; دور العقيدة في بناء الأمم | مجلة المجتمع

العنوان دور العقيدة في بناء الأمم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1992

مشاهدات 67

نشر في العدد 1010

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 04-أغسطس-1992

الإسلام منهج متكامل، رباني السمة، إلهي النزعة، جاء إلى البشرية ليداوي عللها، ويبرئ سقمها ويحصنها من الأهواء والشهوات الجامحة، ويهديها سبل السلام.. بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم ليربي عليه أمة تحمله وتبلغه، وتقف وراءه، توضح جوانبه، وتجلي غوامضه، وتدفع عنه السوء، وترد عنه كيد الكائدين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وصدق الله: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف:108) هكذا أراد الله للمسلم وأراد الله من الأمة المسلمة ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران:110).

كما أراد الله منهم أن يكونوا قائمين على الحق لحراسته من الآثمين، فقال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».

نعم هكذا أراد الله للإسلام أن يكون رسالة ودعوة، وتقويمًا، من دخل فيه وبايع عليه فإنما يبايع على ذلك، وتكون بيعته مع الله، لأنه صاحب المنهج والمحاسب عليه، كما أن خاصية هذا المنهج أنه لا يقبل التجزئة والتفريق والتقسيم، لأن من طبيعته الشمول والوحدة والكمال، فلا يؤمن الإنسان ببعضه ويكفر بالبعض الآخر، وقد توعد الله من يفعل ذلك بالخزي والعذاب فقال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة:85).

كما أنه يجب أن يعلم أن كل أمة لا تعرف لها رسالة في الحياة يكون مآلها الزوال والاضمحلال، فإما أن تقلد غيرها وتذوب فيه وتتفاعل معه، وإما أن تخمد وتندثر وتجري عليها سنة الله في الزوال والموت، وتعيش كالحيوانات تأكل وتموت إلى أن تحل محلها أمة أخرى ويرثها شعب آخر.

فالرسالات للأمم كالأرواح للأجساد، وكالدماء للأبدان، وكالعقل للإنسان، تحفظه وتصلحه وتبعث فيه الدفء والحياة، ولهذا لا نعجب من ضياع فلسطين وذهاب ريح الأمة المسلمة، لأن تلك الأمة قد تركت رسالتها، وتناست منهجها، وصدق الله ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث (الأعراف:175-176).

فهمت هذا يهود، ويفهمه اليوم المصلحون الذين يضجون بالحضارة العقيمة اليوم.. يقول هرتزل في مؤتمر بال الذي عقد لتأسيس الوطن اليهودي عام ۱۸۹۷م: «إن العودة إلى صهيون- يعني بذلك فلسطين وصهيون جبل مقدس فيها- يجب أن يسبقها عودة إلى اليهودية».

ومن ذلك الحين وقبله وبعده، وزعماء اليهود لا هم لهم إلا إذكاء الروح الدينية ونشر التعاليم اليهودية بين كافة الناشئة اليهود.

لقد لقنوهم من الصغير إلى الكبير، عقيدة الرجوع الحتمي والعودة إلى أرض فلسطين، حتى جعلوا كل صغير وكبير من اليهود يحفظ هذه الآية من التوراة: «لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات». «سأعطيك وذريتك من بعدك جميع أرض بني كنعان ملكًا خالدًا لك».

ولقد علم اليهود أن في تعاليمهم الروحية سر قوتهم، فاستمسكوا بها، وفي ذلك يقول أحد مؤسسي الصهيونية: «الحياة الدينية اليهودية هي دون سواها سر خلود إسرائيل وسيظل إسرائيل خالدًا طالما بقي متعلقًا بالتوراة فإذا هجر إسرائيل التوراة، اندثر تاريخه في رمال الصحراء، ولو ظل مقيمًا في أرضه وبلاده»، ويقول شختر: «إن نهضة إسرائيل القومية وإحياء الدين اليهودي أمران لا ينفصلان»، وكتب بن جوريون رئيس دولة إسرائيل يومًا إلى الرئيس ديجول رسالة يقول فيها: « إن سر بقائنا بعد التدميرين البابلي والروماني وفي حقد المسيحيين الذين أحاطوا بنا ألف عام، يكمن في صلاتنا الروحية بالكتاب المقدس».

فماذا كانت النتيجة بعد تمسك اليهود بدينهم رغم فساده وتركنا لديننا رغم سموه وصلاحه؟!

الرابط المختصر :