; وأذّن في الناس بالحج.. رحلة حاج | مجلة المجتمع

العنوان وأذّن في الناس بالحج.. رحلة حاج

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006

مشاهدات 55

نشر في العدد 1733

نشر في الصفحة 46

السبت 30-ديسمبر-2006

  • ليس المطلوب في الحج الإكثار من العمل الصالح فقط.. بل الحرص على تحصيل الزاد الأبقى والأجدى.. زاد التقوى
  • الكون كله يدور عكس عقارب الساعة.. وهو نفس اتجاه الطواف حول الكعبة حيث يخضع الحجاج لهذا الناموس الكوني والقانوني الإلهي

في مقال سابق.. كنا مع صاحبنا منذ خرج من داره قاصدًا حج بيت الله الحرام وتوجهه إلى المطار ووصوله إلى جدة ثم وصول الحافلة التي أقلتهم إلى البيت الذي سيقيمون فيه في مكة المكرمة خلال فترة الحج، ثم وهو يتشوف ويستعد للتوجه إلى البيت الحرام للطواف والصلاة والسعي، وها نحن نتابع مسيرته، بدأت الحافلة في المسير متجهة إلى البيت الحرام، فكاد قلبه أن يسبقه فيطير فرحًا إلى أول بيت وضع للناس، وردد لسانه -بدون إرادة منه- قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (سورة الحج: 26).

وتوقف عند كلمة «بيتي» تذكر كيف كان يدعو الله بعد أن يتطهر للصلاة ويناديه «الله أكبر» فيقابل الله في المكان الذي يدعوه فيه، أما الآن فهو يلتقي به في بيته هو الذي دعاه إلى زيارته، ارتجف بدنه لمجرد شعوره أن الله دعاه واصطفاه يلتقي به في أحب بقعة إلى الله في الأرض، انشرح صدره وهو يرى أضواء الحرم الشريف تتلألأ، دخل البيت الحرام بيمينه قائلًا: «اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، وحاول جاهدًا ألا يزاحم الآخرين أثناء دخوله البيت العتيق، واكتحلت عيناه برؤية الكعبة، وبادر بالطواف بالبيت قاصدًا الحجر الأسود مشيرًا إليه مناديًا الإله العظيم بنداء الصلاة «الله أكبر»، وبدأ في الطواف وهو يتذكر ما روي عن الرسول الكريم ﷺ ووصفه للبيت المعمور بأنه:

«بيت في السماء السابعة على حيال الكعبة تمامًا حتى لو خر لخر فوقها»، وكم كان تشريف الله عندما أذن له بالطواف حول الكعبة، كما أذن للملائكة بالطواف من حول العرش.

﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الزمر: 75)، تصور تسبيح الملائكة، فبدأ في التسبيح وغشيته السكينة فاستمر بالتسبيح اقتداءً بالملائكة.

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (سورة غافر: 7)، فجعل عمله خالصًا لله تعالى حنيفًا غير مشرك ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (سورة غافر: 7)، فاستغفر لنفسه وللمؤمنين.

وتوالت الآيات:

﴿رَبَنَا وَسِعِتَ كُلْ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ للَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سبيلك وقهم عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (سورة غافر: 7)، فأخذ يثني على ربه ويتوب إليه ويستغفر لنفسه وللمؤمنين. 

﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة غافر: 8)، فأخذ يسأل الله الجنة لنفسه ولكل المسلمين، ووجد دموعه تنحدر على وجنتيه شوقًا إلى الجنة، واستمر في الدعاء كدعاء الملائكة.

﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة غافر: 9).

أخذ يلح على الله أن يقيه وكل حجاج بيت الله وكل مسلم يدب بقدميه على الأرض.. السيئات، كان معه كتاب به أدعية لكل شوط من أشواط الطواف ولكنه لم يستخدمه، فتحركه بآيات الله واقتداؤه بالملائكة في أدعيتها، وهي تطوف قد جعلت الأدعية في قلبه وقد انطلقت على لسانه، فكان له من الحلاوة والطلاوة ما كان، فشعر بقربه الشديد من المولى عز وجل، وذكره طوافه عکس عقارب الساعة، بقول للعلامة زغلول النجار كان قد سمعه منه وأعجبه، وقد من الله عليه بأن يكون من الخاضعين لهذا الناموس العجيب وكان مما قال:

«الكون كله من أدق دقائقه إلى أكبر وحداته يدور معاكسًا لاتجاه عقارب الساعة، وهو نفس اتجاه الطواف حول الكعبة، ولذلك فإننا نعتبر أن الطواف حول الكعبة هو سنة فطرية فطر الله الكون عليها، وأراد الله من عباده المؤمنين أن يخضعوا لهذا الناموس الكوني فيتفقوا مع أجزاء الكون في هذه الحركة التي يجب أن يقوم بها المسلم ولو مرة واحدة في حياته إن كان قادرًا على ذلك».

زمزم والمسعى

وبعد أن صلي ركعتين عند مقام إبراهيم -عليه السلام- مؤكدًا لله سبحانه أنه على عهد إبراهيم الخليل الذي سماه من قبل مسلمًا، تعطف عليه المولى وأذن له بالدعاء مع الاغتراب من نبع ماء زمزم المباركة التي فجرها سبحانه وتعالى تحت قدمي الرسول النبي إسماعيل -عليه السلام- لحظة رائعة يلتقي فيها دعاؤه مع قدرة المولى جل وعلا في «كن فيكون».

وها هو المسمى قد لاح لناظريه.. إنه ليس منه ببعيد فليسع سعي هاجر -عليها السلام- وتتوالى الأحداث سريعة متعاقبة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (سورة الملك: 2)، فبعد سبعة أشواط يتحلل الحاج من عمرته وقد أحسن فيها من أحسن، وأساء فيها من أساء، أخلاط مختلفة من البشر.. من كل أنحاء الدنيا مختلفو الألسنة والألوان ويجمعهم قلب واحد ينبض بـ «لا إله إلا الله محمد رسول الله».

خير الزاد

مكث بمكة بعد ذلك حتى يحرم بالحج يوم التروية، وكان في تلك الأثناء يحاول أن يتحرك بقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ (سورة البقرة: ۱۹۷). 

فليس المطلوب فقط العمل الصالح، ولكن التزود منه بكثرة وهي فرصة للتعرف بالحجيج والتآلف معهم، وتوثيق روابط الحب في الله بين الجميع، فقد كان مع كثرة صلاته ودعائه وتسبيحه وتلاوته لكتاب الله شديد الحرص على تقديم العون للحجاج، حريصًا على بشاشة وجهه عند لقائهم، مع صبره على زلاتهم، وكان يشعر وكأنه مسؤول عن راحة كل من حوله، مسترشدًا بقول لابن عباس أعجبه: «لو يعلم المقيمون ما للحجاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم لأنهم وفد الله من جميع الناس» «شعب الإيمان للبيهقي».

.. إلى متى

مر الوقت سريعًا فأحرموا بالحج، واتجهوا إلى منى وكانت الفتنة قاسية، حيث مكثت الحافلة تسع ساعات في طريق لا يستغرق إلا دقائق قليلة، وهو قابع في مكانه لا يبرحه، والحافلة لا تكاد تسير حتى تتوقف.

كان الحجاج في حالة شديدة من التعب والإجهاد، ولكن الجميع كان يحاول جاهدًا أن يكبح جماح غيظه وضيقه، مع الاجتهاد في التلبية واللجوء إلى الله سبحانه، وكان الجميع مرهونين بإذن الله لهم بالوصول، وتعلم أن العبرة ليست في سهولة الأمر، ولكن العبرة في إذن الله بحدوث هذا الأمر، فكل الخيوط بيده سبحانه يحركها كيف شاء وأينما شاء. 

وأخيرًا وصلوا بحمد الله إلى «منى» وكم كان سعيدًا مغتبطًا، حيث زال الخلاف على الأماكن وغيرها، بل إن كل حاج يحاول أن يوسع لأخيه، ويتكلم مع الجميع بلطف شديد وود كبير، فتمنى أن يصل المسلمون في كل أنحاء الدنيا إلى هذه الأخلاق الكريمة التي تُذهب الغل من القلوب وتنثر الابتسامة على الوجوه.

على عرفات الله

وحاول كل منهم شحن قلبه بتقوى الله حتى جاء اليوم المشهود المنتظر بكل لهفة وشوق «يوم عرفة».

فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات وقد كانت الشمس تغرب فقال «يا بلال أنصت لي الناس» فقام بلال فقال أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فصمت الناس، فقال: «يا معشر الناس أتاني جبريل آنفًا فأقرأني من ربي السلام لأهل عرفات وأهل المشعر الحرام وضمن عنهم التبعات»، قام عمر -رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاصة؟ فقال: «هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة»، فقال عمر ابن الخطاب: كثر خير الله وطاب.

إن هذا اليوم المبارك من أفضل الأيام، فحاول فيه الحاج أن يكون من المخبتين وأخذ يردد صيفاتهم مع الحجيج: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (سورة الحج: 35).

وبعد العصر -وبدون أي ترتيبات أو اتفاق خرج- الحجاج زرافات ووحدانًا من خيامهم وكان هناك من يناديهم، فاستجابوا لندائه، أمر عجيب و غريب يخرجون وقد اتجهوا إلى القبلة رافعين أيديهم، داعين المولى جل وعلا، خشع الحاج وشعر وكأن كل ذرة في كيانه قد خضعت للمولى مسبحة، ملبية، مهللة، مستغفرة، تائبة، شاركته دموعه وقد انهمرت تتلاحق قطراتها وقد انهار أمامها سد قسوة قلبه فكم كانت هذه اللحظات رائعة وقد أشرق فؤاده بنور رحمة الله ولطفه ووده، وتتابعت الرحمات في المشعر الحرام فبعد صلاتي المغرب والعشاء أخذته سنة من النوم، وكان نومًا مريحًا لذيذًا وقد تغشى نومهم رحمة الله، أجساد متجاورة فاضت أرواحها في موتتهم الصغرى عند مليك مقتدر.

يوم النحر

وفي يوم النحر كان رمي الجمرة الكبرى وقد تعلم فيها درسًا لن ينساه، ألا يأتي الجمرة الكبرى مباشرة، فقد دخل في موج متلاطم من البشر وقد فقدت قدماه القدرة على الثبات على الأرض وحملته أجساد البشر، فأصبح ريشة في مهب ريح عاتية من جميع الاتجاهات، ففقد نظارته، فلم يعد يدري أين موقعه وسط هذا الطوفان وكأنه يوم الحشر.

 تعلم أن يسير في اتجاه العقبة الصغرى ثم يواصل سيره في هذا الاتجاه إلى الكبرى ليرمي جمراته فهو أيسر وأسهل، وتعلم أن يخلع ساعته ونظارته، ولا يحمل نقودًا معه في أثناء رمي الجمار، وأن يتمهل ولا يلقي بنفسه إلى التهلكة ولكن يحسب خطواته.

وبعد رمي الجمرة الكبرى كان طواف الإفاضة والذبح والتحلل، وما تبقى من أيام له في منى كانت أيام وداع، آملًا أن يعيد الله عليه هذا الخير مرات، ومرات مكثرًا من ترديد: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (سورة البقرة: 201).

الرابط المختصر :