العنوان رسائل المَحبة من القلوب المُحبة (1)- إلى نفسي
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 18-يوليو-2009
مشاهدات 70
نشر في العدد 1861
نشر في الصفحة 52
السبت 18-يوليو-2009
تعودنا أن ندعو الآخرين وننصحهم وغفل كثير منا عن النظر
إلى نفسه ومعرفة ما فيها من محاسن ليزيدها أو عيوب ومساوئ ليقلع ويتوب عنها
يا نفس ما لي أراك للمعاصي تزينين وعن الموت تغفلين ومن
النار لا تهربين وللجيران تهجرين وللأرحام تقطعين وللأوقات تضيعين وللأبناء تهملين؟
أحبك يا نفسي وأخشى عليك من نفسي فاحذري الأمراض الخطيرة
القاتلة من شرك ورياء وغرور وكبرياء وابتعدي عن حسد وبغضاء وغضب وشحناء
أشرف الأنفس وأسماها.. المؤمنة المخلصة الساكنة
الثابتة.. الدائرة مع الحق.. الراضية بقضاء الله وقدره.. المطمئنة بذكره الموقنة
بثوابه
هذه رسائل محبة نبض بها قلبي مشاعر حب، وترجمها لساني كلمات ود، وأملاها
على قلمي البسيط فسطرها بمداد الأخوة وزرعها على أرض الورق حروفًا لتثمر علمًا
وعملاً.. هي رسائل أود أن تصل إلى أعماق النفوس عبر أثير الحب في الله، وأن تدخل
كل بيت عبر أشعة النور في أرجاء كونه الشاسع، علها تجد طريقًا إلى قلب القلوب.
قد يبدو غريبًا منذ أول وهلة أن تجد من يوجه رسالة إلى نفسه، صحيح أنه ربما
وجهها لها في السر، أما أن يسطرها حروفًا وكلمات فهذا ربما كان هو العجيب في الأمر
في هذا الزمان، وقد يتعجب القارئ حينما يقرأ العنوان فقد تعودنا أن ندعو الآخرين وننصحهم،
وغفل بعضنا بل كثير منا عن النظر لنفسه ومعرفة ما فيها من محاسن ليزيدها حسنا، أو
عيوب ومساوئ ليقلع عنها ويتوب منها حتى تمكنت منا بعض الأمراض ونحن لا ندري دعاة
ومدعوون لذا فقد أخذت هذه الرسالة من قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44) وأحببت ألا أنسى نفسي، وألا ينسى قارئ هذه الرسائل أيضا
نفسه.
وحين تحدثت إلى نفسي وغُرْتُ في أعماقها وغُصْتُ في لججها لأراها عن قرب بمنظار
قوي من عدل المراقبة وبمكبرات دقيقة من صدق المحاسبة: إذا بي أفاجأ بأن فيها كثيرًا
من فيروسات الذنوب والمعاصي المهلكة، بعضها خامد وكامن لم يقو بعد على الظهور،
بفعل عوامل المناعة والحصانة التي يثمرها الإيمان بالله وتقويها الطاعات، وبعضها
قد استفحل أمرها حتى تمكنت من احتلال أجزاء مهمة وحيوية من أرضها.
وتعجبت مما يظهر على ساحة النفس من أعراض مرضية تغزوها، توشك أن تتطور إلى
ما لا تحمد عقباه، فضلا عما أصابها من أمراض شبه مزمنة قد اعتادت نفوسنا التعايش
معها، وتأقلمت على وجودها خاصة مع تغير الأعراف والأزمان وتبدل المفاهيم والأفهام،
فتحسرتُ أسفًا على نفسي وتأثرت رحمة وشفقة بها وقررت أن أغيرها وأبذل لها من طرق
العلاج ما يناسبها لتقلع عن غيها قبل أن تقلع رحلة طيرانها من محطة الدنيا إلى غير
رجعة.
لذا فقد ركزت على بعض سلبيات النفس الأمارة بالسوء، وذكرت بقسوة وشدة بعض
مساوئها لتصلح وتصلح، وانطلقت من مقتضى قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2)؛ إذ حاولت أن أذكر نفسي
لأفعل ما أقول، وأردتُ أن أبدأ بها وأن يبدأ كل قارئ كذلك بخاصة نفسه عله يصبح
قدوة أو إمامًا يُقتدى به في فعل الخير أو دالا عليه إذا ما تمسك به عساه أن يصلح
من شأنه ويرفع من ذاته قبل أن يتجه لغيره وهذا هو العقل بعينه وإنه - وربي - أبلغ
من القول وأقوى، وقديما قال الشاعر:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
ألا يا نفس.. أسلمي لربك تسلمي
فيا نفس.. يا من كرمك الله تعالى ومنّ عليك بنعمة الحياة والإيجاد
والهداية، وخلق من أجلك الأرض وسخّرها بما فيها لك وبعث إليك الرسل مبشرين
ومنذرين، وخصّك بنزول الكتب هداية ومنهاجًا لحياتك، أما تحدثت حديث النجوى منك
وإليك وتفكرت في سر وخلوة فيم خُلقت؟! ولِمَ كنت سرًا عظيمًا من أسرار الحياة فلا
يطلع عليه ولا يعلم نجواه إلا خالقه ومولاه؟ لقد خلقك الله تعالى لهدف عظيم وأمر
جلل أشفقت منه الجبال والأرض والسموات، وقمت أنت بحمل أمانته والقيام بواجبه إلى
أن يتوفاك الله.
ألا يا نفس.. فاسلمي تسلمي، وأمني تأمني، وأخلصي تتخلصي، وتوكلي على الله
يكفيك، وتقربي إليه بالطاعات يدنيك، وأحبي للناس ما تحبينه من خير يقربوك، وازهدي
فيما عندهم يحبوك.. ألا تعلمين يا نفس أن عدوك الرجيم بعد أن شَطَنَ وبَعد عن طريق
الهداية قد انتصب واقفًا لك بالمرصاد، وأنه قد أقسم بعزة رب الأرض والسموات: قال ﴿قَالَ
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (ص: 82) وأصر على الإغواء وأعلنها
حربًا دائمة لا راحة فيها حين قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ
أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: 17) فهو مُصر على أن يقعد لك كل مرصد فيوصد في
وجهك الأبواب.. أبواب الإنابة والتوبة، ليصدك عن العمل الصالح والأوبة، فيجعلك لفعل
الخير تسوفين وللطاعات تؤخرين، ولطول الأمل تؤملين وعلى المال تحرصين، ومن الدنيا
لا تشبعين، وفي بحر حبها ولهوها تغرقين؟!
ألا يا نفس ما لي أراك للأوقات تضيعين وللمعاصي تزينين، وعن الذنوب لا تتورعين
وعن الموت تغفلين وعن الجنة تبعدين ومن النار لا تهربين؟! ما لي أراك للجيران
تهجرين، وللأرحام تقطعين، وللإخوان تحسدين، وللوالدين تعقين، وللزوج تظلمين
وللأبناء تهملين؟! وما لك يا نفس للحرمات تنتهكين، وفي الأرض لا تصلحين؟!
ألا يا نفس ويحك ساعديني *** بسعي منك في ظلم الليالي
لعلك في القيامة أن تفوزي *** بطيب العيش في تلك العلالي
النفس في قفص الاتهام
أنت متهمة بلا شك يا نفس، فما تقولين وأنت الآن ماثلة أمامي في قفص الاتهام
بعد أن نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجري وراء هواك، وحذرنا من طاعتك
في كل ما تأمرين، أو منحك كل ما تشتهين؟! ففي الخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه
قال: «ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكرمتموه
وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شر غاية، وإن أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى
بكم إلى خير غاية»، قالوا: يا رسول الله هذا شر صاحب في الأرض، قال: «فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين
جنوبكم» فمن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم
يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهاتها في سائر أوقاته كان مغرورًا،
ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها.
أما إنك لو أجبت يا نفس لقلت ما يقول كل مقصر ومذنب: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ
نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ
إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف: 53) لكن القول وحده يا نفس لا يكفي، إذ لا
بد من اقترانه بالفعل وتقويته بالعمل، أما سمعت قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن
زَكَّاهَا وَقَدۡ خَابَ
مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 9) فاطلبي منه الهداية واستعيني بقوته على ضعفك وبقدرته
على عجزك، وبمعيته على كسلك، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو وهو ساجد
ويقول: «رب أعط نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها» (رواه
أحمد).
يا نفس كوني مطمئنة...
إن حرب الإنسان مع نفسه قائمة دائمة لا تضع أوزارها ما دام فيه عرق ينبض
بالحياة، إذ يترصد لها أعداؤها زرافات ووحدانا من دنيا فاتنة خلابة تأخذ بالألباب،
وهوى يهوي بها في الشهوات المحرمة والشبهات المضللة وشيطان من إنس أو جان يوسوس
لها ويهمس في أذنها ويزين أمامها الكفر والمعاصي والمنكرات، ويرسل لها بريده
باستمرار ليكون على صلة دائمة بها، وهذه النفس البشرية المجاهدة في جهاد دائم وشاق
ومرير مع أولئك الأعداء العنيدين الذين لا يغمض لهم جفن، حتى يظفروا بها لتكون
أسيرة لهم تنقاد لأوامرهم، فإذا ما بثوا جنود الغواية في زواياها صارت النفوس
أنواعًا مختلفة.
فهذا نوع منها قد انهزم تمامًا وأحكم الأعداء قبضتهم على رقبته، وضيقوا
الخناق عليه فلا يعرف صاحبها لِم خلق وفيم يعمل وإلى أين يصير؟!! همه دنيا الغرور
والفناء، قد نسي مقره ومستقره، فلسان حاله يقول: لا بعث ولا نشور ولا حساب ولا
جزاء.. ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (البيئة: 6)، وكما قال بعض الحكماء:
«من استولت عليه النفس صار أسيرًا في حب شهواتها، محصورًا في سجن هواها، مقهورًا
مغلولاً زمامه في يدها، تجره حيث شاءت فتمنع قلبه من الفوائد».
وقسم آخر في جهاد دائم معها، فهو يلومها وتلومه حتى صارت نفسًا لوامة
ديدنها اللوم والعتاب تلوم وتندم على ما فات، وتلوم على الشر لِمَ فعلته، وعلى
الخير لِمَ لا تستكثر منه، وهذه هي نفس المؤمن حيث لا تراه إلا مجاهدًا محاسبًا
يقول لها: ما أردت بكذا؟ ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ فلا
تراه إلا وهو يعاتب نفسه، لا يهدأ حتى تيأس هي منه وتنهزم أمامه فتنقاد له.
هذا وهو في الدنيا، أما في الآخرة فليس من نفس محسنة أو مسيئة إلا وهي تلوم
نفسها؛ فالمحسن يلوم نفسه أن لو كان ازداد إحسانًا، والمسيء يلوم نفسه ألا يكون
ارعوى عن إساءته.
وقسم ثالث من النفوس هو أشرفها وأعلاها، وأسماها وأغلاها، وأنفسها وأتقاها،
قد رضي الله تعالى عنها فقال لها: ﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ * ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ
مَّرۡضِيَّةٗ * فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي * وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر: 27: 30) وهذه
النفس هي المؤمنة المخلصة الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق الموقنة التي أيقنت أن
الله ربها فأخبتت لذلك، وهي الراضية بقضائه التي علمت أن ما أخطأها لم يكن
ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وهي المطمئنة بالإيمان به، المصدقة بالبعث
المطمئنة بثواب الله، قد عملت على يقين بما وعدها في کتابه، وسكنت إليه سبحانه
واطمأنت بذكره وأنابت واشتاقت إلى لقائه وأنست بقربه، اطمأن صاحبها من الشك إلى
اليقين ومن الجهل إلى العلم ومن الغفلة إلى الذكر ومن الخيانة إلى التوبة، ومن
الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن العجز إلى الكيس ومن صولة العُجب
إلى ذلة الإخبات، ومن التيه إلى التواضع، فأنعم بها من نفس!
حاجة النفس إلى الجهاد المستمر..
قال الحسن: «ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك»، وقال
سفيان الثوري: «ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نفسي مرة لي ومرة عليّ»، وقال يحيى بن
معاذ الرازي: «جاهد نفسك بأسياف الرياضة، والرياضة على أربعة أوجه القوت من
الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، فيتولد من
قلة الطعام موت الشهوات، ومن قلة المنام صفو الإرادات، ومن قلة الكلام السلامة من
الآفات، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات».
وقال سهل: ترك الهوى مفتاح الجنة لقوله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ
مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ (النازعات: 40).
إليك يا نفسي..
أحبك يا نفسي، وأخشى عليك من نفسي فاحذري أن تصابي بالأمراض الخطيرة
القاتلة المميتة من كفر وشرك ورياء، وعُجب وغرور وكبرياء، ابتعدي عن غل وحسد
وبغضاء، وغضب وحقد وشحناء، وامتنعي فورًا عن تناول المهلكات من الحرص والطمع
واليأس والهلع والقنوط والجزع.
ثم إياك والغفلة والتسويف وطول الأمل، وأقلعي عن الغرور بالجاه والتفاخر
بالأنساب ولا تتركي العمل وابدئي من اللحظة وأسرعي بأخذ جرعات كافية من الأمصال
الواقية من الإصابة بكافة أمراض النفوس، وتابعي بتناول جرعات الدواء لما جد أو ظهر
عليها من مرض، وستجدين كل ذلك بلا شك في اتباع كتاب الله تعالى القائل سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ
مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ
الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82) والدعوة لذلك عامة.. قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا
فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 57).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل