العنوان رحم الله العقلاء
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 18-مارس-2006
مشاهدات 74
نشر في العدد 1693
نشر في الصفحة 58
السبت 18-مارس-2006
انظر إلى ذكاء أسلافنا وفطنتهم ومكرهم بالأعداء وعمق تفكيرهم، والذي به بعد توفيق الله وتأييده. سادوا وقادوا وفتحوا العالم وصنعوا الحياة وتركوا بصمات عميقة في دنيا الناس حتى هذه الساعة.
فهذا جرجير قائد الروم يعلن في جيشه أنه من يقتل قائد قوات المسلمين عبد الله بن سعد فسيمنحه مائة ألف دينار ويزوجه ابنته، فما كان من عبد الله بن سعد إلا أن يرد بذكاء وفطنة ويعلن إعلانًا مضادًا، من أتاني برأس جرجير نفلته «أي أعطيته من الغنائم» مائة ألف دينار وزوجته ابنة جرجير واستعملته على بلاده، فصار جرجير أشد خوفًا من عبد الله بن سعد.
وهذا نعيم بن مسعود رضي الله عنه الذي استخدم عقله وذكاءه وفطنته وحيلته في القضاء على الأحزاب الذين اجتمعوا لقتال المسلمين في غزوة الخندق وتشتيتهم وتفتيت وحدتهم.
قال ابن إسحاق رحمه الله: أقام رسول الله ﷺ وأصحابه «في غزوة الأحزاب» فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
قال: ثم إن نعيم بن مسعود رضي الله عنه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله ﷺ، إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة...
فخرج نعيم بن مسعود رضي الله عنه حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم.
فقال لهم إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدًا حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم خرج نعيم بن مسعود رضي الله عنه حتى أتى قريشًا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدًا وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقًّا أن أبلغكموه نصحًا لكم فاكتموا عني، فقالوا نفعل.
قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم أن نعم فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلًا واحدًا.
ثم خرج نعيم بن مسعود رضي الله عنه حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، فما أمرك؟ فقال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم، فأنزل الله بالمشركين.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس وكان من صنع الله لرسوله أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدًا ونفرغ مما بيننا وبينه.
فأرسلوا إليهم إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نفعل فيه شيئًا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثًا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدًا حتى تعطونا رهنًا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدًا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك منه.
فلما رجع إليهم الرسول بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنا والله لا نقاتل محمدًا حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم.
رحم الله العقلاء والحكماء ومهندسي الحياة من قبلنا حينما حذروا أشد التحذير من مصاحبة الحمقى ومن لا عقل لهم، وأبانوا خطورتهم وفساد قولهم وفعلهم، وأظهروا أن أحدهم يريد أن يصلح فيفسد، ويبني فيهدم، ويقدم فيؤخر، ويعز فيذل ويرفع فيخفض، وينفع فيضر، فما أسوأ أثرهم، وما أقبح صنيعهم..