العنوان رؤية نقدية النقد بين الالتزام الأدبي وحرية الأديب المسلم
الكاتب الأستاذ الأديب الداعية د. عبد الباسط عبد الرزاق بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1990
مشاهدات 61
نشر في العدد 950
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 16-يناير-1990
- الناقد
مبدع آتاه الله موهبة الرؤية المتعمقة كما أتى الأديب موهبة التعبير المتميز.
- موقف النقد في قضية الالتزام هو موقف المعين والمرشد الناصح.
- حرية
الأديب المسلم مضمونة ومكفولة في ظل الالتزام الإسلامي.
- الالتزام أو الاعتناق يدل على الإقبال الطوعي على الأسر بدافع
الإرادة الحرة والرغبة الذاتية
الالتزام والنقد الأدبي
حتى النقد الأدبي- الذي نعده مسؤولًا عن قضية الالتزام ومنظرًا
لها- لا يشكل في اعتقادنا سلطة تحد من حرية الأديب، لأن موقف النقد في قضية
الالتزام هو موقف المعين والمرشد. الناصح والمقيِّم والمُنَظِّر، وهذه وظائف
النقد والنقاد لا في الالتزام وحسب، بل في أية قضية أدبية، بل وفي ساحة الأدب
بعامة.
فالناقد مرشد، لا لأنه متفوق على الأديب أو أكثر منه علمًا ودراية،
فليس النقد ثقافة فوقية وليس الناقد بالعبقري الذي لا يدرك علمه أحد، إنما هو مبدع
آتاء الله موهبة الرؤية المتعمقة- كما آتي الأديب موهبة التعبير المتميز-
يبصر بعض الدقائق التي قد يسهو عنها الأديب، أولًا نتاج فرصة رؤيتها فالناقد
ينظر في العمل الأدبي بعيدًا عن الضغوط التي يعانيها الأديب في مخاض العمل الأدبي،
وهو كالخبير الذي يراقب تحركات اللاعبين لا يسيطر عليه أعباؤهم، ولا
الضغط «الآتي» المُنصب عليهم وقت اللعب.
لذا فهو قادر على أن يدرك بسهولة ميزات كل لاعب، ومَواطن تألقه ومَواطن
قصوره.. والناقد مقيِّم ومنظِّر لأنه يرقب عن كثب حركة الأدب في المجتمع بعامة،
ويراها بنظرة شمولية، فيرصد اتجاهاتها، ويدرك المؤثرات العامة فيها، ويستنتج مدى
انغماسها في عصرها ومدى تأثيرها فيه ويكشف مدى تعبيرها الحقيقي عن مشكلات واقعها،
ومدى إسهامها في البحث عن حلول ناجعة لها، وينظر في نتاج الأديب الواحد نظرة
شمولية، تدرك مراحل تطوره، وتقرأ سلبياته وإيجابياته الفاقعة والمتوارية، وعندما
يواجه الأديب بها يكون كالمرآة الصافية تكشف للمرء حقيقة لا يراها إلا عبر صفحتها
الصقيلة، ليصلح ثنية هنا واعوجاجًا هناك... ولا يكون هذا إلا إذا اقتنع بأن
ما يراه في المرأة عيوبًا حقيقية، وإلا فسيدير ظهره لها غير آبه بما على صفحتها،
أو يتهمها بأنها مرأة محدبة أو مقعرة.
إن مهمة الناقد في قضية الالتزام كمهمته في بقية القضايا الأدبية، ليس
بالسيف المصلت ولا الشرطي الذي يتعقب مُتَّهمًا ولًا عين السلطة الغاشمة، التي
تتربص بالأدباء الأحرار الدوائر. إن مهمته أن يستثير وجدان الأديب، ويساعده
على نقض ما قد يتراكم عليه من مفردات الحياة اليومية التي تحجب رؤيته لحقيقة
الأشياء أو تشوشها، وأن يذكر من تنفعه الذكرى.. ولا خوف منه ولا من نقده على
حرية الأديب.
وهكذا يمكن أن نقول بثقة كاملة:
إن حرية الأديب المسلم مضمونة ومكفولة كفالة تامة في ظل الالتزام
الإسلامي، فلا خوف عليها من السلطة الإسلامية الصحيحة ولا خوف عليها من النقد
الأدبي؛ لأن النقد في مفهوم الأدب الإسلامي ليس بسلطة على الإطلاق ولا سلطة على
الأديب المسلم الملتزم إلا وجدانه المؤمن، وقلبه الذي يراقب الله في سره وعلانيته.
وليست الدعوة إلى «الالتزام» في المفهوم الإسلامي إلا دعوة ليقظة
الوجدان المسلم وحافظة على استمراريتها وحماية لها من معوقاتها.
- المظلة الجاهلية
من المعروف أن الالتزام قضية رئيسية عند الواقعيين الاشتراكيين وعند
الوجوديين وعند «الاليوتين»... إلخ. فكيف نجعله قضية من قضايا
الأدب الإسلامي، بل وإحدى خصائصه المميزة؟
ألا تؤدي الدعوة إلى التزام الأديب المسلم واستخدام مصطلح الالتزام
بالذات إلى أن نضع الأدب الإسلامي تحت مظلة واحدة مع تلك الآداب؟
ألا نخشى أن يتداخل أدبنا آنئذ مع الآداب الجاهلية؟
سؤال مطروح سرًّا وعلنًا، وشُبهة قد تنهض في النفوس.. ولكنها شبهة
سرعان ما تزول وسؤال يجد جوابه الحاسم.
أما الجواب فهو: لا خوف على الإطلاق.. فليس
الأدب الإسلامي هشًّا إلى درجة ترتعد فيها من استعمال كلمة، أو مصطلح، نملؤه نحن
بدلالات خاصة بنا، تنبع من تصوراتنا العقدية، وترتبط بمفهوماتنا الفكرية
والفنيَّة، ثم نُشيعه في دراساتنا، ونُفَصِّل فيه القول.
ولا خطر لدينا على استخدام أية مفردة من مفردات لغتنا ما دمنا نحولها
نحن إلى دلالة اصطلاحية، ونستخدمها في حدود تلك الدلالة، حتى ولو استخدمها غيرنا
في دلالة مقاربة.
ذلك أن الكلمات في حد ذاتها لا تتدنس ولا يلحقها الألم والعار، ولا
يصيبها «فيروس» يعدي الآخرين...
فهي- من حيث كونها أصواتنا بلا دلالة- أوعية نظيفة ومحايدة وعندما
نملؤها بدلالات معينة تتأثر بما تملؤها به فتكون طاهرة أو مدنسة.
- الالتزام في اللغة
والالتزام لفظة عربية قديمة فصيحة، وردت في المعًاجم اللغوية بدلالة
تناسب كل المناسبة ما نريده نحن في الأدب الإسلامي، فقد جاء في لسان
العرب: الالتزام: الاعتناق «انظر مادة لزم» وأوردت معظم المعًاجم
القديمة هذا المعنى وكذلك المعاجم الحديثة، وزاد المعجم «الوسيط» الذي أصدره
مجمع اللغة العربية في القاهرة: التزم الشيء أو الأمر: أوجبه على
نفسه (انظر المعجم الوسيط الجزء الثاني ص ٨٢٣ مادة لزم).
والاعتناق، أو التمسك بالعتق، يدل على الإقبال الطوعي على الأمر، يدافع
الإرادة الحرة والرغبة الذاتية، والتمسك به بحرص شديد، ووردت كلمة التزم،
والتزمت والملتزم في الحديث الشريف عدة مرات (ذكر المعجم المفهرس لألفاظ
الحديث عشرين حديثًا وردت فيها هذه الألفاظ بمعنى التمسك بالشيء والحرص عليه...
انظر المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، مادة لزم المجلد السادس ص ١١٤طبعة ليدن).
وفي العصر الحديث استخدم المترجمون كلمة الالتزام ليقابلوا بها مصطلح engage ment بالفرنسية و «Commitment) بالإنجليزية
واستخدموها في ترجمة قضايا في الأدب الواقعي الاشتراكي، والأدب الوجودي، وأدب ت.
س. إليوت، وبعض ميادين النقد الأخلاقي والكتابات النقدية الأخرى التي عالجت
موضوع انغماس الأديب في قضايا مذهبه أو فلسفته أو عقيدته، دون أن تحصر المصطلح في
أمة محددة، أو مذهب معين، أو عقيدة واحدة.
وقد عرضت تلك الكتابات الالتزام في كل موضع بالدلالات التي يتميز بها،
وأظهرت الفروق بين الالتزام عند الواقعيين الاشتراكيين والالتزام عند الوجوديين،
وتحدثت عن التزام إليوت، ورأيه في مهمة الأديب، ونوعية
التزامه.
وهناك قائمة طويلة بأسماء الذين تحدثوا عن الالتزام وفق مفاهيمهم
ومنطلقاتهم ومعتقداتهم الخاصة في الآداب الشرقية والغربية والأدب العربي بعامة (قائمة
المراجع والمصادر التي أوردها الدكتور أحمد أبو حاقة في كتابه: الالتزام في
الشعر العربي ص 724- 734 ط ١ دار العلم للملايين بيروت ۱۹۷۹م).
الالتزام والمضمون الأدبي
إذن ليست القضية حِكرًا على أدب معين وليس الالتزام دعوة يتفرد بها
الماركسيون أو الوجوديون وليست المفردات اللغوية ملكًا لهم، ولن تصبح كذلك إذا
استعملوها ووضعوا فيها دلالاتهما الخاصة، إنما هي تدل عليهم وعلى المضمون
الذي يريدونه في حدود استعمالاتهم هم، أو في حدود إضافة ذلك المصطلح إليهم، أما
إذا كان المصطلح مطلقًا، مجردًا من الإضافة فهو حر طليق، بريء من الإثم والدنس، لا
يحتاج استخدامه إلى تطهير أو تعقيم.. وليس صحيحًا أن التفَوُّه بكلمة
الالتزام يغمرنا بالماركسية أو الوجودية أو الجاهليات الأخرى، إنني أقدر
الحرج من استخدام المصطلحات بلغتها الأجنبية، وأرفض ذلك الاستخدام رفضًا قاطعًا،
أرفض أن يزرع في لغتنا ونقدنا ما دمنا نقدرها.
كأن نقول: سيسيولوجيا، وديماتموجيا،
واليوتوبيا، والأيديولوجيا، والدراما، والكوميديا والتراجيديا... وغير ذلك من
المصطلحات الغربية التي يجتهد بعض النقاد في زرعها وإشاعتها، تعضدهم أكبر المجلات
النقدية في العالم العربي وللأسف الشديد.