العنوان فكر وثقافة (1996)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الجمعة 06-أبريل-2012
مشاهدات 63
نشر في العدد 1996
نشر في الصفحة 48
الجمعة 06-أبريل-2012
ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (1 )
على القارئ ألا يُبهر بشهرة الكاتب بل يجعل رائده البحث عن الحقيقة لذاتها بصرف النظر عن مكانة الكاتب في عالم التأليف
ابن خلدون: التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد يوقفنا على أحوال السابقين من الأمم وأخلاقهم.. والأنبياء في سيرهم.. والملوك وسياستهم
التراجم نوعان: ذاتية بأن يؤرخ الكاتب لنفسه بقلمه.. وغيرية تدور حول حياة شخصية لغير كاتبها.. والعقَّاد أشهر كتابها في العصر الحديث
بقلم: أ. د. جابر قميحة
يقولون: إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصاًً على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف - مهما كان صغيراً - يبقى له مكانة في التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزاً من الزمن.
وفي هذه الحلقات، يهمني أن أنبه القارئ إلى أن كثيراً منها قد مضى على وقائعها سبعون عاماً، وربما أكثر من ذلك.. وأحمد الله إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق، أو إسراف.
عن الذكريات والمذكرات
هناك تقسيمات فنية بن عدد من المصطلحات؛ كالتاريخ، والترجمة، والمذكرات، والذكريات.. فالتاريخ مفهومه أعم هذه التعريفات؛ لأنه يتسع للحديث عن السلم والحرب، والحضارات والنكسات.. إلخ.
وقد عرف ابن خلدون التاريخ والغاية التي يحققها بقوله: «هو فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال السابقين من الأمم وأخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم، وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا. ويتفق «راوس » - في كتابه «التاريخ فائدته وأهميته » - مع ابن خلدون في الفائدة المنشودة من دراسة التاريخ.
أنواع التراجم
الأول: تراجم ذاتية؛ وتعني أن يؤرخ الكاتب لنفسه بقلمه، وقد تكون في جزء واحد أو أجزاء متعددة، كما نرى في كتب العقَّاد؛ كتاب «أنا »، وكتاب «حياة قلم »، وكتاب «في عالم السدود والقيود ،» وبعض النقاد يدخل في هذه التراجم الذاتية كتابه «سارة ،» واعتبرها ترجمة لشخصيته في جانبها العاطفي. ومن أشهر التراجم الذاتية «مذكراتي في نصف قرن » لأحمد شفيق.
الثاني:تراجم غيرية ؛ وتعني كتابة حياة شخصية غير شخصية كاتبها.. والعقَّاد هو أشهر كتَّاب التراجم في العصر الحديث، وتأتي في صورة مقالات، ولكن أشهر منها ما جاء في كتب كاملة، مثل: «ابن الرومي »، و «جميل بثينة »، و «هتلر في الميزان »، و «فرانسيس باكون »، و «الشيخ الرئيس ابن سينا »، و «أبو الشهداء الحسين بن علي »، و«داعي السماء بلال بن رباح »، ا وأشهر تراجمه العبقريات: «عبقرية المسيح ،» و «عبقرية محمد »، و «عبقرية عمر ».. إلخ.
وللعقَّاد منهج عرف به في معالجة هذه الشخصيات هو المنهج النفسي التصويري، الذي يهتم بملمح الشخصية النفسية ا والروحية أكثر من اهتمامه بسرد الوقائع.
وهناك فروق بين النوعين من أهمها:
-1 أن الترجمة الذاتية نقل مباشر، أما الترجمة الغيرية، فإنها نقل عن طريق الشواهد والشهادات والوثائق.
-2 وكاتب الترجمة الغيرية موضوعي، يلمح بسرعة، ويفهم بإحكام، ويلمح الحقائق، ويحكم عليها، ويمزجها مزجاً متعادلاً منسجماً، ويصفها بأسلوبه.
أما كاتب الترجمة الذاتية، فإنه ذاتي قبل كل شيء، ينظر إلى نفسه، ويسلط أضواء النقل ودقة الملاحظة على شخصيته.
-3 وكاتب الترجمة الغيرية يقف موقف الشاهد لا القاضي، أما كاتب الترجمة الذاتية فإنه يجمع بين الصنفين
-4 والسيرة الذاتية تنبع من الداخل متجهة نحو الخارج، على عكس الاتجاه الذي تمشي فيه الترجمة الغيرية، ونجاح المترجم الذاتي يقاس بنسبة الذاتية فيما كتب، أما نجاح من يكتب ترجمة غيره فيقاس بمقدار تجرده وغيريته.
-5 والحق أن أهم هذه الفوارق جميعاً يكاد ينحصر في الموضوع أو المضمون؛ فإذا كان موضوع الترجمة هو كاتبها نفسه، فهي ترجمة ذاتية، بحيث يكون الكاتب هو نقطة الارتكاز التي تدور حولها الوقائع والأحداث، حتى ولو كادت هذه الأحداث - لقوتها وتفوقها - تحجب شخصية الكاتب.
أما إذا كان المنطلق شخصية أخرى فهي ترجمة غيرية، ولو كان للكاتب نفسه، ولأحداث التي تتعلق به نصيب في هذه ل الترجمة، وغالباً ما يكون العنوان الذي يتصدر الترجمة دليلً حاسماً ينم على ا طبيعتها ونوعها.
ولا يدخل في هذه الفوارق أسلوب التعبير عن الترجمة الذاتية بضمير المتكلم وعن الترجمة الغيرية بضمير الغائب، فهو- وإن كان فارقاً غالباً- غير ملتَزَم تماماً في التراجم الذاتية الروائية بخاصة، كما نرى في «الأيام » لطه حسين، و «عودة الروح » لتوفيق الحكيم، و «سارة » للعقَّاد، فالأداء فيها كلها بضمير الغائب، حتى يخيل لمن لا يملك فكرة سابقة عن المؤلف أنه لا مكان له في هذه التراجم.
المذكرات
والنوعان - الذاتية والغيرية - أقرب ما يكونان إلى «المذكرات »، فالكاتب يملك وثائق حضور أحداثها أو أغلبها.
أما الذكريات فبطلها الحقيقي «الاجترار العقلي ؛» أي الاعتماد على الذاكرة في استعادة وقائعها بعد أن فني وجودها من مسرح الواقع.
ونشير إلى أن الفارق بينهما - كما أشرنا من قبل - لا يعدم بعض ملامح التشابه والالتقاء.
وبعد كل ما ذكرنا، وفي الحلقات الآتية من الذكريات نرى من حق القارئ علينا أن يحاسبنا على ما خرجنا به، وما يخرج به القارئ مما ذكرنا.
ونقدم ما يمكن أن يكون إجابة في إيجاز شديد:
-1 استطاعت الحلقات أن تقدم - فيما يمكن أن يكون حسماً - الفرق بين التاريخ وأنواع الترجمة، والفارق أو الفروق بين الترجمة الذاتية والترجمة الغيرية، وهذا يدرب القارئ، بل يعلمه دقة البحث، واستخراج الأحكام والفصل بينها.
-2 استطاعت أن تعلم القارئ ضرورة الاستقراء الكامل لجزئيات الموضوع الذي يعالجه أياً كان نوعه، حتى يخلص إلى حكم سديد.
-3 استطاعت أن تعلم القارئ ألا يُبهر بشهرة المكتوب والكاتب، بل يجعل رائده البحث عن الحقيقة لذاتها، بصرف
النظر عن مكانة شخصية الكاتب في عالم التأليف والمؤلفين.
-4 وتعلمه أن يلتزم الحياد، ويتنزه عن التعصب، ويعلو على التطرف والشطط. وليست هذه هي كل الدروس التي يخرج بها القارئ مما قرأ، فقد يكون أقدر منا على تبين ما لم نتبيَّنه، أو ما غاب عن ذهننا، وسهونا عنه، وجلَّ من لا يسهو.. وكل أولئك اجتهاد بشري إذا أصاب فلصاحبه أجران، وإذا أخطأ فلصاحبه أجر واحد، وندعو الله أن نكون من أهل الصواب؛ ﴿رّبَّنّا لا تٍزٌغً قٍلٍوبّنّا بّعًدّ إذً هّدّيًتّنّا هّبً لّنّا مٌن لَّدٍنكّ رّحًمّةْ إنَّكّ أّنتّ پًوّهَّابٍ﴾ (آل عمران).
*حرب المصطلحات
د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
مصطلحات تخدم أعداءنا وكذلك تخدم الظالمين من حكامنا، ولقد كان من نتائج ظهور مصطلح «القاعدة والإرهاب »
أن استخدمه «القذافي » ضد الثوار في ليبيا، وادعى أن «القاعدة » هي التي تحرك الجماهير، وما ذاك إلا ليجعل الغرب يقف معه ضدهم ويضربهم ويقتلهم، لكن من لطف الله أن دول الغرب أرسلت مندوبيها إلي بنغازي لتتأكد أنه ليس هناك «قاعدة » ولا «الارهاب »، ولكن ثورة شعب على حاكم ظالم.. وكذلك على المعزوفة نفسها عزف النظام البعثي الظالم في سورية، فادعى بأن وراء الاحتجاجات «سلفية » و «وقاعدة »، وأنهم إذا نجحوا في ثورتهم فإن ذلك سيعنيدم الاستقرار في «إسرائيل »، وكأن ثورة المدن السورية تزعزع الأمن في «إسرائيل »، أما «حزب الله » في لبنان والذي ما يفتأ بين الحين والآخر بإلقاء الخطب النارية ضد «إسرائيل » لا يزعزع أمنها.
فالنتيجة التي نصل اليها أن المصطلحات تُصنع لنا وتعلَّب،ثم تُصدَّر إلينا ويعيشها الكثير منا، وتدمر أوطاننا بالعنف والعنف المضاد، ويفوز في النهاية أهل المكر والإفساد من أعدائنا من سار على نهجهم من بني جلدتنا.
الكثير وقعوا في شرك حرب المصطلحات، وإن مما يدعو للأسف الشديد أننا بدأنا نلاحظ من خلال التحليلات والأطروحات من رجالات الفكر الإسلامي أنها بدت متأثرة بلوثة المصطلحات المستوردة من الغرب، ومعتمدة في ذلك على أجهزة الاتصالات، وكأن أمتنا لم يكفها الوجبات السريعة والتي هي مستورد أمريكي،والتي «نفخت » أبناءنا فضاعت أجسامهم، وضعفت لياقتهم، وقل نشاطهم، وكأنه لم يكفنا هذا الوهن في أجسادنا فإذا بنا نستورد ما يوهن أفكارنا وعقولنا أيضا
الرابط المختصر :