العنوان (ذوقيات) ذوق الخطاب
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2007
مشاهدات 98
نشر في العدد 1780
نشر في الصفحة 54
السبت 08-ديسمبر-2007
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد
كانت جدته تحبه حبًا جمًا، احتضنته طفلًا وقتي وشابًا ورجلًا، وأظلته بحنانها. كبر وتعلم، وتخرج في كلية الطب، وكانت جدته لا تطيق فراقه لا يمر يوم واحد دون أن تراه فلما صارت عجوزًا كانت تشكو إليه أوجاعها فيطببها برفق، وتشعر بالراحة...
وذات مرة كانت تشكو إليه آلامها التي تتناوب جسمها في مواضع شتى، فقال لها: حكم السن يا جدتي، فكان وقع هذه الكلمة كالصاعقة وكانت نقطة تحول في العلاقة بينهما.. مرضت الجدة، واشتد مرضها، وجاء زوج بنتها يزورها، فسألها عن هذا الطبيب لعلمه بحبها له، ففوجئ زوج البنت برد الجدة دعك منه لا أريد أن أسمع اسمه!! فسألها، ماذا حدث؟ قالت أيرضيك أن يقول لي، حكم السن؟، أنا لست كبيرة، أنا عمري خمس وتسعون سنة فقط، غيري يعيش وسنه مئة وعشرون ومنة وخمسون!!
وهناك مواقف جعلتني أخذ بنصيحة رسول الله.. لكم في المعاريض مندوحة عن الكذب.. فمن ذلك إذا سألتني إحدى خالاتي أو عماتي كم عمرها حسبما أتوقع؟ فأحتاط لنفسي وأنقص على الأقل عشر سنوات مما أتوقع، فمثلًا إذا كان عمرها ستين سنة أقول عمرك خمسون وشهور، أقصد (في نفسي) خمسين سنة بالإضافة إلى عشر سنين بالشهور كي أوازن بين مراعاة نفس المرأة وبين صدقي في القول، فأخذ بالتعريض بديلًا عن الكذب، عملاً بوصية النبيr.
أما الموقف الذي نبهني إلى أن أسلك هذا السلوك فهو أنني كنت متوجهًا ذات مرة للإشراف على طلابي في التدريب الميداني بإحدى مدارس البنات فوجدت الطلاب خارجين من المدرسة في الصباح الباكر فسألتهم عن السبب، فعرفت أنه سوء تفاهم بين ناظرة المدرسة وبينهم، وعلمت أن أحدهم رد على الناظرة بأسلوب قد يؤثر سلبًا في هيبتها أمام المعلمين والمعلمات، فأخذت الطالب كي يعتذر إليها.
ولما بدأ اعتذاره بقوله إنك مثل أمي صاحت غاضبة أنا لست كأمك. لأنني صغيرة السن وأكبر أولادي في المرحلة المتوسطة، فقلت لها، يقصد أنك أم علمية وروحية ولا يقصد أبدًا أنك كبيرة السن فأنت ما زلت صغيرة ما شاء الله، ثم نظرت إلى الطالب وقلت له: أليس كذلك يا فلان؟ فقال بلی!!
اتصل شخص بالحاج عباس السيسي. رحمه الله وأخبره بأنه قد رأى له رؤيا في المنام، ويريد أن يخبره بها على وجه السرعة فأذن له الحاج عباس، وجاء الرجل، ثم بدأ يقص عليه رؤياه فقال الرجل إنه رأى في نومه أن جماعة من الناس يسيرون في الشارع قبيل الفجر، وهم يهللون لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويكررونها باستمرار، فقام من نومه وفتح النافذة، وسأل عن سر هذا التجمع فقالوا له البقاء لله لقد توفي الحاج عباس السيسي رحمه الله!!
يقول الحاج عباس رحمه الله. عن هذا الشخص بعد أن قص على هذا الرجل تلك الرؤيا.. نظر إلي يستوحي وقع الرؤيا على وجهي وأعصابي ونظرت إليه في دهشة وقلت له، إن الشائع عند عامة الناس أن الموت في الرؤيا المتنامية يبشر بطول العمر، وشكرته وانصرف!!
وعندما أسترجع شريط الملتقيات والندوات التي حضرتها مستمعًا ومتعلمًا الحظ نمطين متضادين ومتناقضين لمن يقومون بتقديم المتحدث فتجد أحدهم يقدم المتحدث مبالغًا في الثناء والمدح والتعظيم والتبجيل، وبعضهم يقدمه فيبخسه حقه فقد يكون المتحدث عالمًا وشيخا من شيوخ الشريعة، أو يكون حاصلًا على الدكتوراه فيقدمه مجردا من القابه العلمية متوهما أن ذكر الألقاب من قبيل المجاملات غير المقبولة في حين أن ذلك حق من حقوق المتحدث بالإضافة إلى أن إعطاء العالم حقه عند التقديم إنما هو تكريم العلم والعلماء ومن باب إنزال الناس منازلهم وقد أوصى بذلك رسول الله.
كما أن ذلك يضفي على المتحدث مصداقية وتأثيرًا في المستمعين وفي المقابل. كثيرًا ما سمعت المتحدثين لا يلتزمون بالوقت المحدد لهم برغم أنه في مستهل حديثه يؤكد أنه لن يطيل على المستمعين وبعد أن يأخذ أكثر من وقته ويطيل على المستمعين يقول لهم سأذكر لكم آخر نقطة الآن ثم يسترسل في حديثه ویكرر الجمل السابقة عدة مرات واعداً مستمعيه بأنه الآن سيحدثهم عن آخر نقطة ثم ينهي هذه النقطة. ويبدأ في نقطة جديدة تتلوها أخرى جديدة وهكذا دواليك!!
وطوال عملي بالتدريس في كليتي في أثناء وجودي بمكتبي، وذلك في الأوقات البيئية بين المحاضرات أو في أثناء الساعات المكتبية التي أنتظر فيها طلابي لأجيب عن أسئلتهم واستفساراتهم.. يأتيني بعض الطلاب، فيسألني عن أستاذه مجردًا إياه من لقبه فيقول فلان موجود؟ وقد يكون أستاذه الذي يذكره مجرداً من لقبه. أكبر ستا من أبيه، فأظن أحياناً أنه يسأل عن شخص آخر فأسأله قاصداً من فلان هذا؟ فيقول الدكتور فلان فأجيبه هكذا يكون أسلوب السؤال عنه فقد ظننت أنك تسأل عن رفيقك... ثم يعاود فيسألني هل سيأتي الدكتور فلان اليوم فأقول له: لا أدري. اسأل السكرتير لأنه عند العذر يعلم السكرتير فإن لم يكن قد اعتذر فاقرأ جدوله على باب مكتبه لتعرف أين هو الآن؟ ومتى يكون موجودًا في مكتبه؟ بيد أن بعضهم يجادل قائلًا، أنت زميله فكيف لا تعرف هل سيأتي أم فيحدثني كأنني سكرتير الزميلي ومنذ عشرة أيام كنت في عزاء مع أحد أساتذتي، وبعد أن أدينا واجب العزاء، خرجنا نقصد السيارة مسرعين، فقد كان كلانا مرتبطاً بموعد قرب وقته. وكان على أن أوصل أستاذي الذي لا يستطيع قيادة سيارته لظروف صحية، لكننا في الطريق فوجئنا بشاب يقبل علينا، وأخذ يحادث أستاذنا فنبهته إلى أن الأستاذ على موعد ويجب أن يسرع ليصل في موعده وكررت ذلك مرارًا وصاحبنا يخرج من موضوع يدخل في موضوع آخر، وهكذا!! وليس ذلك من حسن الخطاب.
وذات مرة التقيت زميل دراسة وهو لا يزال صديقًا لي. وقد التقيت به بعد خمس سنوات من إنهاء دراستنا الجامعية، فسألته عن أحد أساتذتنا وهو يسكن معه في مدينة واحدة وعلى اتصال به فقال لي هو بخير وكان معي الأسبوع الماضي فقلت له كان معك أم كنت معه؟ فأدرك خطأه، وقال، بل كنت أنا معه. وتم متحدث آخر في عقد نكاح تجده يطيل في كلمته حتى يمل المستمعون وتنظر في وجهه فتجده لا يعبر عن المناسبة إذ تجده مكفهر الوجه عابسًا لا يبتسم. وربما يستظرف بعضهم فيصدق فيه المثل، جاء يكحلها عماها.. إذ يتطرق في حديثه عن تعدد الزوجات، وذلك يمس شعور الزوجة وأهلها، خاصة إذا كان نصيبهم من الثقافة الشرعية ضئيلًا، وربما يؤدي ذلك إلى معركة بين أهل العروس والمتحدث فلا أحد ينكر شرع الله ، لكن للأمر ضوابطه، ويجب مراعاة الواقع، وصاحبنا المتحدث قد يسترسل ويفصل ويشرح وكأنه في محاضرة فقه الطلاب كلية الشريعة وينسى أن لكل مقام مقالًا...
فالمجال ليس مجال محاضرة ولا مجال حديث فقهي، بل المقام مقام تهنئة وقد جاء الجميع للتهنئة وإدخال السرور والفرحة على العروسين وأهلهما.
وفي محنة مرضية سابقة.. أبدى لي أحد أصدقائي رغبته الشديدة في أن يحجز لي عند فلان الطبيب المشهور جدًا في مشكلتي الصحية فوافقت ولما ذهبنا إلى عيادته للفحص.
نظرت في وجهه فإذا به رسمت عليه علامات أمراض شتى. وكانت إضاءة غرفة الفحص التي يجلس وفيها إضاءة خافتة توحي بالكأبة والحزن وعندما كان يفحصني لم يكف عن التأوه والتوجع والتأفف وبدا ذلك على وجهه وقد أظهر الرقم (۱۱۱) في كثير من مواضع وجهه من شدة عبوسه وتجهمه. وفي نهاية الفحص إذا به بدلا من أن يبشر ويبث الأمل.. ينفر ويبتسم. ويعطي تعليمات تشعرك بأنك عما قليل ستموت وأنك على حافة الهاوية أذكر أنني لكي أقاوم هذا الكلام التينيسي ظللت طوال الفحص وبعده أتلو بصوت خافت. أسمع به نفسي فقط. قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (اسم السورة: يوسف: ٨٧)، وذلك حتى أحفظ توازني وأحافظ على الأمل في رحمة الله الواسعة وكرمه الفياض، ورفقه بالعباد!! وذات مرة جمعنا طعام دعانا إليه أحد الأصدقاء، وكنت في صحبة بعض أساتذة الجامعة والمحامين والأطباء، وهناك التقينا بشخص لا تعرفه دعي هو الآخر إلى تلك الوليمة، وإذا به يحكي عن قضية ظلم فيها وهي قضية ترتبط بمعاملات مالية لفقها له أحد الأشرار عن طريق أحد المحامين الذين لا يراعون أخلاق المهنة ، وإذا بصاحبنا هذا يصب جام غضبه على المحامين جميعًا. وهو لا يدري أن معنا محامين يسمعونه. واستمر في شتمهم والدعاء عليهم جميعًا!!
فأردت أن أرده بلطف لكن صاحبنا لم يتراجع!! فاردت أن أفهمه. ضمنيًا أن معنا محامين وقلت له مبتسمًا، الحيطة لها ودان، وهو مثل مصري شائع، لكنه لم يفهم الرسالة، وزاد من لهجته وهجومه!! من الكياسة والفطنة إذا أخي القارئ أن يتحسس المتحدث الموقف والمقام ، وطبيعة الجمهور والمستمعين، وأن يكون حريصًا وينتقي كلماته إذا تواجد بين أناس يجلس معهم أول مرة، ومن ذوق الخطاب أن يختار كلماته، فالقاعدة الأدبية العظيمة تقول لكل مقام مقال، فمراعاة ذلك يحقق ذوقيات الخطاب، وهذا حس حث عليه القرآن الكريم وعلمنا إياه، فهذا يعقوب عليه السلام يقول لأبنائه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ (اسم السورة : يوسف: ۸۷).
وهو أسلوب يدعو إلى الحذر ورفع الحسن الأمني من الأعداء، بالإضافة إلى حثه على اختيار الأسلوب وانتقاء الكلمات. ويطيب لي في نهاية هذا المقال أن أسوق للقارئ نموذجين قرآنيين من ذوقيات الخطاب أحدهما خطاب ابن لأبيه والثانية خطاب أب لابنه
أما النموذج الأول فيمثله خطاب سيدنا إبراهيم عليه السلام لأبيه المشرك، قال تعالى على لسان إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)﴾ ( اسم السورة: مريم). أما النموذج الثاني، فخطاب لقمان لابنه ولندع القرآن الكريم يصور لنا هذا الخطاب قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (اسم السورة: لقمان ١٣).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل