; ردود: ملاحظات على القبالاه.. وسحر اليهود | مجلة المجتمع

العنوان ردود: ملاحظات على القبالاه.. وسحر اليهود

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1998

مشاهدات 65

نشر في العدد 1287

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 10-فبراير-1998

لازالت مجلة المجتمع تتحف قراءها بالتحقيقات الرائعة القوية، وكان آخر ما قرأت تحقيقكم عن القبالاه «وتدعى أحيانًا القبالا أو الكبالا»: جذور التطرف اليهودي وهي دراسة للدكتور عبد الوهاب المسيري الكاتب والباحث المعروف في مجال الإسرائيليات وعقائد اليهود وتاريخهم «العدد ۱۲۸۱ في ٢٣ شعبان ١٤١٨هـ - ٢٣ ديسمبر ۱۹۹۷م»، واسمحوا لي بإبداء بعض الملاحظات التي لا تغير من أهمية الموضوع المنشور ولا تقلل أبدأ من قيمته العالية:

١- الادعاء بأن الأسينيين هم جماعة حلولية وأنهم أساس الفكر القبالي: هذا الادعاء غير صحيح بل هو خطأ، وقد ظهرت فرقة الآسيون أو الآسينيون في القرن الثالث قبل الميلاد، وكلمة أسي بالآرامية هي الكلمة ذاتها بالعربية أي المداوي أو الطبيب، وقد لقبوا بهذا الاسم لأنهم كانوا يتقربون إلى الله بمعالجة المرضى بواسطة الأعشاب والأدعية والرقي وقد أطلق فيلون الإسكندري المؤرخ المشهور على هذه الفرقة اسم  Therapy theo أي «أطباء الله أو خدم الله» لهذا المعنى نفسه، وكذلك ذكرها المؤرخ الروماني بلينوس في كتابه التاريخ الطبيعي.

وقد انتهج الآسيون حياة الزهد والتقشف والطهارة البدنية والروحية ... وكانوا يكثرون من الاغتسال والتنظف بالماء ويلبسون الثياب ويعيشون في جماعات منعزلة، ويكثرون من الصوم والصلاة .... ويصلون الفجر جماعة صفوفًا صفوفًا ... ويستخدمون اللغة الآرامية والعبرية .... وكان رئيس هذه الجماعة يسمى العدل أو الهادي، وقد اعتزلوا قومهم اليهود وأنكروا عليهم عقائدهم وسلوكهم، وخاصة التلموديين... وامتنعوا عن أكل اللحوم والذبائح ... ولهم نظام صارم... ولا يقبلون أحدًا في جماعتهم إلا بعد أن يمر بهذا الامتحان الصارم... وكانوا يمتنعون عن الزواج ويتبنون الأطفال اللقطاء والأيتام ويربونهم بتربيتهم الروحانية العالية، ويعيشون حياة جماعية زاهدة في الدنيا بعيدة كل البعد عن التكالب عليها ... لهذا كانت الملكية بينهم مشاعة للجماعة، دون حقد ولا غل ولا ضغينة.

وكانوا في انتظار ظهور المسيح عليه السلام الذي بشرت به التوراة وأسفارها كما كانوا ينتظرون ظهور النبي الذي سيظهر من فاران أي مكة المكرمة، هذا ما ذكرته الدراسة القيمة المدخل إلى الكتاب المقدس والعهد القديم ترجمة الرهبانية اليسوعية «دار المشرق بيروت».

وكانوا يؤمنون بأسفار موسى الخمسة والأسفار الأخرى، ويحتفظون بهذه الأسفار بشكل جيد على شكل مخطوطات جلدية ونحاسية وورق البردي ومغطاة بأوان خزفية محكمة، وقد وجدت هذه المخطوطات في مغارة قمران بالقرب من أريحا منذ عام ١٩٤٧م وبعضها في حالة جيدة وقد اشتهرت هذه المخطوطات شهرة عالمية لأنها أقدم مخطوط موجود للتوراة وأسفار العهد القديم إلى اليوم... مكتوبة باللغة العبرية وباللغة الآرامية ... وللأسف استولت "إسرائيل" على جزء كبير من هذه المخطوطات القيمة بعد احتلال القدس كما ذهبت أجزاء مهمة أخرى إلى الولايات المتحدة وإلى دول أوروبا مثل بريطانيا وفرنسا، وبقيت مع ذلك مجموعة من المخطوطات في عمان بالأردن «متحف عمان»... وهذه الأسفار تختلف في بعض تفاصيلها عما هو موجود في أسفار العهد القديم الموجودة اليوم.

وقد أبيدت مجموعة الآسينيين بشكل غامض جدًا قبل ظهور المسيح عليه السلام ومما يدلل على ذلك أن مخطوطات مغارة قمران التي اكتشفت فيما بين عامي ١٩٤٧م و ١٩٥٦م تدل على أنها نسخت في فترة معينة وقصيرة على ملفات أو طوامير جديدة من الجلد، وعولجت لهذا الغرض، ثم لفت بالكتان المدهون بالقار لمنع الرطوبة والحشرات، ثم وضعت هذه اللفائف بعناية فائقة في قدور أسطوانية من الفخار صنعت خصيصًا لهذا الغرض.

وقد أحست هذه الجماعة بخطر كبير على حياتها، فقامت بنسخ كتبها وتراثها في فترة واحدة ووضعتها في مكان بعيد عن الأعين في مغارات قمران.... ثم فرت من مكانها لعلها تستطيع العودة مرة أخرى بعد زوال الخطر... ولكنها لم تعد أبداً بل قضي عليها إلى الأبد.

والخلاصة أن هذه الفرقة الصالحة من اليهود قد أبيدت بصورة غامضة، وكانت ضد الأحبار وخاصة التلموديين وكلا منهم يكفر الآخر ولا علاقة لهذه الفرقة بتعاليم القبالا لا من قريب ولا من بعيد.

٢- القبالاة: مرتبطة بأسرار الأعداء والسحر والطلسمات، وهذه قد تعلمها اليهود منذ فترة مبكرة في حياتهم، بل واتهموا سليمان عليه السلام بالسحر، وقد فضحهم القرآن الكريم قال تعالى: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ﴾ (البقرة:١٠٢).

وسليمان عليه السلام عاش في القرن العاشر قبل الميلاد... وقد تعلم اليهود السحر والقبالاه من الشياطين شياطين الإنس والجن، كما تعلموا ذلك عند النفي في بابل في القرن الخامس قبل الميلاد، وبرعوا فيه حتى صاروا أكثر الناس اهتمامًا به على مدى القرون والأزمنة، وقد حاولوا سحر النبي محمد -r- فعل ذلك لبيد بن الأعصم اليهودي في جف طلعة «نخل» ورماها في بئر فسحر النبي -r- حتى كان يرى أنه يأتي أهله ولم يكن يأتيهم، وعصمه الله من أثر السحر في قوله وفعله ما عدا ناحية الاتصال بأهله، ثم جاء جبريل وأنبأه بذلك واستخرج السحر من البئر فكان ماؤها مثل نقاعة الحناء من الحمرة، والحديث في (البخاري في الصحيح وغيره).

ودور اليهود في السحر قديم جدًا قبل ظهور حركة القبالاه في فرنسا وأوروبا الشرقية في القرن الرابع عشر بعد الميلاد وقبل ظهور حركة الحسيديم في القرن الثامن عشر بعد الميلاد بل بينهما ٢٨٠٠ عام لأن السحر قد ظهر أيام سليمان عليه السلام، كما جاء النص في القرآن الكريم.

٣- اعتقاد اليهود بأنهم جزء من ذات الله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، لا يقتصر على مجموعات القبالاه والحسيديم، بل هو قديم قدم التوراة المحرفة ذاتها ... ويشتمل كل فرق اليهود، وقد نص التلمود على ذلك .

الرابط المختصر :