العنوان ردًّا على ملحدي بريطانيا: زلزال تسونامي يذكرنا بالآخرة وزلزلة الساعة
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2005
مشاهدات 57
نشر في العدد 1637
نشر في الصفحة 38
السبت 05-فبراير-2005
أثار زلزال آسيا بعض التساؤلات من الملحدين بالصحف ووسائل الإعلام البريطانية. ففتحوا الحوارات في محطات الإذاعة وطرحوا أسئلة مثل: أين كان الله ساعة الزلزال؟ -تعالى الله عما يقولون- وفي جريدة الجارديان تساءلوا: كيف يمكن للمتدينين توضيح ما حدث؟ (۱)
لعل هزة الإيمان في القلوب عند بعض الناس كانت أقوى من هزة تسونامي! أما أصحاب اليقين فإيمانهم بالله راسخ رسوخ الجبال الرواسي ويرون في كل فعل وفي كل شيء حكمة، فالله الذي يؤمنون به تعالت حكمته واتسعت رحمته, كان الله القيوم وما زال وسيكون قائمًا على ربوبيته للخلائق لا تأخذه سنة ولا نوم، يمسك السموات والأرض أن تزولا.
كان هناك بجزائه العدل، ورحمته الواسعة وحكمته البالغة, تعال بنا أيها القارئ الكريم نستعرض بعض الآفاق التي تعيننا على مجاوزة الكارثة.. وهي آفاق علمية وإيمانية واجتماعية وسياسية...
فالمؤمنون يتعاملون مع الأحداث بالعظة والاعتبار, قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾ (الإسراء:59)
الآفاق العلمية
من ينظر ببساطة إلى دورة أحوال الماء على الأرض يجد أنه يجري من اليابسة إلى المحيطات وهو يأخذ معه كميات لا بأس بها من مادة الأرض إلى المحيط، ولو استمر ذلك منذ خلق الأرض إلى بلايين السنين، لغطت المياه الأرض جميعًا، والسؤال: لماذا لم يتم ذلك؟
لسببين يبنيان كتل اليابسة أولهما حركة صفائح القشرة الأرضية active- tectonicity التي تسبب الزلازل، والثاني هو ظاهرة البراكين. مثال ذلك أن جبال الهيمالايا كانت نتيجة تصادم الشريحة الهندية مع الشريحة الآسيوية.
وكانت جزر هاواي نتيجة بركان, وهذا ما حدث خلال تاريخ الأرض التي كانت منصهرة ثم تعرضت للقذف الكوني ثم بدأت في البرودة فغطت بالماء ولولا الزلازل لما كانت اليابسة.
ورحمة الله تجلت في خلق الإنسان وإنزاله للأرض بعد هذه الأحقاب التي كانت فيها الزلازل أنشط بأربعة أضعاف نتيجة على نسبة هبوط الإشعاع (مثل تحول اليورانيوم إلى رصاص) الذي أوجد حرارة أرضية عالية, ذلك بالإضافة إلى تقلص باطن الأرض بالجاذبية (۲) وكل الظواهر الكونية لها فوائد مباشرة وغير مباشرة، فهي وسيلة من وسائل إعادة تشكيل سطح الأرض، وهي ضرورة لجعل هذا الكوكب صالحًا للحياة، والزلازل عادة ما يصاحبها حدوث البراكين التي رغم خطورتها إلا إنها تجدد إثراء الغلاف الصخري للأرض بالثروات المعدنية، وينبثق من فوهاتها كميات هائلة من بخار الماء والغازات التي تجدد مياه الأرض وتجدد تركيب غلافها الغازي (۳)
الآفاق الإيمانية
تظهر قدرة الله في خلق الليل والنهار والدواء والداء والحياة والموت والحسن والقبيح والخير والشر. وذلك من أكبر الأدلة على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات وقابلها بعضها ببعض، فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير ملكه.
ومن حكم ما حدث في تسونامي ظهور آثار أسمائه القهرية, مثل: القهار والخافض والمنتقم والضار, وبعض صفاته القهرية, مثل: أنه الشديد العقاب والسريع العقاب وذو البطش الشديد والمذل للعصاة، ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وحفظه لمن شاء من عبيده المؤمنين.
فلو قدر عدم وجود الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة ولفاتت مصالح عديدة, ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطل الخير الذي فيها مثل الشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر.
فالله سبحانه لم يخلق شرًّا محضًا من جميع الوجوه، فإن حكمته تأبي ذلك. (٤)
وفي المحن و والمصائب يعرف الناس عز الربوبية وقهرها، وذل العبودية وكسرها، وأن الخلق كلهم ملكه وعبيده لا مفر لهم منه، ولا محيد لهم عنه, والمؤمنون على يقين أن أفعال الله تتضمن الحكمة وإن غابت عن عقولنا المحدودة، والمؤمن يعتقد أن الله خالق هذا الكون, كل ما يتحرك في السماء وما تمور به الأرض كل نسمة بشر وحركة شجر بإذن الله تبارك وتعالى، ولا يجري في الكون أمر إلا بتدبيره وتقديره،
قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام:59).
وبهذا تعلم أن الذي يسير الطبيعة ويسير الكون هو الله تبارك وتعالى، وللمسلم من قبل ومن بعد الرضا الموجب لرضوان الله، فإن المصائب تنزل بالبر والفاجر، فمن سخط فله السخط، ومن رضي فله الرضا (٥) وفي ذلك يقول علي كرم الله وجهه: ما وقع عذاب إلا بذنب، وما ارتفع إلا بتوبة، فعلى المؤمن أن يعتبر من حدوث هذه الظواهر الكونية، وأن يضعها في الإطار الصحيح عقابًا للعاصين، وابتلاء للصالحين، وعبرة للناجين.
الآفاق الاجتماعية
في أوقات الأزمات وتقلبات الأيام تتأكد حاجة الإنسان لأخيه أعظم من أي وقت آخر, وكلنا شاهدنا كيف يتحرك الناس لنجدة الآخرين تحركًا لم يسبق له مثيل, لا يرى نظيره في أوقات الفرح والرخاء.
كما أن فيه تذكرة أن الحياة الحقيقية ليست على هذه الأرض وأن هذه الدنيا التي عليها يتقاتلون وخلف حطامها يلهثون لا تساوي شيئًا.
الاشتراك في المصائب يجمع الأشتات ويذيب العداوات كما حدث في حالة سريلانكا واشتراك الانفصاليين التاميل في توصيل المعونات لأعداء الأمس.
تؤدي الكوارث إلى ترتيب الأولويات في حياة الإنسان لما يرى من آثار الكارثة، فاجتماع الأسرة مثلًا تفرق الآلاف بالموت أولى من جمع المال، وتربية الأولاد أولى من الغربة، وفعل الطاعات أولى من تضييع الأوقات والمبادرة بالتوبة أولى من التسويف.
استخراج القوة العاطفية المكنونة لدى الإنسان التي ما كانت تخرج إلا في مثل هذه الأوقات كما حدث في بعض يتامى المأساة في الهند الذين ستتكفل بهم بعض الأمهات اللاتي فقدن أبناءهن.
بيان أهمية الإصلاح الاجتماعي، فمن سنن الله الماضية أن الناس إذا كثر فيهم الخبث وسكت عنه الصالحون أصابهم الله ببعض ذنوبهم وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله «أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث».
إن عقاب الله تعالى إذا أتى يعم فينال المسيء والمحسن قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (الأنفال:25)
قال ابن قتيبة: يريد أنها تعم فتصيب الظالم وغيره. هذا الزلزال رسالة لمن اغتر بقوته وعلمه وخيل إليه أنه بلغ الآفاق وقدر على كل شيء, ولمن ادعى أنه أصبح القوة العسكرية أو الاقتصادية العظمى الوحيدة، رسالة أنه ضعيف أمام قدرة الله عاجز هو وعلمه عن دفع أمر كتبه الله عليه, وقال تعالى: ﴿مَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾(العنكبوت:22)
الآفاق السياسية
هل يتعظ الإنسان فيمنع الكوارث التي تصنعها يداه بالحروب وحصار الأطفال ومنع
الأدوية عن الفقراء؟!
الترتيب | السبب | عدد الموتى بالمليون |
1 | أمراض الشرايين التاجية | 6.9 |
2 | أمراض الجلطة المخية | 5.1 |
3 | التهاب الرئتين | 3.9 |
4 | الإيدز | 3 |
5 | أمراض ضيق الشعب المزمن | 2.5 |
6 | الأمراض المرتبطة بالولادة | 2.4 |
7 | الإسهال | 2.1 |
8 | السل | 1.7 |
9 | حوادث الطرق | 1.3 |
10 | سرطان القصبة الهوائية والرئة | 1.2 |
11 | الملاريا | 1.1 |
12 | أمراض ضغط الدم المرتفع | 0.94 |
13 | الانتحار | 0.82 |
14 | مرض السكر | 0.81 |
15 | تليف الكبد | 0.80 |
16 | الحصبة | 0.77 |
يقدر المؤرخون عدد الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية من العسكريين والمدنيين ٥٦مليونًا من البشر.
وكلفت ٥٠١ ترليون (مليون مليون) دولار أمريكي (6) وينفق العالم على التسليح في عام واحد 950 بليون دولار أمريكي (7).
هذه الأموال تكفي لإطعام جوعي العالم وعلاج مرضاه، وتسهيل الحياة أو حتى إقامة وتطوير تكنولوجيا محطات الإنذار بأمواج تسونامي المميتة في المحيط الهندي بدلًا من تطوير الصواريخ الذرية. كما يوجد في العالم ستة ملايين شخص في البلدان النامية معرضون للموت في المستقبل القريب ما لم يتلقوا العلاج المتوافر ضد الإيدز. هذا العلاج تعتبره الدول المصنعة له حكرًا لها, وتمنع تصنيعه بسعر أرخص.
أرجو منك أيها القارئ أن تنظر إلى هذا الجدول الذي يوضح الأسباب الرئيسة للموت في العالم سنة ۲۰۰۱ م كما نشرتها منظمة الصحة العالمية (۲۰۰۳م) (۸) وتحديد من السبب في هذه الأمراض وهل يمكن تحسين ظروف...العالم؟
وبعد... إن هذا الزلزال مهول، وآثاره مدمرة، وواقعة مفجعة، وهو في الوقت نفسه موقظ لنا من رقدتنا لنتذكر الآخرة، وزلزلة الساعة وما بعدها، إنه إنذار شامل لنعلم أننا عرضة في كل لحظة للرحيل عن دار الدنيا، قال تعالي: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:34)
إن الدين وحده -خلال الإيمان بإله حكيم- هو الذي يقدم الإجابة الواضحة على سؤال: لماذا؟ وأين؟
وهو وحده -خلال الإيمان بالآخرة- الذي يبشر الذين فقدوا أحباءهم وصغارهم بلقاء جديد في نعيم مقيم.
المصادر:
1- How can religious people explain something like this? Martin Kettle, the guardian, 28/12/2004.
3- www.islam-online.net د. زغلول النجار
4- شرح العقيدة الطحاوية (الشيخ حافظ حكمي).
5- عبد الباري الثبيتي- الاعتبار بزلزال شرق آسيا. خطبة المسجد النبوي 19/11/1435هـ.
6- www.guinnessworldrecords.com
7- World Wide Military Expenditures 2004 www. globalsecurity.org
8- Causes of Death (Global) 2003 www.who.net
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل