; دور ثاني للصراع بين الثورة والثورة المضادة في تونس | مجلة المجتمع

العنوان دور ثاني للصراع بين الثورة والثورة المضادة في تونس

الكاتب د. محمد هيثم نديم الجملي

تاريخ النشر الاثنين 01-ديسمبر-2014

مشاهدات 69

نشر في العدد 2078

نشر في الصفحة 38

الاثنين 01-ديسمبر-2014

شؤون عربية

دور ثاني للصراع بين الثورة والثورة المضادة في تونس

ـ نجت الثورة التونسية من الوقوع في مأزق التجربة المصرية ونجحت النخبة السياسية في منع انقلاب بمشاركة عسكريين وأمنيين وسياسيين وإعلاميين

ـ حركة النهضة شكلت أوسع ائتلاف حكومي ممكن بعد فوزها في انتخابات 2011 لإدراكها أن قوى الثورة المضادة ستلعب على وتر الاستقطاب الثنائي بين الإسلاميين والعلمانيين

ـ التحدي الأكبر أمام القوى المنحازة للثورة هو منع سقوط العملية السياسية، فمهما حققت قوى الثورة المضادة من مكاسب فإنها سوف تنتصر لحظة سقوط العملية السياسية

ـ فشل السياسيين المصريين في حسم خلافاتهم داخل الدوائر السياسية أدى إلى انتقال خلافاتهم إلى الشارع وتسبب في انقسام مجتمعي عبّد الطريق أمام قوى الثورة المضادة

ـ يتعين على الأحزاب المعنية بالمحافظة على الاستقرار وعلى رأسها حركة النهضة لعب دور المعارضة البناءة وتجنب التصادم مع الأحزاب المدعومة من الثورة المضادة حتى اختيار وقت التصادم أو إجراء الانتخابات التشريعية القادمة

تونس: هيثم الكحيلي

لم يحسم الصراع في تونس لصالح الثورة أو الثورة المضادة، وحتى ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية في الجولة الثانية بين المنصف المرزوقي والقائد السبسي، سيكون وارداً في كل حينٍ أن تنقلب الثورة المضادة على العملية السياسية، وإلى ذلك الحين يجب أن تعمل الأحزاب التونسية وعلى رأسها حركة النهضة على بذل كل ما في وسعها لتأجيل لحظة التصادم مع الثورة المضادة وأن تعالج بجدية نقاط ضعفها التي أوصلتها لهذا المأزق الحرج.

لقد نجت الثورة التونسية من الوقوع في المأزق الذي وقعت فيه التجربة المصرية، ونجحت النخبة السياسية خلال الفترة الماضية في منع انقلاب قالت رئاسة الجمهورية: إن عسكريين وأمنيين وسياسيين وإعلاميين تورطوا في التخطيط له وفي التحريض عليه وفشلوا في تنفيذه، ليقف التونسيون اليوم أمام واقع يقول: إن ذات الحزب الذي يضم عدداً من رموز النظام القديم والذي دعا علنا في صيف 2013م إلى الإطاحة بكل المؤسسات المنتخبة في تونس وتكرار تجربة "تمرّد" المصرية، أصبح اليوم - بحكم صناديق الاقتراع - الحزب الأول في البلاد وصاحب الصوت الأعلى في البرلمان وينافس زعيمه "الباجي قائد السبسي" بقوة على الفوز بكرسي الرئاسة في قرطاج.

وأعطت نتائج الانتخابات التشريعية في تونس حوالي 40 % من مقاعد البرلمان لحزب نداء تونس الذي يضم عدداً من رموز نظام زين العابدين بن علي، وكذلك من نظام الرئيس الأول الحبيب بورقيبة، وحوالي 32 % لحزب حركة النهضة، في حين منيت كل الأحزاب التي تحالفت أو تعاونت مع حركة النهضة خلال فترة حكمها، بما في ذلك حزب الرئيس المنصف المرزوقي، بهزيمة قاسية تمثلت في حصول كل منها على مقاعد برلمانية لا يتجاوز عددها المقعدين أو الأربعة مقاعد في أحسن الحالات.

ورغم خطورة صعود حزب محسوب على النظام القديم إلى رأس السلطة، ومع اعتبار هذا المؤشر نكسة للثورة، فإنه يبقى غير كافي الحديث عن نجاح الثورة المضادة أو عن نهاية الثورة، خاصة في ظل استمرار العملية السياسية التي سيقودها حزب نداء تونس بصفته صاحب الأغلبية وإلى جانبه حزب حركة النهضة بصفته يمتلك ثلث مقاعد البرلمان، وفي حال استمرار العملية السياسية ستمنع التركيبة الجديدة للمجلس التشريعي صاحب الأغلبية من التفرد بالسلطة وستمكن غيره من حق المشاركة في المشهد السياسي.

وفي ظل نتائج الانتخابات التشريعية، ومهما كانت نتائج الانتخابات الرئاسية، سيكون التحدي الأكبر أمام القوى المنحازة للثورة هو منع سقوط العملية السياسية، فمهما حققت قوى الثورة المضادة من مكاسب فإن نصرها سيكون في اللحظة التي تسقط فيها العملية السياسية، ولذلك ستعمل قوى الثورة المضادة على دفع الأطراف الرئيسية المشاركة في المشهد السياسي(حركة النهضة وحزب نداء تونس) إلى التصادم، ولمنع ذلك كانت حركة النهضة أول المبادرين لتجنب الصدام المباشر مع أي من مكونات المشهد السياسي التونسي طيلة السنوات الماضية، وهو ما فعلته عندما اختارت الدخول في ائتلاف حكومي وعندما اختارت الانسحاب من السلطة التنفيذية وعندما اختارت مؤخرا الوقوف على الحياد في الانتخابات الرئاسية وهو ما يفترض أنها ستفعله طيلة السنوات الخمس القادمة.

تجربة الائتلاف الحكومي

إثر فوزها بانتخابات سنة 2011م رفضت حركة النهضة تشكيل الحكومة بمفردها وأصرت على تشكيل أوسع ائتلاف حكومي ممكن وذلك بسبب إدراكها بأن قوى الثورة المضادة ستلعب على وتر الاستقطاب الثنائي بين الإسلاميين والعلمانيين. 

ورغم أن حزبي "المؤتمر لأجل الجمهورية" و"التكتل الديمقراطي" اللذان دخلا في ائتلاف حكومي مع حركة النهضة كانوا ذوي توجهات علمانية وقومية؛ نجحت قوى الثورة المضادة عبر آلياتها المختلفة في جرّ التجربة التونسية في أواخر سنة 2012 ومطلع سنة 2013 نحو مأزق الاستقطاب الثنائي، فأصبح المنصف المرزوقي المشهود له بـ "علمانيته" موصوفا بأنه "دمية" في أيدي الإسلاميين وكذلك مصطفى بن جعفر، رئيس حزب التكتل.

واليوم تعترف حركة النهضة وكذلك حزب نداء تونس بأن التنازلات التي قدمتها الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي في صيف 2013م، لإقناع الأحزاب المعارضة (المدفوعة من قبل قوى الثورة المضادة) بالانخراط مجدداً في العملية السياسية آن ذاك، أنقذ التجربة التونسية من التدحرج نحو النفق الذي دخلت فيه الثورة المصرية، حيث يشير سياسيون تونسيون كثيرون إلى أن أهم أسباب ما وصلت إليه مصر اليوم هو فشل سياسييها في حسم خلافاتهم داخل الدوائر السياسية مما أدى إلى انتقال هذه الخلافات إلى الشارع وتسبب في انقسام مجتمعي عبّد الطريق أمام قوى الثورة المضادة للانقضاض على الحكم والإطاحة بالعملية السياسية بكل مكوناتها تحت ذريعة إنقاذ البلاد من الفوضى.

الحياد في الرئاسية

توقع معظم المتابعين والمشاركين في الشأن التونسي أن تدار الانتخابات الرئاسية بمنطق مرشح للثورة في وجه مرشح للثورة المضادة، إلا أن هذه الرؤية بطلت في مرحلة أولى عندما رفضت الأحزاب الوطنية الالتفاف حول مرشح رئاسي واحد واختارت أن يخوض كل حزب الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية بمرشحه الخاص، وبطلت في مرحلة ثانية عندما قررت حركة النهضة الوقوف على الحياد وعدم دعم أو معارضة أي من المتنافسين متجاهلة بذلك التحذيرات التي وصلتها من أن فوز الباجي قائد السبسي بالانتخابات الرئاسية سيؤدي إلى "تغول نداء تونس" وربما إلى عودة النظام القديم، ومتجاهلة كذلك التحليلات التي أشارت إلى أن المنصف المرزوقي هو "الرصاصة الأخيرة في بندقية الثورة" وأنه سيكون صمام أمان يمنع حزب نداء تونس من الانقلاب على العملية السياسية.

وعلى عكس ما ذهب إليه معظم من اختاروا دعم المرزوقي في الانتخابات الرئاسية، لن يكون فوز المرزوقي بالانتخابات الرئاسية باعثا للاستقرار والتوازن في المشهد السياسي، إذ أن فوزه سيؤدي بشكل مباشر إلى انطلاق حملة "دعاية سوداء" لن تهدأ قبل أن تحدث صداما بين رئاسة الجمهورية (على فرضية أن تكون للمرزوقي) من جهة ورئاسة الحكومة (على فرضية أن تكون لنداء تونس) من جهة أخرى، وهو الصراع الذي ستدفع قوى الثورة المضادة نحو تفاقمه بكل الآليات التي تمتلكها - وهي كثيرة جدا - وعلى رأسها الإعلام وربما الإرهاب، حتى ينتقل هذا الصراع من الدائرة السياسية إلى الشارع وهو ما تحتاجه الثورة المضادة حتى تبرر الانقلاب على العملية السياسية وهو ما سيكون سهلا جدا بعد سيطرتها على جهاز وزارة الداخلية وباقي أجهزة الدولة التي دأب النظام السابق على استخدامها لتمرير سياساته والتي تعود تبعيتها لرئاسة الوزراء لا لرئاسة الجمهورية.

صراع الثورة والثورة المضادة مؤجل إلى حين

أمام فرضية أن الباجي قائد السبسي أقرب للفوز بالانتخابات الرئاسية من كل منافسيه بما في ذلك الرئيس المنصف المرزوقي، خاصة بعد امتناع حركة النهضة ذات الثقل الانتخابي الأكبر عن دعم المرزوقي وعن معارضة السبسي، يتوجب على الأحزاب الوطنية أن تعد العدة ليوم ربما تكون فيه رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة بيدي نفس الحزب الذي يوصف بأنه امتداد للنظام القديم.

وفي تلك اللحظة الصعبة، سيتوجب على الأحزاب المعنية بالمحافظة على الاستقرار وعلى رأسها حركة النهضة، أن تلعب دور المعارضة البناءة داخل قبة البرلمان وأن تمضي في خيار تجنب التصادم مع الأحزاب المدعومة من قوى الثورة المضادة إلى حين اختيار هذه الأحزاب لخيار التصادم أو إلى حين الانتخابات التشريعية القادمة.

فبعد فوزه بالانتخابات التشريعية وعلى فرضية فوزه بالانتخابات الرئاسية، وعلى فرضية مضي حركة النهضة في خيار تجنب التصادم معه، لن يحتاج حزب نداء تونس للانقلاب على العملية السياسية حتى يمرر مشروع حكمه، بل سيحتاج لبقاء حركة النهضة وباقي مكونات المشهد السياسي كجزء من العملية السياسية حتى يقنع مؤيديه في الداخل والخارج بأنه لا يمثل انقلابا على الثورة ولا عودة إلى مربع ما قبل الثورة، غير أن إمكانية انقلابه على العملية السياسية تبقى واردة خاصة تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية من قبل قوى الثورة المضادة الراغبة في اقتلاع كل ما يمت للثورة بصلة وهو ما سيبقى خيارا وارد الحدوث في كل حين.

الحل لا يكمن في الوصول للسلطة

توصف نتائج الانتخابات التشريعية بأنها نتائج عِقابية قام الشعب من خلالها بمعاقبة الأحزاب التي شاركت في انتخابات 2011 بسبب ضعف أدائها وعجزها عن حسم صراع الثورة والثورة المضادة، وقد كرر هذه الرؤية عدد من الساسة المنتمين لمختلف الأحزاب التونسية، مشيرين إلى أن الأحزاب التي تراجعت في الانتخابات التشريعية الأخيرة مطالبة بمراجعة الأسباب التي جعلت نسبا متفاوتة ممن صوتوا لها في انتخابات 2011 يمتنعون عن فعل ذلك في انتخابات 2014.

وعوض الحديث عن الدور الناجع لقوى الثورة المضادة في التأثير على نتائج الانتخابات التشريعية، ستكون الأحزاب التي عاقبها الناخبون وعلى رأسها حركة النهضة مطالبة بالاعتراف بأن وصولها إلى رأس السلطة بعد انتخابات 2011 لم يكن كافيا لوأد الثورة المضادة، وبأنها لا تمتلك - إلى الآن - من أسباب القوة ما يكفي للتصادم مع الثورة المضادة.

وإلى أن تحين اللحظة التي تقرر فيها قوى الثورة المضادة الانقلاب على العملية السياسية  في تونس، أو إلى حين قدوم الانتخابات التشريعية القادمة، يتوجب على الأحزاب المحسوبة على الثورة، وعلى رأسها حركة النهضة، أن تبذل كل ما في وسعها لتأجيل الصراع المباشر مع قوى الثورة المضادة، وذلك عبر محاصرة الصراعات السياسية داخل الدوائر السياسية، وأن تعمل بجدية وبطرق علمية على معالجة نقاط ضعفها التي أوصلتها إلى هذا المأزق

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

224

الثلاثاء 21-أبريل-1970

صحافة - العدد 6

نشر في العدد 20

457

الثلاثاء 28-يوليو-1970

نحو حركة إسلامية عالمية واحدة (1)

نشر في العدد 2101

939

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

شيء من الترويح!