; رأي مصطفى كمال في الخلافة سفسطة! | مجلة المجتمع

العنوان رأي مصطفى كمال في الخلافة سفسطة!

الكاتب رضا نور

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1982

مشاهدات 61

نشر في العدد 579

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 13-يوليو-1982

فلاح يقول لمصطفى كمال: «لا تستولي على لقمة عيشي»

كان أحد الأهالي المحليين في دره بويو، يقوم بالبناء في أرضه، جاءه مصطفى كمال وقال للرجل: «هذه الأرض ملكي فكيف تبني فيها». غضب الرجل المسكين غضبًا شديدًا واستدار نحو مصطفى كمال وقال له: «يا باشا! يا باشا! أنا هنا في وسط الوادي، وقد استوليت على كل هذه الأراضي وهي ملك الغير، استوليت عليها بلا مقابل، وهل أتيت الآن لتأخذ مني هذه؟! إنني آكل بها عيشي، فلا أقل من أن تبتعد عن لقمتي». تراجع مصطفى كمال وعاد دون أن يتفوه بكلمة، وأمر بصرف النقود للرجل «نظير أرضه» من ميزانية وزارة البحرية وتسجيلها في بند التصليحات البحرية.

أقام مصطفى كمال في هذه المزرعة حوضًا طوله 280مترًا، وأسماه حوض مرمرة، وعمله بشكل «بحر مرمرة»، تسبح الزوارق على سطحها، وأحضر لها المياه من بحيرة بعيدة. كانت مصاريف هذه البحيرة كثيرة، ثم أقام في نفس المزرعة حوضًا أكثر ضخامة على شكل البحر الأسود. وعندما سمعت بهذا قلت: «ماذا يحدث لو فكر هذا الرجل ذات يوم أن يبني حوضًا على شكل المحيط.. مصيبة أنه بذلك يغرق تركيا». مات على نفسه من الضحك الرجل الذي كان جالسًا بجانبي عندما قلت هذا.

يقول: هذه الأرض ملكي وهي ملك للدولة

أقامت وزارة الدفاع الوطني أثناء الحركة الوطنية مصانع ذخيرة بجوار المحطة، وكان مصطفى كمال يعتبر أن هذه أراضيه الخاصة، قال للوزارة: «إن الأرض ملكي، فإما تشترونها وإما تزيلوا المصانع». اضطربت الوزارة، وأخيرًا عين رجب وزيرًا للدفاع الوطني، فاشترى رجب هذه الأراضي للحكومة من مصطفى كمال بمبلغ مائتي ألف ليرة. نهب! لم ير أحد من قبل مثل هذا في وضوحه وصراحته! فأولًا ليست الأرض أرضه، وثانيًا لم تكن هذه الأرض بأي حال من الأحوال لتصل إلى أربعة آلاف ليرة.

ألغوا مع الخلافة وزارة الشرعية، كنت قد اقترحت هذا الإلغاء لوزارة الشرعية من قبل، إلا أن خالد «أديب» وجلال عارف اعترضا، ووافق مصطفى كمال. الفكرة فكرتي أنا وهذا الأمر طبيعي، إذا انفصل الدين عن الدولة. إنهم يوحدون الدراسات، وهذا أيضًا ما حاولت عمله عندما كنت وزيرًا للمعارف، وهذه الأِشياء التي يفعها مصطفى كمال إنما هي من بنات أفكاري.

تلميذ الأفغاني أداة مصطفى كمال في إلغاء الخلافة

كان أكثر من استخدمهم مصطفى كمال في عملية إلغاء الخلافة هو: سيد بك، ثم غير مصطفى كمال الوزارة، ولم يجد سيد بك نفسه فيها؛ ذلك لأنه كان يشك فيه، بدعوى أن سيد بك من خادمي الاتحاديين، مع أن سيد بك شيخ تقليدي، بالإضافة إلى أنه منافق للسلطة حائز على سجايا كل المشايخ التقليديين، لا يهمه يخدم من، قلت لسيد عندما جاء إلى أنقرة: «يا مسكين، لقد بذلت كل هذا الجهد، واستخدمك كل هذا القدر «لإعلان الخلافة» ثم يكافئك بلفظك من الوزارة» فكر سيد بك وقال: «إنك لعلى حق تمامًا، لم أكن أعلم» حزن سيد بك واستقال من عضوية مجلس الأمة، وأصبح أستاذًا في الجامعة ولم يمض كثيرًا حتى مات. كانت هذه الضربة قاسية على هذا المسكين لكنه جزاؤه، فرغم أنه ينتمي إلى طائفة المشايخ، فقد كان ضد الخلافة وقال بعدم ضرورتها وتحذلق حتى يثبت «عدم ضرورة الخلافة» شرعًا، ها هو ذا رجل الاتحاديين الكبير، كان منافقًا تافهًا.

استخدم الشريعة آلة لكل شيء حسب اللزوم. كان يبدو مسلمًا جيدًا، لكن ها هو ذا مدى إسلامه، كم كان هؤلاء الاتحاديون مهرجين.

باسم الإسلام تجمع التبرعات من مسلمي الهند ثم تلغى الخلافة

أصدروا قانونًا بمنع إقامة عائلة السلطان في تركيا. كان الشيخ راسم نائب أنطاليا في مجلس الأمة في الهند مع وفد تركي لجمع تبرعات للهلال الأحمر التركي، وكان هذا في وقت إلغاء الخلافة عاد الشيخ راسم بعد عشرة أو خمسة عشر يومًا من إلغاء الخلافة. جلسنا نتحادث، أخذ يحدثني عن همومه، قال: «كنا نحظى باحترام كبير من مسلمي الهند، جمعوا لنا مبلغًا هامًّا».

وبينما نحن على ذلك، إذا ببرقية إلغاء الخلافة تصلنا. اضطرب الهنود، تكدروا كثيرًا واحتقرونا، ولم يكن لدينا حيلة إلا أن نهرب ونرجع.

إلغاء الخلافة وإلغاء السلطنة

أحدث هذا العمل «إلغاء الخلافة» تأثيرًا عميقًا في جميع العالم الإسلامي، ترك المسلمين يائسين بلا أمل، مع أن إلغاء السلطنة لم يحرك شيئًا في العالم الإسلامي، كم كان إلغاء الخلافة خطأ جسيمًا.. وسيرينا الزمن عواقبه.

الهنود مع الخلافة ورأي مصطفى كمال في الخلافة سفسطة!

يرى مصطفى كمال أن الخلافة لا فائدة منها، ودليله الذي ساقه في خطابه الرسمي، هو أن مسلمي الهند حاربوا ضدنا في الحرب العالمية الأولى. إن دليله هذا عبارة عن سفسطة.. فهؤلاء الهنود أسرى، وماذا بيدهم أن يفعلوا، كما أنهم مخدوعون، ومع ذلك فكم أدوا لنا من مساعدات، وقد عملوا كثيرًا لاستمالة إنكلترا لتكون في صالحنا، وقد كان لهم تأثير أكيد في توقيعنا على صلح جيد، وأرسلوا لنا نقودًا كثيرة، وعندما كنا نطرد الإنكليز من اسكيشهر كان المسلمون الهنود يفرغون رصاصهم في الهواء ولم يصوبوه أبدًا إلى صدور جنودنا، ماذا يريد مصطفى كمال أكثر من هذا؟ يفعلون هذا وهم أسرى، فما بالك لو كانوا أحرارًا.

والمصريون أيضًا مع الخلافة

عند هجومنا على السويس، أخذت المدفعية المصرية تضرب قواتنا ضربًا شديدًا، فإذا بضابط مصري يدرك حقيقة الموقف، قاد المسألة بنفسه، وجعل طلقات المدفعية الحامية تصب جام غليانها بعيدًا عن قواتنا بحيث تتفادها.

بفضل الخلافة كان كل المسلمين في العالم يحبوننا حبًّا جمًّا، هذا التأثير المعنوي كان عظيمًا وتولد عن هذا بالتالي تأثير مادي. ولو كنا أمة تجارية لفتحت لنا البلاد الإسلامية أبواب أسواقها. وفي مصر الرغبة عظيمة للبضائع التركية، والأروام والأرمن في مصر ليرضون هذا لذلك يكتبون على دكاكينهم كلمة «إستانبولي». إن هذه النقطة هامة بالنسبة للمستقبل، يجب أن نفيد منها، ثم بأي حق وبأي ضمير تذبح رأسًا تخص كل المسلمين، وبجميع أنحاء العالم الإسلامي؟!

مسكين هذا العالم الإسلامي، لقد أصبح بلا قائد، فمع تقدم أوربا كل هذا التقدم وما أحدثته من تجدد فإنها لم تلغ البابوية، بالعكس فإن موسوليني أخذ في تقوية البابوية.

يسفسط مصطفى كمال مرة أخرى فيقول: «إن بقاء الخلافة لعبة يستخدمها أعداء تركيا» كم هو مغالط في منطقه هذا؟ إن كل دول أوربا تشاركه في قولته وخاصة إنكلترا، مع أني أرى أن كلًّا من إنكلترا والبابا يدفعان الملايين في سبيل تحطيم العصا التي يستند عليها المسلمون في سبيل إلغاء الخلافة الإسلامية، فقام مصطفى كمال بفعل هذا مجانًا. إن هذا الغفلة، ليست غفلة وإنما حرصًا على منصبه الشخصي فقط.. كل أعماله شخصية بحتة «في سبيل ذاته» لا يفكر في منفعة الدولة.

قال يا المولى نجم الدين، عندما كنت في تركيا، «ألم يكن الإنكليز يدفعون مليوني جنيه إنجليزي لإلغاء هذه الخلافة» لم يكن يقول هذا بناءً على فكرة وطنية، غالبًا كان يقولها بإيماء خاص، وكنت قد علمت السبب في هذا من عام مضى.

مليونان من الجنيهات الإنكليزية ثمنًا لإلغاء الخلافة

وصل رشيد بك إلى باريس، وكان يعمل رئيسًا للبلاط في عهد السلطان رشاد، وهو الآن يقيم في نيس. كان على اتصال وثيق فترة من الوقت بعبد المجيد «آخر خليفة» في نيس. ذات يوم قال الخليفة السابق لرشيد: لقد علمت من مصدر موثوق أن الإنكليز دفعوا مليوني جنيهًا إنكليزيًّا ذهبيًّا في لوزان لكل من عصمت ورضا نور لكي يعملا على إلغاء الخلافة، فسأله هذا عن المصدر، فقال له: «دبلوماسي روسي».. هذا خيال لا يحدث، فلم أكن موجودًا في أنقرة عند إلغاء الخلافة، ولفظوني من الحكومة. إن هذا الرجل مخبول، واضح أن الدبلوماسي الروسي أراد أن يدفعه إلى موقف ضد الإنكليز، فاخترع هذه المسألة فليأت ويراني كيف أعيش في باريس منذ ثلاثة سنوات كم من ضيق أعانيه. أما هو منذ خصص له هندي خمسمائة ليرة إنكليزية في الشهر مرتبًا له، ولو كان الإنكليز ضده فهل يمكن للمهراجا الهندي أن يعطي الخليفة مرتبًا شهريًّا؟!

مصطفى كمال ينفيني إلى برلين بدرجة سفير

تأخذ العلاقات بيني وبين كل من عصمت ومصطفى كمال في البرود، لكن شيئًا لم يحدث بعد، ولم ينفجر الموقف بعد. تمكن مصطفى كمال من أن يكون انتخاب المجلس الجديد حسب رغبته شخصيًّا.. ومع ذلك فقد ظهر أن بينهم رجال شرفاء كثيرون، لم يستطع إدراك هذا. بدأت الأمور في الدولة تسير نحو الأسوأ، حيث تظهر حركة فظيعة في اتجاه الاستبداد. لو لم يسيطر الخوف على المجلس لقام ثلاث أرباع أعضائه ببدء المعارضة فورًا، وقلبوا كلًّا من مصطفى كمال وعصمت. لكن جبال الخوف تنتظر. مصطفى كمال وعصمت يقولان وبوضوح بضرورة تطويع المجلس النيابي لإرادتهما وجعله آلة في أيديهما.

أخذت الصحف تكتب عن تعييني سفيرًا في برلين، وأحيانًا أخرى في روما، وأخيرًا فهمت الأمر وقلت لمصطفى كمال: «يا باشا، إنك تعلم أنني لست عاشقًا للمنصب، ولا أريد شيئًا قط».

وأخذت أنتظر لأرى لماذا لا يعينني في باريس، فمنصب السفير هناك شاغر، ثم قلت له: «لو كنت أعطيتني باريس»، فقال: «سنرسل غيرك إلى باريس فإنك تعاركت كثيرًا مع الفرنسيين في لوزان»، والواقع أنه ترك سفارة باريس شاغرة لكي يعين فيها فتحي. منفى فتحي باريس، لكن منفاي أنا برلين.

إن نيتي تتجه لعدم العمل مع هذين الشخصين بشكل حاسم، وعدم قبول أي مهمة تسند إلي، وسأستقيل أيضًا من مجلس الأمة؛ لكنهما يستطيعان بذلك أن يقضيا علي بسهولة. ومنصبي في المجلس، ولو إلى حد، فيه ضمان وقوة.

رفضت أن أكون سفيرًا في برلين، لذلك زادت الفجوة بيني وبين عصمت، ولم أعد أزوره ولم أعد أذهب إلى مصطفى كمال.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 9

217

الثلاثاء 12-مايو-1970

حول العالم - العدد 9