; إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة- المهدية في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة- المهدية في الميزان

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1980

مشاهدات 106

نشر في العدد 489

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 15-يوليو-1980

  • نجحت المهدية في كونها ثورة تجمعية وفشلت في كونها حركة منهجية مدروسة
  • كان ادعاء المهدية من أكبر أخطاء الحركة وكان سببًا أساسيًّا في إجهاضها!!

إن تقييم الحركة نجاحًا وفشلاً يكمن في مدى قدرتها على تحقيق الأهداف المرجوة منها وفي اتباع المنهج والأسلوب الذي تنتهجه للوصول لهذه الأهداف، والحركة المهدية لم تستطع الوصول إلى هدفها البعيد وهو إعادة الحياة لدولة الخلافة الإسلامية، ولكنها استطاعت الوصول إلى بعض الأهداف في حدود المجتمع السوداني من القضاء على مصادر الظلم وطرد المحتلين وتحقيق السيادة الوطنية على أرضهم، إلا أن هذا القدر من النجاح لم يستمر -كما رأينا- وفي هذه الحدود نستطيع أن نقيم الحركة في إبراز إيجابياتها وسلبياتها.

أما عن إيجابيات الحركة:

فأولاً - استغلال الظروف الاجتماعية والاقتصادية:

استطاعت الحركة المهدية أن تستغل الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة من الظلم والجبروت وسوء توزيع الثروة بين أفراد الشعب، فنجح المهدي في محاربة قانون الضرائب الذي أثقل كاهل الشعب السوداني دون أن يكون له مردود في تعديل الأوضاع الاقتصادية للشعب.

ونجح في محاولة إلغاء تجارة الرقيق التي وضع أسسها غردون والتي كانت تعتمد عليها الطبقات المتوسطة والغنية والتي لها التأثير المباشر في المجتمع السوداني.

وتبني المهدي هذه القضية أفاد كثيرًا فيما بعد في تكوين جيشه الشعبي الذي كان يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على تجار الرقيق، ولا أدل على ذلك من استعانته بأكبر زعماء هؤلاء التجار عبد الله التعايشي الذي أصبح فيما بعد خليفة المهدي في قيادة الحركة. 

واستطاع المهدي أن يستميل أكبر القبائل إلى حركته مثل قبيلة «البقارة» وهي قبيلة عربية من جهته وتزوج منها لتقوى صلته بها.

ومن ناحية ثانية استطاع استمالة بقية سواد الشعب إلى صفه في استثارة الجانب الديني في كل ما يدعو له وما يتبناه من قضايا؛ الأمر الذي أوجد تجاوبًا صادقًا في نفوس الشعب وبذلك تفادى ما وقع فيه هارون وسليمان الزبير في ثورتهما ضد الحكومة في عامي 1877 و 1879 فقد فشلت ثورتهما لأنهما اعتمدا على تجار الرقيق ولم يستطيعا استمالة سواد الشعب مما مكّن غردون من القضاء عليهما، ولقد كان المهدي يوضح للناس البدائل الصحيحة الإسلامية لكل هذه القضايا الحادة في المجتمع ويربط الأمر بتخاذل الشعب وسكوته على الظلم والباطل فكان العامل الديني وإيقاظ الوعي الإسلامي من أهم الأمور التي جعلت الثورة تتغلغل في صفوف المجتمع السوداني.

وثانيًا - طريقة عرض الدعوة:

أقام المهدي حركته على فهم الإسلام فهمًا مبسطًا يسيرًا لا تعقيد فيه ولا شكليات وجعل ذلك من دعائم دعوته - وهو بذلك يمهد الطريق لمحاربة الطرق الصوفية الموغلة في الشكليات والمظاهر البعيدة عن الإسلام والتي تغطي معاني الإسلام الصافية وتحجبها عن الناس.

إضافة إلى أن الإسلام إنما جاء للتطبيق في واقع الناس وحل مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولم يأت ليقبع في قلوب المؤمنين وينحصر في مساجدهم، وكان بذلك أيضا يوجه ضربة للطرق الصوفية التي ابتعدت بالإسلام من واقع الناس ومشكلاتهم وحصرته في قلوب المؤمنين ومساجدهم.

وهذا ما جعله يصر على إبطال الطرق الصوفية رغم تغلفها في المجتمع، ولقد نجح في عرض هذه القضية بما أوتي من فصاحة لسان وقوة حجة ويعد نجاحه في ذلك من أقوى الدلائل على تأثيره العميق في أوساط الشعب وقدرته على تغيير واقعه ورسم الواقع الذي يتمشى مع الإسلام وما يتطلبه.

وثالثًا - ادعاء المهدية:

وهذا وإن كان جانبًا خاطئًا في الدعوة وبلا شك - إلا أننا ننظر إليه كعامل تجميعي فحسب فقد كان لادعاء محمد أحمد المهدية أثر في جلب كثير من البسطاء الذين ملوا حياة الظلم وشظف العيش، بل واستطاع أن يستميل إليه كثيرًا من العلماء وزعماء القبائل وصدقوه في زعمه بل وشمل التصديق بعض الدول الإسلامية وأرسلت أثر ذلك الوفود لتأييده ومبايعته وجاءته الوفود فعلا من الهند ومراكش وتونس والحجاز وتصديقه في هذا الادعاء جعل الاستجابة لدعوته قويًّا وواجبًا شرعيًّا وقد وقت لهذا الادعاء تاريخًا يقرب الصدق بدعواه وهو ربيع الثاني سنة 1398 هـ مارس 1881 وبهذا يكون القرن الثالث عشر الهجري قد قارب على الانتهاء، وقد ورد في السير بأن الله عز وجل يبعث على رأس كل قرن مصلحًا يعيد للإسلام حسن سيرته ويرفع الظلم عن الأرض- كما سبقت الإشارة -.

ولعل هذه الأمور مجتمعة مكّنت محمد أحمد من تحقيق النجاح لحركته في حدود السودان فاستطاع بذلك أن يهزم الجيوش النظامية الإنجليزية والمصرية، واستطاع بالتالي أن يكسب الجماهير السودانية وأن يدخل الخرطوم محررًا لها وطاردًا للإنجليز والمصريين منها.

أما عن سلبيات الحركة: إن ما حققته الحركة المهدية من انتصارات في الظاهر لا يعطي مؤشرًا على نجاح الحركة نجاحًا كاملا، في حقيقة الأمر لأن الدلائل كلها تشير إلى أن وضع الحركة المهدية لا يحمل مواصفات الاستمرار والنجاح الفعلي للإسلام سواء في داخل السودان أو خارجها، فقد كانت الحركة تحمل أسباب انهيارها من تلقاء نفسها ومن داخلها. 

وفيما يلي نستعرض أهم السلبيات التي أدت إلى سرعة انهيار الحركة:

عدم بلورة المنهج: فإن مؤسس الحركة محمد أحمد لم يتفرغ لبلورة حركته في مؤلفات تعطي صفة الوضوح والمنهج وتتداول بين الأفراد سلامة الخط الفكري والعقدي للحركة، وكل ما أثر عن المهدي رسائل صغيرة دونها بعض الأتباع مما سمعوه عن المهدي، وقد جمع ما كتبه في کتاب «مجموع المناشير» وهو مطبوع في إحدى وسبعين صفحة وأظنه من عنوانه كتابًا يجمع المنشورات التي كان يوزعها المهدي ويرسلها إلى الأعيان وغيرهم. وهذه الثغرة جعلت الحركة بدون تلاميذ يذودون عن فكرها ومنهجها، ولذلك لم تبرز الحركة علماء لهم شأن في ميدان العمل الشرعي، ولم يحرص محمد أحمد علی إيجاد هؤلاء بل كان حرصه واضحًا في أسلوب التجميع والحشد من كل الطبقات على أساس الثورة على الأوضاع باستثمار الشعور الديني في ذلك.

ولعل المهدي يرى في ذلك أن دور التربية والتثقيف يأتي بعد أن يتمكن من إقامة الدولة المسلمة في السودان ويتهيأ له الجو الذي يستطيع عن طريقة تقعيد أصول الحركة وتكوين التلاميذ والمريدين.

ولذلك حرص المهدي على الجانب العسكري ولم يقصر أتباعه في استخدام كل ما لديهم من قدرة على تحقيق هذا الجانب، ولكن ذلك كان على حساب الجانب الأهم وهو جانب التربية والتثقيف وتأصيل مفاهيم الدعوة في نفوس التلاميذ حتى تصبح دعوة مجردة عن الأشخاص لا تتأثر بفنائهم.

ولذا كان موت المهدي خسارة كبيرة للدعوة، ولم يوجد في حينها من يعوض هذه الخسارة ويسد فراغها، بل كان خليفته عبد الله التعايشي رجلاً حربيًّا لا شأن له بالأمور الشرعية والفكرية؛ ولذلك فإن وفاة المهدي كانت بداية نزول الخط البياني للحركة نزولا سريعًا يشعر بخطر انهيار الحركة كلها وهذا ما كان.

وادعاء المهدية: كما أن ادعاء المهدية كان سببًا في جذب كثير من الناس إلا أنه كان سببًا مؤقتًا بحياة محمد أحمد، فلما توفي دون أن تتحقق الثمار الكبيرة التي كان يؤمل أتباعه بها، كان ذلك مدعاة لتكذيب مهدويته وبالتالي التخاذل عن الدعوة ونشرها.

ونعتبر هذا الادعاء أكبر خطأ وقع فيه محمد أحمد، فالناس كانوا يعتقدون بأن هذا هو المهدي المنتظر الذي بشرت به الأحاديث ولذلك فإن تصديق واعتقاد صحة مقولته وأوامره ومذاهبه غدت في حكم الواجب عند هؤلاء ونحن نرد هذا الادعاء من جانبين أساسيين:

 الأول: أن الأحاديث الواردة في ظهور المهدي لا تنطبق مواصفاتها على محمد أحمد؛ فالمشهور بين علماء الأمة أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى عليه السلام ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل من بعده فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته؛ فعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يكون خلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة فيأتيه من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف به بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثًا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم ويلقي الإسلام بحرابة في الأرض فيلبث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون، رواه أبو داود وأحمد وأبو يعلي، وقال ابن خلدون سنده متين على شرط الشيخين لا مغمز فيه ولا مطعن. 

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» حديث حسن صحيح. 

وواضح من هذا أن الأحاديث لا تنطبق على محمد أحمد فنسبته إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وظهوره في آخر الزمان من المدينة هاربًا إلى مكة، ومبايعة أهل الحل والعقد وتكون البيعة بين الركن والمقام ويكون ذلك بعد موت خليفة الوقت والتنازع في إقامة خليفة غيره، وأن يكون كارهًا في بيعته لا راغبًا فيها، فضلا عن أن يدعو الناس إليها، كل ذلك لا ينطبق على محمد أحمد، والشك قائم في نسبة محمد أحمد إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن طريقة إعلان المهدية توحي بأنه ادعاء مفتعل، كان القصد منه كسب الجماهير وإيهام النفس بصدق المدعي، فقد شاع في تلك الآونة الكلام عن قرب خروج المهدي لما كان يعيشه العالم الإسلامي من هرج وفوضى فحدث ذلك عندما خرج محمد السنوسي -كما سبق- فشاع أنه هو المهدي المنتظر، فلم يكن مستغربًا أن يشاع أن محمد أحمد هو المهدي المنتظر وأن تأتيه الوفود من بقاع كثيرة من العالم الإسلامي.

ولقد كان عبد الله التعايشي المشجع الأول على حمل محمد أحمد ادعاء المهدية أو على الأقل ايهامه بأنه -فعلا- هو المهدي المنتظر، فتروي بعض المصادر التاريخية أن عبد الله التعايشي حاول أن يجعل محمد أحمد يعلم أنه «المهدي المنتظر» على شريطة أن يستوزره، ومن المعروف أن عبد الله التعايشي كان قبل ذلك بسنوات وعقب فتح دار فور عرض على الزبير أن يعلن نفسه «المهدي المنتظر» ورفض الزبير وأنّبه تأنيبًا عنيفًا.

 فإذا صحت هذه الرواية فهي صريحة في كذب هذا الادعاء وأنه مختلق لا أصل له، ولعل هناك مؤشرات أخرى جعلت الكثير من الناس يكذب هذا الادعاء منها رسالة هنزل السابقة التي تفيد كذب ادعاء المهدوية من مقابلة الفقهاء للمهدي ومنها تكذيب السادة الميرغنية وتكذيب محمد السنوسي له أيضا، مما كان له أثر في تكذيب كثير من أهل السودان أو تشكيكهم في مهدويته.

ومن هذا كله يتبين أن ادعاء المهدية كان أكبر أخطائها وأفدحها وكان سببًا رئيسيًّا في إجهاض الحركة المهدية.

ولا نستطيع أن نجمع بين ما ذكر من تقوى محمد أحمد وسلامة عقيدته وحسن سيرته وصدقه وبين هذا الادعاء إلا أن نحمله على الوهم وإلقاء الشيطان في نفسه، فلعله توهم من مطابقة الاسم وتهافت الناس عليه وفصاحة بيانه وقوة حجته أنه هو المهدي، ووجد من عبد الله التعايشي تشجيعًا قويًّا، حمله على تصديق وهمه، والله أعلم بالسرائر. وهناك سلبيات أخرى في الحركة المهدبة نستدركها في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

الرابط المختصر :