; ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (۱۲).. وعشنا التسامح الديني.. الخواجة «إسكندر وعائلته» | مجلة المجتمع

العنوان ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (۱۲).. وعشنا التسامح الديني.. الخواجة «إسكندر وعائلته»

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2012

مشاهدات 57

نشر في العدد 2007

نشر في الصفحة 44

السبت 16-يونيو-2012

كان المسلمون جميعاً – بمنطقتنا بمدينة المنزلة – يعاملون أهل بيت النصارى الوحيد ود وسماحة

عميد الأسرة النصرانية، إسكندر كان يختفي في شهر رمضان ولا يجاهر بالتدخين أمام الدار إلا بعد المغرب مراعاة لشعور المسلمين

عميد الأسرة النصرانية إسكندر، كان يختفي في شهر رمضان ولا يجاهر بالتدخين أمام الدار إلا بعد المغرب مراعاة لشعور المسلمين

عندما مات الخواجة إسكندر بكينا عليه )) جميعا وخرجت أسرتنا ورجال الحارة كلها في جنازته

يقولون: إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصا على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في - التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزا من الزمن. وفي هذه الحلقات التي أنشرها تباعا، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرا منها قد مضى على وقائعها سبعون عاماً، وربما أكثر من ذلك.. – وأحمد الله تعالى إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون - تزويق، أو إسراف -

في أقصى شمال الدلتا، تقع مدينة «المنزلة» وهي مسقط رأسي كان عدد الناس في هذه المدينة قرابة خمسة آلاف، وكانت تعتمد على التجارة والصيد، والبحارة؛ أي النقل بالسفن الشراعية، إلى مدينة بورسعيد التي تبعد قرابة خمسة وعشرين ميلاً، أي بطول بحيرة المنزلة، وكانت البلدة التي زاد عدد سكانها حاليا إلى نصف مليون نسمة - تحمل شوارعها أسماء الأسر، أو أسماء المهنة.. وعلى سبيل المثال؛ كان الشارع الذي نقطن فيه مع الأسرة، والأعمام والأخوال، والأصهار يسمى حارة «القمايحة؛ أي آل قميحة لأنهم العنصر الغالب في شغل هذه الحارة بالمساكن، وبجانبنا مباشرة حارة «المنايسة»؛ أي آل منيسي، ثم حارة «الباز» أو «الطيور»، أي آل الطير.

بيت النصاري

وعلى غرب حارتنا مباشرة شارع القفاصين»؛ أي الذين يصنعون من جريد النخل أقفاصا للفاكهة والطيور وكذلك يصنعون القفف والمقاطف من خوص النخل. وعند التقاء حارتنا بشارع القفاصين كان هناك بيت من طابق واحد ذو مساحة كبيرة يؤدي بابه الرئيس إلى باحة واسعة بلا سقف، ثم عدد من الحجرات بعد ذلك، تملكه وتقطنه أسرة قبطية، كنا جميعا رجالا ونساء وأطفالا نطلق على هذا البيت بيت النصارى» وأهم رجال الأسرة «بسخرون» الذي يعمل مصورا بآلة التصوير الخشبية الكبيرة التي تقف على قوائم، وله دكان داخل سوق البلدة، و«حنا» وهو يملك عربة كارو وحصانا، ويتخذ ركنا من باحة البيت كإسطبل للحصان، والشاب ميلاد» ويعمل حداداً . وأهم من هؤلاء جميعاً عميد الأسرة «إسكندر» الذي قارب السبعين آنذاك، وكان طيلة النهار يجلس أمام البيت يدخن السجائر (اللف) بكثرة عجيبة حتى اصفر شاربه الأبيض الكث من ناحية منخاريه، كان الرجل «ربعة» متوسط القامة شحيما إلى حد ما، يبدو في كلامه، وحركاته، وقار وتثاقل وكان مبتسم الوجه دائماً، ومن الصباح الباكر يجلس أمام البيت ولا يدخله إلا لتناول الطعام، أو قضاء الحاجة، فإذا ما غابت الشمس تحول إلى داخل البيت، ثم يتكرر هذا السيناريو كل يوم دون انقطاع. وأذكر أن والدي ما مر به إلا وحياه : صباح الخير، أو مساء الخير، أو «إزيك» یا خواجه «إسكندر». فيرد التحية، ولكنه كان يخصني بعبارة لم تتغير : «وأنت «إزيك» يا قميحة يا صغير»، وأحببت الرجل لاهتمامه بي ولابتسامته التي لا تفارق وجهه، وكان هذا هو شعورنا وشعور كل جيراننا نحو الرجل.

سر اختفاء الخواجة: وفي شهر رمضان من كل عام يختفي الخواجة «إسكندر» تماما ولا يظهر أمام الدار إلا بعد المغرب لساعة أو ساعتين من كل يوم من أيام رمضان.

وكان السبب أن الرجل يراعي شعور المسلمين، ولا يجاهر بالتدخين الذي لا يستطيع أن ينقطع عنه فآثر أن يقبع في بيته طيلة نهارات رمضان ليتمتع بسجائره اللف. كانت «أنصاف» هي كبرى بناتهم، وأذكر أنها كانت على علاقة طيبة جدا مع نساء الحارة كلها، وكانت كثيرة الزيارة لنا، وفي النصف الثاني من شعبان تقوم أسرتنا بما يسمى «خبيز رمضان»، أي خبز كمية كبيرة من الخبز في فرن البيت يكفي الأسرة ما لا يقل عن شهر ونصف الشهر، ويخرج الخبز من الفرن ويترك مفرودا قرابة يومين ليجف، حتى لا يتعفن، ثم يحفظ في سحارة»، وهي تشبه صندوقا خشبيا ضخما جداً، له باب يسمح بدخول من تقوم برص الخبز».. وكانت «أنصاف تحضر ونساء أخريات من الحارة المساعدة والدتي في خبيز رمضان، وتصر «أنصاف» على أن تقوم هي بالمهمة الصعبة، وهي الجلوس أمام الفرن للقيام بعملية إنضاج الخبز الذي تتناوله عجيناً من البنات والنساء مبططاً قطعاً كل قطعة تصنع رغيفا باستخدام صاجة الفرن الكبيرة، وتقوم «أنصاف» كذلك بتغذية الفرن بالوقود من حطب، وقش، وسرس (قشر الأرز بعد ضربه)، وهما عملان يحتاجان لقدرة وصبر ومهارة، ولا أنسى ذلك اليوم الحزين في حياة أبي وحياة أسرتنا، وحياة الحارة كلها .. لقد مات الخواجة «إسكندر»، وبكينا عليه جميعا . وخرجت أسرتنا ورجال الحارة كلها في جنازته، يودعونه إلى مقبرته وأذكر أن أبي كلما مر بدار النصارى، وقد أغلق بابها الخارجي الكبير، هز رأسه وقال بصوت متهدج: «الملك لله .. الملك لله».

إنها حقائق وخواطر ثابتة على مدار التاريخ، وقد قفزت إلى ذهني، وأنا أكتب عن دار النصارى في المنزلة، وكيف كانوا يعيشون بيننا، كأنهم أسرة منا ، وما أحوجنا إلى تذكر هذه الصور الوضيئة في عصرنا الذي كثرت فيه الفتن، واختلت فيه المعايير، وضاعت فيه القيم .. في عهد «مبارك» المخلوع .. عهد ضيعت فيه الأمانة، ووسد الأمر لغير أهله وأعتقد أن أصل الداء، وسر البلاء نجده في قول بشار بن برد أعمى يقود بصيراً لا أباً لكمو قد ضل من كانت العميان تهديه .

الرابط المختصر :