; «إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة» الحلقة الخامسة والأربعون ... دولة الخلافة والحركة الوهابية | مجلة المجتمع

العنوان «إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة» الحلقة الخامسة والأربعون ... دولة الخلافة والحركة الوهابية

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1980

مشاهدات 108

نشر في العدد508

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 23-ديسمبر-1980

كل إمام في بلدته عليه أن يسوس رعيته بالحق والعدل.

الشيخ «عبد العزيز بن الحصين»: تكفير الدعوة الوهابية زور وبهتان.

تناولنا في الحلقة السابقة بعض النصوص التي قد تُوهّم بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعادي دولة الخلافة، ويعمل على تقويض أركانها، وبيَّنا المراد من تلك العبارات، وأنها لا تدل على هذا الاتجاه، بل إنها تدل على خلافه، وأنها تحمل معنى الولاء للدولة والطاعة لها، لا الخروج عليها، وبيَّنا في حين أن عبارة الدولة التي يصرح الشيخ بعدائها لا يعني بها دولة الخلافة الإسلامية، وإنما يريد بها البلدة التي هو فيها والبلدان المجاورة، واليوم نتعرض لبعض الاستدلالات من كلام الشيخ والتي تدل بما يُشبه التصريح موقفه من دولة الخلافة.

وليقوم الشيخ عبد العزيز الحصين بمناظرة علماء الحرم مناظرة علنية، بناءً على طلب شريف مكة أحمد بن سعيد في رسالة بعث بها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير عبد العزيز عام 1184-1770م.

ونبدأ برسالته القيمة إلى أهل القصيم، والتي بيَّن فيها عقيدته وموقفه من الناس في الجزيرة، والتي يفهم منها موقفه من دولة الخلافة أيضًا يقول فيها: «... ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام برًّا كان أو فاجرًا، إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم، ما لم يأمر بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه، وهذا الكلام ينسحب حتمًا على الخليفة وقت قول الشيخ هذا، والإلزام عليه البيان لو كان يرى عدم شرعية خلافة آل عثمان ولدعا إلى نبذها، لكنه حرم الخروج ولو كانت الخلافة بالتغلب والسيف.

وهناك أكثر النصوص صراحة في الدلالة على المراد، وهو نص من رسالة أرسلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود مع الشيخ عبد العزيز الحصين، ليوصلها إلى الشريف أحمد بن الشريف سعيد – وقد سبقت الإشارة إليها – يقول الشيخ وعبد العزيز بن محمد بن سعود فيها بعد بسم الله الرحمن الرحيم: المعروض لديك، أدام الله أفضل نعمه عليك، حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد أعزه الله في الدارين، وأعز به دين جده سيد الثقلين. إن الكتاب لما وصل إلى الخادم وتأمل ما فيه م الكلام الحسن رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف، لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها، وعداوة من خرج عنها، وهذا هو الواجب على ولاة الأمور، ولما طلبتم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر وهو واصل إليكم، ويجلس في مجلس الشريف أعزَّه الله هو وعلماء مكة، فإن اجتمعوا فالحمد لله على ذلك، وإن اختلفوا أحضر الشريف كتبهم وكتب الحنابلة والواجب على الكل منا ومنكم أنه يقصد بعلمه وجه الله ونصر رسوله كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ (آل عمران: 81) 

فإذا كان سبحانه قد أخذ الميثاق على الأنبياء إن أدركوا محمدًا – صلى الله عليه وسلم – على الإيمان به ونصرته فكيف بنا يا أمته؟ فلابد من الإيمان به، ولابد من نصرته، لا يكفي أحدهما عن الآخر، وأحق الناس بذلك وأولاهم به أهل البيت الذي بعثه الله منهم وشرفهم على أهل الأرض، وأحق أهل البيت بذلك من كان من ذريته – صلى الله عليه وسلم – وغير ذلك يعلم الشريف أعزه الله أن غلمانك من جملة الخدام، ثم أنتم في حفظ الله وحسن رعايته» فلما وصل الشيخ عبد العزيز الحصين نزل على الشريف أحمد، واجتمع هو وبعض علماء مكة عنده، وهم يحيى بن صالح الحنفي وعبد الوهاب بن حسن التركي (مفتي السلطان) وعبد الغني بن هلال، وتفاوضوا في ثلاث مسائل وقعت المناظرة فيها:

الأولى: ما نسب إلى الدعوة الوهابية من التكفير بالعموم.

والثانية: هدم القباب التي على القبور.

والثالثة: إنكار دعوة الصالحين للشفاعة.

فذكر لهم الشيخ عبد العزيز الحصين: إن نسبة التكفير بالعموم إلى الدعوة الوهابية هو زور وبهتان، أما هدم القباب التي على القبور فهو من مبدأ الدعوة وهو حق وصواب، وهو وارد في كثير من الكتب الفقهية، وليس لدى العلماء فيه شك.

وأما دعوة الصالحين، وطلب الشفاعة منهم، والاستغاثة بهم في النوازل فقد نص عليه الأئمة العلماء، وقرروا أنه من الشرك الذي فعله القدماء ولا يجادل في عدم جوازه إلا كل ملحد أو جاهل.

فأحضروا كتب الحنابلة فوجدوا أن الأمر على ما ذكر لهم، فاعترفوا بصحة الدعوة التي يدعو إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وانصرف عنهم الشيخ عبد العزيز مبجلًا معززًا.

وإن الناظر في تلك الرسالة وما دار من نقاش بين الجانبين يتوصل إلى دلالة قوية على أن الشيخ لم يعتبر نفسه في يوم من الأيام شاقًا عصى الطاعة، خارجًا عن الدين أو عن إمرة المسلمين ممن لهم الأمر، فها هو يخاطب شريف مكة فيعبر عن نفسه بالخادم، وأتباعه بمثابة الغلمان والخدام أيضًا، مع أنه من الناحية الفعلية الواقعية لا سلطة ولا إمرة مباشرة للشريف على الشيخ أو بلدته، لكن الشيخ يريد أن يشعره بما يحفظه وتحفظه نفوس من معه لشرفاء مكة من التقدير والاحترام، لأنهم أولى الناس بالدعوة إلى الله، ولذا تجد الشيخ يُحمِّلهم تبعة نصرة الشريعة، ويرتب الأولوية والمسئولية على آل البيت، ومع ذلك لا يطالبهم بالخروج على دولة الخلافة؛ رغم أحقيتهم بها، بل يطالبهم بنصرة الشريعة وتطهير البيت الحرام من صور الشرك والبدع، وكان المقام مناسبًا أن يتعرض لخلافة آل عثمان ... لكنه لم يفعل، ولا يحتمل كلامه أكثر من ذلك، وتلحظ من نقاط النقاش بين مندوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الحرم، أنها لم تتضمن شيئًا عن الخلافة أو الخروج، مع أن المقام يقتضيها، على الأقل لإحراج الشيخ وإقامة الحجة عليه، لكن ذلك كله لم يكن ... ومن هذا العرض كله يبين بجلاء ووضوح تصور الشيخ لدعوته وتصوره لدولة الخلافة، فهي وإن كانت دولة ضعيفة وبسبب ضعفها ذاك انتشرت الخرافات والبدع والشركيات، وتجزأت البلاد الإسلامية وغدت سلطة دولة الخلافة اسمية، فالواجب والحالة هذه أن يصلح كل مسلم قادر على الإصلاح في بلدته، فإن رأى في نفسه قدرة على تغيير منكر في بلد آخر ففعل، فما عليه من سبيل، بل أنه فرض وواجب عليه ذلك ... وإن كل إمام في بلدته في هذا الجو العام الذي يعيشه المسلمون ودولتهم الأم، عليه أن يُسوِّس رعيته بالحق والعدل، وله عليهم حق الطاعة، ما لم يأمر بمعصية فلا طاعة لمخلوق حينئذ في معصية الخالق، وإن سمات الطاعة الصلاة وراء برهم وفاجرهم، ولا يفهم من كلام الشيخ أنه لا يقر الخروج على سبيل البت، بل إن كلامه ينبغي أن يكون في الإطار الذي كان يعيشه، وفي التصور الذي يتعامل معه الشيخ ودعوته وفي إطار هذا التصور، فقد كانت دولة الخلافة قائمة لما تسقط فعليًّا بعد، وما زال التغلب لدولة الخلافة قائمًا، وإن ظهر ما ظهر من سمات الضعف والتخلخل، ومع ذلك إن رأى كفرًا بواحًا له عليه برهان وجب عنده الخروج كائنًا من كان أفرادًا أو جماعات أو حكامًا فهم ضالون وطواغيت، ولذا لما قامت حجته على من هم في بلدته وما جاورها قال لهم: «... إن هذا الذي أنتم فيه كفر، الناس يعبدون الطواغيت ويعادون دين الإسلام» «الرسائل 244».

فلما لم يستجيبوا لدعوته وحجته وبيانه قاتلهم بالسيف فقال «... نقاتلهم بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة الممتثلين لقوله سبحانه وتعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: 193) فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان ...» «الرسائل 114». وقد سبق تفصيل هذه الجزئية في مقال سابق.

هكذا نفهم تصور الشيخ من خلال ما كتبه بيده وسطره في كتبه؛ لا خروج على دولة الخلافة ولا تعرض لها، بل وتغيير بكل أساليب التغيير المستطاعة في بلدته وما جاورها مما ليس لدولة الخلافة عليه سلطة مباشرة.

ومع وصولنا لهذه النتيجة والتي استخرجناها من خلال كلام مؤسس الحركة نفسه، فإن السؤال ذاته ما زال قائمًا، فمواقف الشيخ العملية وحروبه المتواصلة ألا تعني الخروج على دولة الخلافة؟ وهلا كانت سببًا مباشرًا لاستعداء دولة الخلافة؟ بل ألم تكن فعلًا سببًا مباشرًا للصدام المسلح بين دولة الخلافة والحركة الوهابية؟

فنقول إجابة على هذا كله ابتداء، إن ذلك لا يُشكِّل خروجًا بالمعنى الدقيق للخروج، وهذا رأينا تاركين لغيرنا أن يجتهد خلاف ما نرى، ففي الأدلة والأحداث متسع لكل مستنبط حسبما يوديه اجتهاده.

وسندلل على هذا الرأي باستقصاء الحركات المسلحة التي عايشها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وسوف نرى كيف ستؤدي خيوط الأقوال والأفعال مجتمعة إلى النتيجة التي ذكرنا، وهذا ما سنستدركه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

الرابط المختصر :