجعت قرب الناس يرجعني                 وإن لحقت بربي فابتغي بدلًا

ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرني         أو ضارعًا من ضنى لم يستطع حولًا

وكانت معركة أحد، ونال المشركون من المؤمنين لعصيان الرماة أمر رسول الله الله ورحل المشركون عن ميدان المعركة، ولكنهم ندموا على ترك المسلمين بغير أن يستأصلوا شأفتهم فعزم المشركون على الرجوع، فعز على معبد بن أبي معبد الخزاعي ما أصاب المسلمين فخوف أبا سفيان من المسلمين بشعر يمدح فيه المسلمين ويخوف به المشركين فقال:

كادت تهد من الأصوات راحلتي                إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردى بأسد كرام لا تنابلة                         عند اللقاء ولا ميل تعازيل
فظلت عدوًا أظن الأرض مائلة                لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت ويل ابن حرب من لقائكم                 إذا تغطمطت البطحاء بالجيل

فارتعد أبو سفيان ومن معه، وولوا راجعين وكفى الله المؤمنين القتال.

واستمر الشعر يصف المعارك ويصف حال المسلمين في الضعف والقوة ويحضهم على طلب العزة والكرامة، ففي فترة الحروب الصليبية دعا الشعراء إلى طلب المجد وعاب على الخاملين البقاء تحت الذل والاحتلال فقال ابن منير الطرابلسي في إحدى قصائده:

وإذا الكريم رأى الخمول نزيله                في منزل فالحزم أن يترجلا
كالبدر لما أن تضاءل جد في                 طلب الكمال فحازه متنقلا
سفهًا لحكمك إن رضيت بمشرب                رفق ورزق الله قد ملأ الملا
فارق، ترق كالسيف سل فيان في                متنبه ما أخفى القراب وأخملا
لا تحسين ذهاب نفسك ميتة                 ما الموت ألا أن تعيش مذللًا

ثم يهيج الشعر ويناشد المسلمين الدفاع عن دينهم وحماهم، ويوقظ الأمة التي نامت حتى غزيت واحتلت ديارها من الصليبيين

فحاموا عن دينكم والحريم                 محاماة من لا يرى الموت فقدًا
وسدوا الثغور بطعن النحور                 فمن حق تغريكم أن يُسدا
فقد أينعت أرؤس المشركين                فلا تغفلوها قطافًا وحصدًا
فلابد من حدهم أن يقل                         ولا بد من ركنهم أن يهدا

وقد أثرت هذه الأفعال الشنيعة على الشعر حين دخل الصليبيون البلاد وخربوها وذبحوا وشردوا فانطلق الشعر حزينًا يوجع قلوب المسلمين ويستصرخهم فقال:

هذه بلدة قضى الله يا صاح                عليها كما ترى بالخراب
فقف العيس وقفة، وابك من                كان بها من شيوخها والشباب

واعتبر إن دخلت يومًا إليها                        فهي كانت منازل الأحباب
 

 ويوم دخل الصليبيون بيت المقدس واستباحوا أهله هلع الشعر وولول وصرخ وسمع نحيبه في كل مكان، وتفطرت الأكباد وزادت اللوعة وعظمت الكوارث والدواهي، فتسمع ما تتفطر له القلوب:        

أحل الكفر بالإسلام ضيما                        يطول عليه للدين النحيب
فحق ضائع وحمى مباح                         وسيف قاطع ودم حبيب
وكم من مسلم أمسى سليبًا                 ومسلمة لها عرض سليب
وكم من مسجد جعلوه ديرًا                 على محرابه نصب الصليب
أتسبى المسلمات بكل ثغر                         وعيش المسلمين إذا يطيب
أما لله والإسلام حق                                يدافع عنه شبان وشيب
فقل لذوي البصائر حيث كانوا                أجيبوا الله ويحكم أجيبوا 

ويكثر الشعر وتهتز الضمائر وترتفع العزائم ويبرز القادة المسلمون من أمثال نور الدين وصلاح الدين، ويصاحب الشعر المعركة، وتنطلق الأسود من عرائنها وتشتد السواعد ويرى الكفر صدق الإيمان، ويتحول الشعر إلى سلاح رهيب يُعلي الأبطال ويذكر الأمجاد، وكان العماد الأصفهاني من جملة الشعراء الذين تحدثوا عن هذه المعارك فقال:

رأيت صلاح الدين أفضل من غدا                وأشرف من أضحى وأكرم من أمسى
وقيل لنا في الأرض سبعة أبحر                 ولسنا نرى إلا أنامله الخمسا
سجيته الحسنى وشيمته الرضا                 وبطشته الكبرى وعزمته القعسى
جنودك أملاك السماء وظنهم                 أعاديك جنًا في المعارك أو إنسا
كسرتهم إذ صاح عزمك فيهم                 ونكستهم من بعد أعلامهم نكسا
بطون ذئاب الأرض صارت قبورهم         ولم ترض أرض أن تكون لهم رمسا
نزعت لباس الكفر عن قدس أرضها         وألبستها الدين الذي كشف اللبسا

وبعد، فقد عادت الكرة، ولكن أين شعراء المجد وأين القوافي وقد صارت لنا قنوات فضائية وإذاعات، وأين صلاح الدين وقد كثرت شعوبنا وتسلحت أمعنا، غاب كل هذا ولم يبق لنا إلا خليع، أو متقاعس، أو هادم للدين، أو محارب له، ولكني أظن أن الأيام تحمل في جعبتها الكثير الكثير فأمتنا بخير والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الرابط المختصر :