العنوان دولة المدينة المنورة.. الإسلام.. والدولة المعاصرة (1)
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2012
مشاهدات 79
نشر في العدد 2012
نشر في الصفحة 12
السبت 21-يوليو-2012
دولة تمتعت بنوعية نموذجية في مفاهيمها الإنسانية عالية التحضر.. تجاوزت كل التحديات
هذه السلسلة من المقالات تتناول دراسة أوضاع «دولة المدينة المنورة»، التي قامت بالرعاية النبوية بوحي منهج الله المبين، بعد هجرة الرسول الكريم ﷺ والصحابة الكرام رضي الله عنهم.. المهاجرون، من أهل مكة المكرمة، نساء ورجالًا وأطفالًا، التحق بهم الأنصار الأفاضل من الأوس والخزرج، أهل المدينة المنورة، معًا كونوا مجتمعًا نموذجًا عديم المثال شكلًا ومضمونًا، لتطبيق شرع الله في مجتمع صفوة أهل الأرض، وسامًا ألبسه إياهم الرسول الكريم ﷺ، بعد بيعة صلح الحديبية، في ذي القعدة السنة السادسة للهجرة النبوية الشريفة (٦٢٨م): «أنتم «اليوم» خير أهل الأرض» «أخرجه البخاري، رقم: ٤١٥٤».
نموذج هذه الدولة الدستورية الشرعية الإسلامية، قدوة لكل محاولة إسلامية تالية، مدى الدهر كله -منها أيامنا هذه- تبتغي إقامة دولة شرعية ناجحة عالية المقاصد والثوابت والشواهد، في أي زمان ومكان وإنسان، يستضاء بنورها لزومًا، باعتبار إسلامية الدولة، يتناسب حالها المتسم بالعصرية المتقدمة دومًا، متفوقة على كل ما عداها، مما لم يَشْهَد أَحَدٌ مِثْلَهَا وَلا يَحْلم بها ولا يأتي عليها الخيال، يستحضرها كل أحد يبتغي نوعيتها يوجه أنوارها نحو حاله وعصره معتبرًا بها أمام كافة ظروفها ومستجداتها ومكناتها.
جَرَتْ تلك الدولة المباركة «دولة المدينة المنورة» بإحكام، في علاج كل الأمور والمشكلات والقضايا الداخلية والخارجية، وإعلاء الحياة وخدماتها، بكل ما يموج به وقتهم وزمانهم من مُسْتَجَدات الوسائل والظروف والحاجات.
قيام هذه الدولة كان مفاجأة غريبة ونقلة نوعية عجيبة، بل يجعلها صالحة منشودة لكل محاولة لغيرهم، مهما كانت انتماءاتهم، مع احتساب كل ما يدور في خواطر المنادين بالإصلاح الحق الكريم، يجدون أمامهم أعلى مُبْتَغَى يَرْجُو أَحَدٌ ارتياده، يُضِيفُ ضرورات أخرى إلى لزوم زيادة الاهتمام بدراسة السيرة النبوية الشريفة «على صاحبها الصلاة والسلام»، باعتباره واجبًا شرعيًا مُفَقِّهًا مُعَلِّمًا مُتَرَقِّيًا.
مثال عالمي
يسري ذلك حتى لغير المسلمين المنصفين للحق ولأنفسهم، مثلما يجري اقتباس أَي مِنَ التجارب المتنوعة في العالم، في قضايا شتى علمية واجتماعية متفاعلة وحضارية وإنسانية تقدمية عامة، بتفتح أفق وعقلية حرة متحررة مستنيرة مستقلة لا تعرف الجمود والركود والانغلاق والتقوقع، مثلما لا تعرف التردد، تخوفًا لحكم مسبق، نفورًا من العقد، متعافية من كل ما يُثْقِلُها، نَفْسًا وعقلًا وذاتًا، أَمْرٌ مألوف تمامًا، يدل على أفق أريحي متفتح متسع، يسعى للأخذ بالأفضل دون أي انغلاق على نفسه بأية حجة، منطوية ملتوية منزوية.
لا بد لكل أحد -معها أو عليها- من توفير نظرة متأنية لقراءة جيدة متعقلة محايدة، لدولة المدينة المنورة، للانتفاع بتجربتها الرائدة الفذة الإنسانية والتعلم منها.
مفاهيم نموذجية
دولة تمتعت بنوعية نموذجية في مفاهيمها الإنسانية عالية التحضر، باستيعاب متفهم لحالها ودورها ومنجزاتها، وإدراك كيفية تجاوز كل التحديات والعقبات والمواقف المتحفزة للانقضاض عليها، رغم ما كان بين تلك القوى من المتناقضات اجتمعت عليها.
غدا واقع المدينة مرئيًا، حالها يدعو لليأس، جرى استبداله بقوة باهرة نادرة عالية الشأن، إلى أبلغ نجاح مثالي مثير للمفاجأة والدهشة والإعجاب، توافر إنجازه الباهر، بأعلى درجات الإيمان والأمل والثقة المستمدة من منهجها الإلهي العتيد المجيد الفريد وعلو الإيمان به، سواء بالنسبة لحالها الداخلي بكل ما فيه من مكوناتها الاجتماعية وموقعها الجغرافي وتضاريسها، وحتى مناخها المتنوع، مثلما محيطها الخارجي، حيث توافر فهم محتوياته وآفاقه ومواقفه بكل دقة، لتحديد أسلوب التعامل وحقيقة فعاليته وقيادته في هذا الخضم المغرق، لقيادة السفينة بريادة ربان ماهر يأخذها بأمان إلى شاطئها الأخضر، كانت أجود الخطط الله سبحانه وتعالى تولتها يده الكريمة ترعاها وتصرفها: ﴿ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ (البروج: 20، 21، 22)
كذلك: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: 64)
ريادة في التطبيق
كُلُّ هذه المآرب العليا تجدونها في هذه الدولة الرائدة التي أرادها الله تعالى أن تتوافر فيها تلك المواصفات التي تعامل بها جيل بأكمله، كيلًا تبقى لأحد حجة في التقاعس عن الاقتداء بها والسير بحداء مغانيها ومعانيها ومبانيها الميمونة النقيبة المباركة، بعفتها الرحيبة النجيبة.. يتم ذلك إنصافًا لأنفسهم وغيرهم وإنسانيتهم، فليس لدى أحد، بعد هذا الوضوح المبين للحق وانبلاجه المنير حجةٌ: ﴿ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 165)
ذلك مما وَهَبَ هذا الدين وشرعه الإلهي المبين، من أجل بعض هذا التميز المتفوق المتفرد، أقر مؤتمر قانوني غربي عقد في باريس سنة ١٩٥٤م، بتقدم الفقه الإسلامي وتقنيناته على غيره، يدعو للاقتباس منه.. ألم تقم النهضة الأوروبية بكل ما فيها من حسنات على أسس إسلامية بحتة ابتداءً وبناءً واحتواءً، منها العلوم البحتة Science الظاهرة الخفية، خَفِيَّة أكثرها مثل: جانب الحقوق الإنسانية وتقنيناتها الفاضلة المكرمة للإنسان، من حيث هو، تكريمًا لإنسانيته التي أرادها الله تعالى له: ﴿ ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70)
كان من ثمارها الأولى في أوروبا، ابتداءً من بريطانيا، صُدُورُ «الوثيقة العظمى» (Magna Carta) سنة ١٢١٥م (٦١٢هـ)، كذلك حركة الإصلاح الديني البروتستانتي Reformation في القرن السادس عشر الميلادي «العاشر الهجري»، بجانب أمور أخرى مماثلة جرت هنا وهناك بأوقات، عرفت أو جهلت أو أهملت لكنها قائمة.
الحكم بالشريعة
ويُقصد بـ«دولة المدينة النبوية» أو «دولة المدينة المنورة»، تلك الدولة الكريمة التي أقامها الإسلام لأول مرة في المدينة المنورة، تحكم بشرع الله سبحانه وتعالى الإسلام، بعد الهجرة النبوية الكريمة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، في يوم اتخذ عيدًا لأهميته وقيمته ودلالته، يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول السنة الرابعة عشرة من البعثة النبوية الشريفة (27/ 9/ 622) (1)، يوم اتَّخذ بداية التاريخ الهجري الشريف في خلافة عمر بن الخطاب في السنة السادسة عشرة لحدث الهجرة النبوية الشريفة (٢).
قامت «دولة المدينة المنورة» هذه بزعامة الرسول الكريم ﷺ، مما لم تعرفه البشرية بأديانها وأنظمتها وتقنيناتها سابقًا.
واقع عملي
هذه القيم عاشت واقعها العملي في الحياة الإسلامية ودولتها، وإلا كيف أقبل الناس على دين الله في كل مكان، التقوا به وبأهله، غَدَتْ قاعدة الدعوة الإسلامية في العالمين، منها انطلق نور الله المبين إلى الآفاق، دليل نوعية هذا المجتمع بجيله القرآني الفريد.
احتوت المدينة المنورة دولة تقوم على شرع الله تعالى من القرآن الكريم والسنة المطهرة، متمثلة في السيرة النبوية الشريفة العظيمة، يرعاها شعب آمن بها وتعاهد منذ البيعات النبوية في العقبات المكية -أواخر العهد المكي- سيما بيعة العقبة الكبرى الثالثة «موسم حج السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية الشريفة».
تعاهدها الرجال والنساء والأطفال وحافظوا عليها بالنفس قبل النفيس، لا يرضون بها بديلًا.. كانت الشريعة مرجعيتهم الوحيدة في كافة أمورهم دون استثناء، كما في بقية العهود والأجيال التالية في كل بلاد استقرت فيها شريعة الله تعالى، حَفْتُها وحَمَلَتْها وَحَمَتْها القلوب، ضمتها حنايا النفوس -ما تحفه القلوب باق وما تحميه السيوف ذاهب به وبأهله- تم لهم ذلك بعد بناء نفوسهم عليها.
مفهوم جديد
أراد الله تعالى ذلك لدولة المدينة المنورة هذه، هيأ أسباب قيامها، قبل تمام نزول القرآن الكريم، ليترافق النزول والتطبيق كل ما فيه للتطبيق في واقع الحياة، بحكمة أن تتعلم أمته في الميدان، أصبح الإسلام هو الرباط الوحيد الجامع بين أفرادها، مفهوم جديد للأمة لم يعرفه أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، يقول شاعر الإسلام القديم:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم
كما يقول كذلك الشاعر المسلم الحديث:
ولستُ أرْضَى سوى الإسلام لي وطنًا
«كشمير» فيه ووادي النيل سيان
وكُلَّما ذُكرَ اسْمُ الله في بلد
عددت أرجاءه من لب أوطاني
تَعَلَّمَتْ الأمة المسلمة كافة أمور إسلامها، تحقيقًا وتوثيقًا وتطبيقًا، فَقَبْلَ أَن يَلْتَحقَ الرسول الكريم ﷺ بالرفيق الأعلى تم القرآن الكريم نزولًا وتطبيقًا بكل ما فيه، بكماله واكتماله وشموله، تكفل الله بذلك وأراده سبحانه وتعالى نموذجًا يسري في كافة الأجيال التالية، حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، مشمولًا به عصرنا الحالي وغيره مما يليه.
ذلك أحد معجزات هذا الدين ودليل: أنه من عند الله تعالى، بصدق نبوة محمد ﷺ الصادق المصدوق (3)، تكفل الله تعالى بحفظه، نصوصًا وتطبيقًا وتوريثًا للأجيال التالية أجمع: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)
أمره قائم دائم.
الهوامش
(۱) انظروا: رحمة للعالمين المنصور فوري، 1/ 96 وبعدها.
(۲) البداية والنهاية، ابن كثير، 7/ 181- 182.
(۳) الصادق المصدوق: وصف للرسول الكريم ﷺ، تعبير يذكره رواة الأحاديث النبوية الشريفة وعموم الصحابة الكرام ومن بعدهم على مدار الأجيال، ونحن والحمد لله تعالى وإلى يوم الدين.. الصادق: الصادق في قوله، والمصدوق: المصدوق فيما يأتيه من الوحي الكريم المصدق فيه.. انظروا مثلًا: مسلم، رقم: ٦٧٢٣.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل