العنوان دولة المدينة المنورة.. الجزء الثاني (٤) الانطلاق بالدعوة.. والهجرة إلى المدينة
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2013
مشاهدات 126
نشر في العدد 2048
نشر في الصفحة 46
السبت 13-أبريل-2013
(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي وحضارته
قريش حاولت منع الرسول ﷺ من الهجرة لكن الله تعالى أراد أن يصل سالما إلى مأمنه
المهاجرون تركوا أوطانهم وكل ما يملكون وراءهم لأن دين الله عندهم أعز وأغلى وأولى من كل شيء
كان من آثار مقاطعة قريش لبني هاشم، وبني المطلب، وبني عبد مناف، بألا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة، كان من آثار هذه المقاطعة وفاة أبي طالب عمه، ووفاة خديجة الصديقة وزيرة العون والصدق والحب الكبير، التي احتملت تلك المشقة وقدمت نفسها العزيزة، ومن قبل قدمت مالها.. وهكذا اجتمعت الأثقال على رسول الله ﷺ ، فانطلق إلى الطائف ليلقى فيها ما يلقى، ومع ذلك يدعو لمن آذوه لا عليهم بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا (١).
لدى العودة من الطائف، ورغم ما واجهه ﷺ عند دخول مكة يزداد انطلاقا بالدعوة استمر يلقى الناس والقبائل القادمة من أنحاء الجزيرة العربية، توالي ذلك سنوات قبل الطائف، إذ روى العديد ممن رآه رأي العين أنه ﷺ كان يجول في أسواق العرب وينادي: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، والكل يعرض عن الدعوة الكريمة، حتى من استحسنها ورأى فيها دليل نبوة صادقة خوفا من قريش وتأثيرها.
استمر الأمر كذلك حتى كان موسم حج السنة الحادية عشرة للبعثة النبوية الشريفة التقى ﷺ سنة رجال من أهل المدينة المنورة قرأ عليهم القرآن وعَرَضَ عليهم الإسلام فأسلموا جميعا.
بيعة العقبة الأولى
في موسم حج السنة التالية كانت بَيْعَةً العقبة الأولى بيعة النساء، في السنة التي بعدها، كانت بيعة العقبة الثانية الكبرى بيعة الحرب كانوا خمسة وسبعين فيهم امرأتان، كانوا جميعًا على استعداد أن يواجهوا أهل الموسم بأسيافهم لكن الرسول الكريم ﷺ قال لهم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم».
دعا أهل البيعة الكبرى الرسول ﷺ إلى مدينتهم، كأنهم كانوا على ميعاد، وأن الله سبحانه وتعالى ادخرها لهم ولمن وراءهم مِنْ أهل المدينة المنورة.
أما موقع المدينة المنورة فقد تميز بأمور عدة:
- أنها شمال مكة المكرمة تمر بجوارها قوافل قريش.
- تَسْكُنُ حولها قبائل أخرى مما جَعَلَ عقد معاهدات معها مبكرا.
- قربها من ساحل البحر الأحمر.
كما تمتاز المدينة المنورة بخصوبة تربتها وتنوع الزراعة فيها، إلى جانب موقعها الحصين، فهي محاطة من جهتيها بحرتين شرقية حرة «واقم»، وغربية حرة الوبرة»، ومن الجنوب محاطة بالبساتين والنخيل الجهة المكشوفة هي الشمالية التي منها أنت قريش في معركتي «أحد» و«الخندق»، لعل هذا هو ما أشار إليه النبي الكريم ﷺ في قوله: « إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين، وهما الحربان، بل حتى جوها الجغرافي كان موبوءا، فدعا الرسول ﷺ: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صَاعِها ومُدها وصححها لنا وانقل حُمَّاها إلى مهيعة.
الهجرة إلى المدينة
كانت الهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة المنورة خمسمائة كيلومتر شمال مكة المكرمة، وكان خروجه من مكة المكرمة ليلة الخميس غرة ربيع الأول السنة الرابعة عشرة من البعثة النبوية الشريفة إلى غار ثور» جنوب مكة المكرمة نحو خمسة كيلومترات للمكوث فيه ثلاثة أيام، ليخرج منه ليلة الإثنين متجها نحو المدينة المنورة سيرا حثيثا متتابعا نحو ثمانية أيام، ليصلها برعاية الله لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الإثنين، حين اشتد الضحى وكادت الشمس تعتدل، استقبله وموكبه في «قباء» على مشارف المدينة الرجال والنساء والأطفال في يوم من أجمل الأيام وهم ينشدون النشيد الخالد:
طلع البدر علينا *** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا *** ما دعا لله داع
أيها المَبْعُوثُ فينا *** جئت بالأمر المطاع
جئْتَ شَرَفتَ المدينة *** مرحبا يا خَيْر دَاع
تمت الهجرة الميمونة التي تعد من أكبر الأحداث الثلاثة التي أشير إليها، برعاية من الله تعالى إِذْ لَمَّا عَلِمَتْ قريش بذلك بذلت أقصى الجهد لمنعه ﷺ ، فَقَدِّمَتْ أكبر الجوائز، لكن كيف ينالون منه والله تعالي يريد إخراجه سالمًا ليصل إلى مأمنه: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ( التوبة:40).
سار الموكب الميمون بعد أن ترك عليًا ابن أبي طالب ليؤدي أمانات قريش التي أو دعتها عنده (1)، وهي تحاربه وتسعى لقتله! متجها نحو الموطن الجديد، ليبدأ بالهجرة التاريخ الجديد في البلد الجديد في المجتمع الجديد، حيث قال شاعرهم:
فلما أتانا واطمأنت به النوى *** وأصبح مسرورًا بطيبة راضيا
فأَصْبَحَ لا يخشى من الناس واحدًا *** قريبا ولا يخشى من الناس نائيا
بذلنا له الأموال من حل مالنا *** وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
هناك كان اللقاء بين المهاجرين صفوة أهل مكة وقريش ومن تبعهم، ليلتقوا بالأنصار أهل المدينة المنورة، صفوة مجتمعها المدخر: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:100).
المجتمع الأول
وفي المدينة كان مجتمع الإسلام الأول ودولته الكريمة النموذجية المثالية.
كان الاستعراض السابق لبيان: أي طريق وعر كان على الدعوة أن تسلكه، هذه المتاعب كانت الدعوة الإلهية وداعيتها وأتباعها الأبرار، يعلمونه ويدركونه لم يفارقهم الأمل لحظة واحدة بنصر الله، في أحلك الظروف.
ولكي يتبين للدارس، بعض معالم هذه الدعوة الكريمة وما عاناه أتباعها، الذين تربوا على هذا المنهج الإلهي القرآني الفريد فكانوا به جيلًا فريدًا باهرا نادر الوجود، ومثالا أمام الأجيال التي تعمل لنصرة هذا الدين والتي تنتظر موعود الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:55).
مما تميزت به دعوة الإسلام:
1- أنها دعوة إلهية، أرادها الله سبحانه وتعالى السعادة البشرية، ورغم كل تلك الظروف والأحداث حققت المستوى المطلوب بهذا المنهج أول الأعمدة الثلاثة ثانيًا بأولئك النوع من الجند قيادة وأتباعًا.
ذلك يدعونا إلى القول: إنه لا بد أن يأتي كل إصلاح وتقدم عن هذا الطريق، وإن الصعوبات أمر لابد منه لأجل قيامها..
2- أن المهاجرين تركوا أوطانهم وكل ما يملكون وراءهم، ومكة عزيزة على أهلها لا يتركونها ، لكن دين الله أعز وأغلى وأولى، من كل شيء، ذلك ما عبر عنه الرسول الكريم ﷺ
يُذكر أن الرسول الكريم ﷺ ، خرج من مكة مهاجرا وهو يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله عز وجل ولولا أني أخرجت منك ما خرجت»، كما قال ﷺ كذلك: «ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت».
أصيل الهذلي رضي الله عنه قدم من مكة المكرمة، فقال له ﷺ: يا أصيل كيف عَهْدُك بمكة؟»، قال: عهدتها والله وقد اخضرت أجنابها وابيضت بطحاؤها وأعذق إذخرها وانتشر سَلَمُها وأَرْغَلَ ثَمَامُها، فقال ﷺ: «حَسْبُكَ يا أصيل لا تحزنا ولا تشوقنا وَيْهَا يا أصيل دع القلوب تقر.
الهوامش
(۱) البداية والنهاية ۳۸۳/۳
(۲) البداية والنهاية، ٣٤٤/٣ - ٠٣٤٥
(۳) البخاري، رقم: ۲۲۷۹ و ۳۹۰۵
(٤) البخاري، رقم: ۱۸۸۹ ، ومسلم رقم: ٣٣٤٢ المهيعة تعني الطريق الواسع البين.
(٥) السيرة النبوية، ص ٤٢٣ ، البداية والنهاية
٤٦٣/٣ - ٠٤٧٥
(٦) البداية والنهاية ٤٦٥/٣
(۷) السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض
أحداثها (x)، ص ٣٤٥ - ٣٤٦، ٣٦١.