; رابين.. وإعلان الحرب على الإسلاميين | مجلة المجتمع

العنوان رابين.. وإعلان الحرب على الإسلاميين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

مشاهدات 96

نشر في العدد 1078

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

«إن على الولايات المتحدة أن تدعم إسرائيل؛ حتى تستطيع أن تشن الحرب على الإسلاميين أعداء السلام، الذين يهددون الجزائر وأنظمة الحكم في مصر وتونس وغيرهما، فالمتطرفون الإسلاميون على وشك الاستيلاء على مقاليد السلطة في الجزائر».

هذا ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في واشنطن قبل أسبوعين، محددًا معالم الاستراتيجية الإسرائيلية الصهيونية الجديدة في المنطقة بعدما انزلق العرب إلى مستنقع المفاوضات والاتفاقات السرية والعلنية مع اليهود، وما نادى به رابين قبل أيام في واشنطن ليس سوى تتويج للجهود، التي بذلها الصهاينة في إقناع أوروبا وأمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي بأن هناك عدوًّا جديدًا يهدد مصالح هذه الدول في المنطقة لا يقل خطورة عن الشيوعية هو المد الإسلامي والحركات الإسلامية، وأن على أمريكا والغرب أن يدعموا إسرائيل بأضعاف ما كانوا يدعمونها به من قبل؛ حتى تظل حائلًا بين الإسلام والغرب على حد زعم الصهاينة، وقد تمثل ذلك على ألسنة كثير من المسؤولين الإسرائيليين في مناسبات وأماكن مختلفة كان من أبرزها ما نادى به الرئيس الإسرائيلي السابق حاييم هرتزوج في فبراير الماضي أثناء زيارة قام بها إلى بريطانيا وهولندا، قال فيها: «إن العالم منشغل الآن بأنباء القنبلة النووية وأسلحة الدمار الشامل في المنطقة، ولكن هنالك تطورًا أخطر من ذلك بكثير وأشد فتكًا وهو تنامي الأصولية الإسلامية».

وبعد لقائه مع رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور خرج هيرتزوج إلى الصحفيين قائلاً: «إن إسرائيل هي جزء من المعركة الكبرى ضد الأصولية، وأن عليها مكافحة التيار الإسلامي الأصولي في شتى أرجاء الشرق الأوسط وليس في إسرائيل وحدها».

أما شيمون بيريز - وزير الخارجية الإسرائيلي - فقد سعى أثناء زيارته لواشنطن في فبراير الماضي إلى إقناع إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بضرورة دعم إسرائيل؛ حتى تتمكن من مواجهة الخطر الأصولي الإسلامي الزاحف الذي لا يقل تهديده للمنطقة - حسب زعم بيريز - عن الخطر الشيوعي السابق، وقال بيريز في كلمة ألقاها في البيت الأبيض أمام المسؤولين في الإدارة الأمريكية: «يجب على الولايات المتحدة أن تزيد مساعداتها لإسرائيل - بدلًا من تخفيضها -؛ حيث إن إسرائيل تخوض الآن حربًا طاحنة ضد التطرف الإسلامي، وإسرائيل تدفع ثمن السلام، وتدفع ثمن ضرب الجماعات الإسلامية المسلحة التي تريد ضرب السلام وقتل المفاوضات.

وفي مارس الماضي قام رابين بزيارة إلى الولايات المتحدة طرح فيها على الرئيس كلينتون التعاون لمكافحة الإرهاب الإسلامي المتطرف - على حد زعمه - وفي خطابه الذي ألقاه في نفس الزيارة أمام اتحاد المنظمات اليهودية في واشنطن، قال رابين: «إننا لسنا متأكدين بعد من أن الرئيس كلينتون وفريقه يدركان تمامًا خطر الأصولية الإسلامية والدور الحاسم لإسرائيل في محاربتها»، ثم استعدى الدول العربية على أبنائها قائلاً: «وإن العالم العربي والعالم عمومًا سيدفع الثمن باهظًا إن لم يتم إيقاف هذا السرطان الإسلامي»، وأضاف رابين قائلًا: «إن مقاومتنا ضد الإرهابيين المسلمين القتلة مقصود منها أيضًا إيقاظ العالم الذي يرقد في سبات عميق على حقيقة هامة هي أن هذا الخطر جاد وحقيقي، ويهدد السلام العالمي، واليوم نقف نحن الإسرائيليين في خط النار ضد الإسلام الأصولي، ونحن نطالب كل الدول وكل الشعوب أن يكرسوا انتباههم إلى الخطر الضخم الكامن في الأصولية الإسلامية».

ولم يتوقف الخطاب الصهيوني عند تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وإنما تخطاه إلى كافة المنظمات والمؤسسات الداعمة للصهيونية، وكذلك الكتاب الصهاينة الذين يكتبون في الصحف الأمريكية الكبرى مثل «النيويورك تايمز» و«الواشنطن بوست»، ففي مؤتمر لجنة الشؤون الأمريكية الإسرائيلية "إيباك"، الذي عقد في واشنطن في أبريل الماضي دعت «إيباك» إلى ضرورة التصدي لأخطار الأصوليين الإسلاميين، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، ودعت إيباك الولايات المتحدة إلى الاعتماد على الحليف الإسرائيلي؛ للقيام بتحقيق هذا الهدف.

أما الكاتب الأمريكي الصهيوني سول موديل، فيقول: «يجب أن يدرك الأمريكيون بأن إسرائيل قد خدمتهم لسنوات طويلة حينما وقفت حائلًا ضد انتشار الخطر الشيوعي في الشرق الأوسط، والآن وبعد زوال هذا الخطر برز خطر هائل جديد هو الأصولية الإسلامية، التي تقف إسرائيل أمامها؛ لأنها تهدد الشرق الأوسط بل وتهدد العالم المسيحي أيضًا، ومن ثم يجب على الأمريكيين أن يدعموا إسرائيل بكل قوة حتى تواجه هذا؛ لأن الحرب على الإسلاميين الخطر الجديد».

إن هذا العزف الصهيوني على وتر العداء البارز والحرب المعلنة على الإسلام والإسلاميين يقوم على استراتيجية الحصار واستعداء الحكومات الغربية والعربية على الإسلاميين رغم قناعة اليهود - حسب قول إيمانويل سيفان مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين لشؤون الحركات الإسلامية - والعالم العربي بأنه "لا يمكن القضاء على الحركات الإسلامية، ولكن علينا أن ننظر في وقت واحد إلى قدرة التحرك الذاتية لهذه الحركات، وما تقوم به الحكومات المعنية تجاهها».

ومن ثم قامت إسرائيل بعرض خبراتها في قمع الإرهاب على تونس والجزائر ومصر؛ حتى تقوم هذه الدول باستخدامها في قمع الحركات الإسلامية بها، كما عقدت تحالفات ومعاهدات تهدف إلى تطويق العالم الإسلامي ابتداء من جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة، ومرورًا بإريتريا، التي التقى رئيسها أسياس أفورقي مع رابين في فبراير الماضي ووضعوا خطة «لمواجهة الخطر الإسلامي المتطرف الذي يهدد منطقتي الشرق الأوسط والقرن الأفريقي»، وانتهاء بدول المغرب وخاصة الجزائر، ويرمي الكيان الصهيوني من وراء حملته المعلنة هذه ضد الإسلام والإسلاميين إلى عدة أهداف من أهمها:

1- توحيد الجبهة اليهودية داخل الأراضي المحتلة وخارجها وتشجيع الهجرة اليهودية - لمواجهة المد الإسلامي والصحوة الإسلامية في المنطقة. 2- تشويه صورة الإسلام والإسلاميين وخلط المفاهيم لدى الغرب بوصف كل ما هو إسلامي بأنه إرهابي، ووصف الإسلاميين بأنهم سوف يقومون حال وصولهم إلى السلطة بتكميم الأفواه، وإلغاء المؤسسات الديمقراطية. 3- إزالة الفجوة بينها وبين بعض الأنظمة العربية غير المستقرة ودعوتها إلى المصالحة والاتحاد ضد العدو الجديد المشترك المتمثل في الحركات الإسلامية والمد الإسلامي في المنطقة. 4- تقديم نفسها كبديل رئيسي للولايات المتحدة والغرب؛ للحفاظ على مصالحهم في المنطقة من خطورة المد الأصولي الإسلامي، كما حافظت على مصالحهم أثناء الخطر الشيوعي من قبل، ومن ثم الحصول على مساعدات مالية وعسكرية ضخمة تحول إسرائيل كما قال رابين إلى «أعلى درجات التفوق التقني والعسكري على جاراتها». 5- استعداء أمريكا والدول الغربية على المسلمين المقيمين فيها ودعوتهم إلى محاربة الإرهاب الأصولي المحتمل من الجاليات الإسلامية المقيمة في الدول الغربية، على حد زعم إسرائيل.

وقد استطاع رابين خلال زيارته الأخيرة لواشنطن أن يجر الإدارة الأمريكية إلى منزلق وعر خطير حينما حصل على مساعدات عسكرية ومالية ضخمة بموجب هذه الحرب التي أعلنها، وأهمها مطالبته بالحصول على السوبر كمبيوتر، الذي يخشى الخبراء العسكريون الأمريكيون من أن تزويد إسرائيل به سوف يمكنها من الحصول على مستوى جديد من التكنولوجيا الحساسة، التي ستجعلها تطور برامجها النووية وصناعة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات وغيرها من البرامج النووية الأخرى.

إن تجاوب الإدارة الأمريكية للتحالف مع رابين ضد المد الإسلامي والصحوة الإسلامية بدعم الكيان الصهيوني دعمًا لا محدودًا، وتلبية مطالبه التي يدعي بها أنه يحمي المصالح الأمريكية في المنطقة سوف يجر الولايات المتحدة إلى طريق وعر؛ حيث إنها بهذا تستعدي أكثر من مليار مسلم عليها وعلى سياساتها في المنطقة بما يهدد مصالحها بالفعل، ونحن لا ندري حتى الآن ما أهداف الإدارة الأمريكية من وراء الأمر خاصة بعد استقبال الرئيس كلينتون في الأسبوع الماضي للكاتب المارق المرتد سلمان رشدي في البيت الأبيض، ولا ندري ما دوافع كلينتون التي أهان بها أكثر من مليار مسلم باستقباله الحافل للمارق رشدي؟.

أما الحرب التي أعلنها رابين على الإسلاميين فإنها كما صرح مستشاره إيمانويل سيفان لن تقضي على الحركات الإسلامية، ولكنها سوف تزيد جذوتها اشتعالاً ولن يرهب الإسلاميين ما يحشده رابين ولا ما يحصل عليه من أموال من الغربيين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: ٣٦)، وإن لنا معك كمسلمين موعدًا لن تخلفه يا رابين، فارتقب إنا مرتقبون.

 

الرابط المختصر :