العنوان ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (١٠).. شكل الحارتين
الكاتب جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2012
مشاهدات 109
نشر في العدد 2005
نشر في الصفحة 46
السبت 02-يونيو-2012
● المنزلة أصبحت قسمين أو حيين كبيرين.. حارة المعصرة و حارة الطوابرة أو النجارين
● بدأ الصدام الدامي بين الحارتين بسبب انتخابات البرلمان.. واستخدم الفريقان كل أنواع الأسلحة ابتداء من الحجارة وانتهاء بالمدافع الرشاشة
يقولون: إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصا على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزا من الزمن. وفي هذه الحلقات التي أنشرها تباعا، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرا منها قد مضى على وقائعها سبعون عاما وربما أكثر من ذلك.. وأحمد الله إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق أو إسراف وكلمة شكل هنا بفتح الشين والكاف تعني الخلاف الحاد الذي يتطور إلى الضرب، بل القتل والحرق أحياناً، وقبل هذا الشكل كان أهل المنزلة يدا واحدة في مناصرة مرشح المنزلة بمجلس النواب، وهو محمد عبد العال شلباية ، ضد مرشح المطرية المحامي «عباس عصفور». رأيت في شارع «المحطة» مظاهرة من بضع مئات من أهل المنزلة، كانوا يحملون نعشا رمزيا، ويصرخون في هتاف متهكم أبو كرش جماص عايز ينزل الوزارة.. أبو كرش جماص عايز ينزل الوزارة، عبد العال يا عبد العال... أنت العال أنت العال..، لم أفهم شيئا مما سمعت ومما شاهدت وبعد ذلك أدركت أن عباس عصفور المحامي وهو من المطرية دقهلية رشح نفسه لعضوية مجلس النواب ضد «عبد العال شلباية» وهو من أعيان المنزلة، و«الجماص» هو القواقع البيضاء الصغيرة المتخلفة من أم الخلو»، وأبو كرش «جماص» أي الذي ملأ بطنه بأكل «الجماص»، وذلك كما قلت من باب السخرية، كما أن أهل المطرية كانوا يسخرون من أهل المنزلة بوصفهم بأنهم بتوع الكسبة والليمون وهي استعمالات لا تجري إلا على ألسنة العوام، وطبعاً لا بد أن تكون هناك مظاهرات مضادة قامت في المطرية. وكنا نتمنى ألا تخرج المظاهرة عن حدود اللياقة والخلق، ولكنها الحماسة والتعصب الإقليمي.
● الانقسام والتعصب
أصبحت المنزلة قسمين أو حيين كبيرين ويطلق على الحي اسم حارة فالحارة الأولى هي حارة «المعصرة» والثانية هي حارة «الطوابرة» أو النجارين، وسميت حارة «المعصرة» بهذا الاسم؛ لوجود معصرة ضخمة لاستخراج زيت السمسم، وبعد عصره يبقى الكسب الذي يشتريه رقاق الحال كإدام مع الخبز، وكان أهل المطرية يسخرون من أهل المنزلة بتوع الكسبة والليمون؛ لأن الكسب أساسا طعام للحيوانات. أما الثانية، فربما رجع ذلك إلى أهم عائلة، وهي عائلة «طوبار» ذات التاريخ المجيد في التصدي للفرنسيين، ويرجع أيضا إلى الحرفة الغالبة على سكانها. وهي النجارة، وبالنظر إلى الانتخابات نرى أن حارة المعصرة كانت صاحبة الحظ الأوفى في النواب، ويتمثل ذلك في «آل شلباية»، الذين تقدموا المجلس النواب بالشخصيات الآتية (بالترتيب التاريخي):
1- عبد العال شلباية.
٢- أحمد عبد العال شلباية.
٣- السعيد شلباية.
٤- عرفات شلباية.
٥- أحمد محمد شلبايةنائب المنزلة عن حزب «الوفد»، ثم غير انتماءه إلى الحزب الوطني. أما حارة «النجارين»، أو «الطوابرة» فلم يرشح منها إلا واحد هو أبو السعود المرسي السودة سنة ١٩٤٤م، في مواجهة «أحمد عبد العال شلباية» الذي وفق وانتخب نائبا .
وبدأ الصدام الدامي المربين الحارتين، واستخدم الفريقان كل أنواع الأسلحة ابتداء من الحجارة، وانتهاء بالبنادق والمدافع الرشاشة، وسقط عدد من القتلى أذكر منهم عثمان القيعي (قفاص) وشخصاً من عائلة عرابي (نجار)، وثالثاً من عائلة عبد الحي تاجر طيور متجول، إلى جانب عدد كبير من الجرحى، زيادة على نهب البيوت والمحلات، وسادت الفوضى، وقامت حملة من ثلاثة آلاف من رجال الأمن على رأسهم الضابط الجبار عباس عسكر.
● الهجانة تحسم الموقف
لكن عباس عسكره الجبار انسحب بفيلقه بعد إخفاقهم الذريع ليحل محلهم كتائب الهجانة وهم طوال الأجسام، سود البشرة يركبون الهجن أي الجمال وأغلب أهل المنزلة يرونهم لأول مرة، لقد زرعوا الرعب في قلوب الناس، فلزموا بيوتهم من المغرب لأن الهجانة لا يتكلمون إلا بالكرابيج السودانية.
وأذكر في هذا السياق واقعة طريقة وهي أن حسن دغمش السقاء كان يحمل قربة ماء على ظهره لتوصيلها إلى أحد البيوت، فأوقفوه وصرخوا في وجهه أنت سارق خروفة.. وظلوا يعملون فيه كرابيجهم إلى أن سقط مغما عليه بين الموت والحياة. وبعد الهدوء النسبي غادر الهجانة المنزلة، ولكن ظلت عصبية الحارة كما هي معصرة وطوابرة، مع ملاحظة أن هذا التقسيم معتمد على موقع السكن، وليس وراءه عقيدة، أو مذهبية. ومن الصور البشعة التي أذكرها في هذا السياق، وهي صورة لا يقرها دين ولا عقل أن أحد النجارين من حارة الطوابرة هوى ببلطته على رأس تاجر طيور جوال اسمه عبد الحي فقسمه قسمين، ولم يكن له ذنب إلا انتسابه لحارة المعصرة.
ولكن الله تعالى يمهل ولا يهمل، فقد رأيت هذا القاتل مصابا بالشلل الكلي، وتورم نصفه الأسفل، وعاش في هذا العذاب إلى أن مات.
● الشكل .. أصبح تاريخاً
وأصبح شكل الحارتين يؤرخ به : فيقال: حدث ذلك قبل شكل الحارتين، أو بعد شكل الحارتين بسنة. ومن الطرائف التي تروى أن أحد أبناء المنزلة كان يشكو من التهاب الزائدة الدودية فقصد أحد الأطباء في مدينة بور سعيد فسأله الطبيب متى تعرضت لهذا الألم؟ فأجاب من مدة كبيرة يا بيه قبل شكل الحارتين بمدة طويلة .. فضحك الطبيب فقال المريض من زمان من أيام ما عيلة شلباية كانوا ساكنين في سوق السلاموني وسوق السلاموني حي كان لآل شلباية منزل كبير فيه.
كل ذلك يحدث والإخوان على الحياد، لا يميلون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما أن الإخوان كان منهم المعصراوي ساكن حارة المعصرة، ومنهم الطوابراوي ساكن حارة طوبار، وكلهم بحمد الله تعالى ألف الله بين قلوبهم، وجعلهم بنعمته إخواناً . كما أن شعبة الإخوان انتقلت من حي إلى حي، بشكل طبيعي بلا حساسية، فعقيدة الإسلام أقوى من كل تعصب إقليمي.
● الإخوان.. والعصبية الإقليمية
استطاع الإخوان باستعمال وسائل مباشرة وغير مباشرة، أن يخففوا من هذه العصبية، حتى تستطيع أن نقول: إنها اختفت تماماً في وقتنا الحاضر، ومن هذه الوسائل:
١ - حرص الإخوان على أن يكونوا قدوة حسنة للناس في المحبة والتآلف والتعاون مع إيمانهم لا بإقليمية النسب بل بإسلامية الرابطة على حد قول الشاعر: أبي الإسلام لا أبا لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
٢- كما كان الإخوان أحرص الناس على مصلحة أهل المنزلة، وحمايتهم من كل سوء، كما رأينا فيما أدوه من خدمات عندما هاجم وباء الكوليرا مدن مصر وقراها سنة ١٩٤٧م، وأهل المنزلة لا ينسون موقفهم من الهجمة التنصيرية الصليبية البشعة.
٣- وعاش إخوان المنزلة مثالاً طيباً للتسامح، ومقابلة إساءات الآخرين بصدوررحبة، ولا أنسى موقفاً لهم يدل على هذه السمة كان في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، وخلاصته أن الإخوان ساروا في عرض للجوالة، وقد كانوا يومها من بضع مئات، فلما وصل الجوالة إلى ساحة سوق السلاموني - في حارة المعصرة ظهر قرابة ثلاثين شابا، يحملون العصي والنبابيت، وأخذوا يقذفون الجوالة بالطماطم، والبيض الفاسد، فأمر الأستاذ محمد قاسم صقر العرض بالوقوف مكانه وكان هؤلاء ينتسبون لحزب «الوفد» الذي كان ضد الإخوان على طول الخط، وانضم الأستاذ قاسم إلى المظاهرة التي كانت بقيادة منصور حمزة فراج، أحد فتوات حارة المعصرة، وأخذ يهتف معهم عدو الوفد عدو الدين.. عدو الوفد عدو الدين وبذلك حرق ورقتهم وصمتوا وانسحبوا وقد كست حمرة الخجل وجوههم، ثم انضم عشرات منهم بعد ذلك إلى الإخوان.
٤- ودأب دعاة الإخوان وخطباؤهم في المساجد والندوات والمحاضرات على توجيه الناس إلى التسامح والأخوة والتعاون والبعد عن العصبية الجاهلية، إلى أن انتزعوا من قلوب الناس هذا التعصب الإقليمي له المعصرة والطوابرة.
● الإسلام هو الحل
واتسعت قاعدة الإخوان في المنزلة وانتشرت دعوة الإخوان بين الطلاب والمثقفين بخاصة، وأصبح للإخوان شعبية تصغر أمامها شعبية أي حزب آخر. وبعد أن كانت الهتافات أبو كرش جماص عايز ينزل الوزارة و«شلباية بيه». و السودة بيه حل البديل الحميد الذي كانت مصر تهتف به الإسلام هو الحل شرع الله عز وجل، الإسلام هو الحل.. ما في غيره ينفع حل.
وقد سعدت حينما رأيت أطفالاً صغاراً لم يتجاوزوا الثامنة من عمرهم، وقد أمسك بعضهم بقطع صغيرة من الأغصان، وهم يهتفون بعفوية وحماسة: الإسلام هو الحل، الإسلام هو الحل. إنه الجيل الجديد يصنعه الله تعالى على عينه، ليتلقى الراية، ويكمل المسيرة... مسيرة الحق، والنصر، والنور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل