العنوان دولة الخلافة والحركة الوهابية في المرحلة الثانية
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1981
مشاهدات 48
نشر في العدد 513
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 27-يناير-1981
الحلقة الخمسون
الأمير سعود يتهم الشريف غالبًا بعصيان الله ورسوله ويحدد موقفه من دولة الخلافة.
ولقد ذكرنا- سابقًا- دخول مكة بشيء من التفصيل؛ لأنه يبين ظروف وملابسات المرحلة الجديدة بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكيف بدأ الصدام والمواجهة في عهد الأمير عبد العزيز، ثم دخول مكة في عهد الأمير سعود والاستيلاء عليها يضاف إلى ذلك.
وبعد ذاك العرض التاريخي لدخول مكة المكرمة، سنحاول تحديد مسؤولية ما حدث ومن ثم نتوصل إلى معرفة ما إذا كانت المرحلة الثانية بعد وفاة الشيخ تضمنت خروجًا على دولة الخلافة؟
وللوصول إلى إجابة على هذا التساؤل لابد من معرفة العلاقة بين الأطراف الثلاثة:
دولة الخلافة وشريف مكة والأمير سعود.
ولا بد بالتالي من معرفة موقف وتصور الأمير سعود لشريف مكة وموقف دولة الخلافة من الشريف أيضًا، ثم تصور الأمير سعود لدولة الخلافة.
كان الأمير عبد العزيز ومن بعده الأمير سعود يعتبران شريف مكة ندا ينبغي القضاء عليه، على الأقل بعد معركة عبد الله بن محمد ابن معقل والذي كان يمثل الحركة الوهابية- ضد بعض القبائل الموالية لشريف مكة عام ١٢٠٩هـ – ١٧٩٤- وقد سبق بيان هذه الحادثة في مقال سابق.
ورأينا كيف انبنى على هذه الحادثة بداية الندية بين الطرفين ومحاولة كل طرف القضاء على الآخر.
ومما زاد الأمر حدة بينهما ما أقدم عليه شريف مكة الشريف غالب من منع الحجاج النجديين، ولقد اعتبر الأمير سعود هذا المنع حجة يرددها على أسماع الناس ليثبت أن شريف مكة ظالم وعاص لله عز وجل، فهذا البيت بيت الله لا يحق لأحد أن يمنع أحدًا من زيارته.
ويروي صاحب لمع الشهاب ما يثبت هذا التصور تجاه الشريف غالب وذلك حينما وصلت جيوش الأمير سعود قرب مكة في موسم الحج يريد دخول مكة سلمًا أو حربًا «فأرسل أولًا عشرين فارسًا بكتابين: أحدهما للشريف غالب، والثاني لكافة أهل مكة، وكتب في الأول، الذي يعلم به الشريف غالب، أن الجدال معك على دين الحق قد طال، وإنا قد أضعفناك كما ترى، وإنك لست اليوم كفوءًا في المحاربة، فاختر لنفسك أحد الأمرين: إما التسليم لدخولنا مكة بالصلح والرضى، ولم نضرك بشيء من بلادك، وإما أن تستعد لقتالنا، فإنا ندخل الحرم جزمًا بالسيف.
وكتب لسائر الرعية: إن هذا الشريف غالب رجل عصى الله ورسوله ومنع المسلمين عن الحج، وليس هذا أمرًا يقبله المسلمون أبدًا، وقد نفسنا عليه محسنًا بن عبد الله الحموي، والسيد حسينًا مفتي المالكية فلم تكترث الدولة لهذا ولم تلتفت إليه» لعله يرجع ويؤوب إلى الحق، وهو ليس بآيب، ونحن لابد لنا من دخول الحرم هذه المرة بلا تردد، وأنتم من شاء منكم أن يعاهدنا على ما له ودمه، فنحن نؤمنه ولا يضره منا ضار، ومن شاء أن يتعرضنا عند الدخول، فليتعرض فسنهدر دمه، وأنتم اختاروا أحد الأمرين».
فيبين الأمير سعود هنا أنه قد بلغ من القوة ما يستطيع به دخول مكة عنوة وأن الشريف غالبًا قد فقد الشرعية بعصيانه وطغيانه، أضف إلى ذلك ما كان في مكة من البدع التي قد تصل حد الشرك، كل ذلك جعله مستحقًا للحرب والإقلاع والإبعاد ولعل الأمير عبد العزيز وسعودًا قد بنيا سياستهما تجاه شريف مكة على هذا التصور فشريف مكة عاص بمنعه حجاج نجد من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنه سمح بالبدع في حرم الله ومكة، وفقد السلطان القوة التي يحمي بها هذه الأوضاع، فوجب على الأمير سعود أن يزيل كل ذلك.
ومما ساعد الأمير سعودًا في تبلور هذا التصور عنده وشجعه في الإقدام على خطوته الجريئة ودخول مكة المكرمة، موقف الدولة العثمانية من شريف مكة الشريف غالب بالذات، فرغم كثرة الرسائل والرسل التي كان يرسلها الشريف غالب ومنها ما ذكره صاحب خلاصة الكلام في أحداث سنة ١٢٠٧هـ - ١٧٩٢م حين قال «أرسل مولانا الشريف «غالب» للدولة العلية يخبرهم بظهور أمر الوهابية وأرسل لذلك السيد محسن ويكلف من يكتبها كما رأينا في رسالة الشيخ أحمد التركي للدولة العلية سنة ١٢١٢هـ - ١٧٩٧م حينما طلب العون منها لمواجهة توسع الحركة الوهابية، ولم تكن الدولة العثمانية تحرك ساكنًا أو تبدي أي تجاوب مع رغبة الشريف غالب مما أضعف موقفه كحاكم باسم دولة الخلافة الإسلامية له مطلق الشرعية في تصرفاته أمام عموم الناس في الجزيرة وخارجها، وفي نفس الوقت جعله يقف وحيدًا أمام قوات الحركة الوهابية التي بلغت في تلك الآونة أقصى قوتها وأوسع امتدادها.
بل أن ما بلغه موقف الشريف غالب من الضعف من جهة وموقف الدولة العثمانية السلبي من جهة ثانية جعله يظن أن الدولة العثمانية تفكر في تنحيته وتولية أحد أبناء عمه من الشرفاء، وهذا ما أشار له صاحب لمع الشهاب في قوله إن «الشريف عند سلطان الروم- يعني الخليفة في الأستانة وهو تعبير خاطئ -غير مقبول لكثرة تعديه على الخلق من الحجاج، ولكن لا يجب أن يرسل عليه عسكرًا حسب الظاهر يستعد لقتالهم وينحصر بمكة، شرفها الله تعالى، وقتال المسلمين في الحرم لا يجوز، إلا عند الحاجة العظمى أعني التي لو تركت لأدت إلى فساد في الدين، والشريف لم يقع منه هذا القدر، لكن يود السلطان أن يقبض مكة من يد هذا الشريف سرًا، وتمليكها أحد أبناء عمه من الشرفاء».
ونحن لا نتوقف عند تصور أن دولة الخلافة تريد تغيير الشريف غالب ونقل الولاية إلى أحد المرضي عنهم من أبناء عمومته، فإن ذلك لا يغير من الأمر شيئًا، بل إن الشريف غالبًا كان على درجة كبيرة من القوة والحنكة السياسية ربما لم تتوفر في غيره، فدولة الخلافة كانت تنظر إلى من يملك القوة الحقيقية للحفاظ على استمرار الحرمين آمنين من جهة وأن تكون التبعية والولاء صريحًا ومستمرًا لدولة الخلافة بغض النظر عن هوية من يملك الأمر، ولا شك أنها تفضل أن يكون الأمر بيد الشرفاء، لكن وصول أمر الشريف غالب إلى هذا الحد أحرج دولة الخلافة أكثر مما أحرج الشريف غالبًا، ولم يعد الشريف قادرًا على علاج الأمر من الداخل، ولذلك كان علاج دولة الخلافة للموقف قادمًا من الخارج..
وإذا كانت هذه هي نظرة دولة الخلافة وموقفها من شريف مكة، فلا شك أن ذلك سيترك إثارة على تصور الأمير سعود تجاه دولة الخلافة، وسيكون له دور في تحديد تحرك الأمير سعود تجاهها، ولعلنا نستوفي ذلك في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.