العنوان رسائل الإخاء: البيع المبرور
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1988
مشاهدات 75
نشر في العدد 890
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 08-نوفمبر-1988
يظن البعض أن الاشتغال بالتجارة منزلق السقوط والانحراف للدعاة، مع أن التجارة من أفضل طرق الكسب وأشرفها إذا توقى التاجر طرق الكسب الحرام والتزم آدابها كالسماحة والصدق والأمانة، وقد علم المسلمون أن خيرة الله من خلقه وصفوته من عباده والمؤتمن على وحيه من بيت كانوا بالتجارة يعرفون، وقد بقي صلوات الله وسلامه عليه برهة من دهره تاجرًا: باع واشترى واستأجر وآجر وضارب وشارك ووكل واستدان ووقف وشفع.. والله أعلم حيث يجعل رسالته، ولم يقسم الله مذهبًا رضيًّا ولا خلقًا زكيًّا ولا عملًا مرضيًّا إلا وخصه منه بأوفر الحظ والنصيب، ولشهرة أمره في ذلك قال المشركون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: 7) فأوحى الله إليه أن الأنبياء قبله كانوا أصحاب تجارات أيضًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ... ﴾ (الفرقان: 20).
وهكذا كان سائر الصحابة.. فهذا خليفته الصديق كان معروفًا بالتجارة الداخلية والخارجية، وقد بعث النبي وعنده أربعون ألفًا يعتق منها ويعول المسلمين حتى قدم المدينة، ولما استخلف غدا إلى السوق وعلى رأسه أثواب يتجر بها، فمنعه عمر وأبو عبيدة، وفرض له المسلمون راتبًا ليتفرغ لمصالح المسلمين. وعمر بن الخطاب يدخل السوق ويشاطر العمال ويتاجر بالعطور، وسالم بن عبد الله كان يقعد في سوق الليل، وعثمان كان من أبرز التجار في الجاهلية والإسلام يضارب ويقرض ويتجر بالأقمشة، وكذلك طلحة بن عبيد الله تجارته الأقمشة، والزبير بن العوام كان جادًّا في التجارة وله ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، قيل له يومًا: أدركت في التجارة ما أدركت! فقال: لم أشتر عيبًا ولم أرد ربحًا والله يبارك لمن يشاء. ولما قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة مهاجرًا قال لأخيه سعد بن الربيع الذي عرض عليه ماله مناصفة: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه من تجارة؟ فدل عليه، فغدا إليه عبد الرحمن حتى أصبح من أصحاب الملايين. وأبو هريرة كان يتجر في الأغنام، وحاطب بن أبي بلتعة سفير المصطفى إلى المقوقس كان يعمل بالمواد الغذائية؛ ترك خلفه أربعة آلاف دينارًا وعقارًا، وسعد القرظ المؤذن يتاجر في مواد الدباغة، وأبو المنهال في الصرافة، وأبو الحصين السلمي في الصياغة، ونوفل بن الحرث في بيع السلاح، وأبو موسى الأشعري في بيع الأدوية، وعثمان بن طلحة حامل مفتاح الكعبة كان خياطًا، وخباب حدادًا، وأبو رافع في صناعة الأواني... إلخ. بل كان منهم من يتاجر في الغزو والجهاد يتبايعون الغنائم، يراهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينهاهم، فضلًا عن جواز الاتجار في سفر الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة: 198).
وكان الإمام البخاري أيضًا صاحب تجارة وزرع ربح منها ألوفًا مؤلفة. فهؤلاء هم القدوة والأسوة لهم ضروب التجارات في البر والبحر ويعملون في بساتينهم ويحترفون أنواع الصناعات، لم يشغلهم الصفق بالأسواق، و﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ (النور: 37) يغلقون حوانيتهم إذا سمعوا النداء، كما قال عبد الرزاق في المصنف: يخرجون للتجارة مبكرين رغبة في البركة؛ لأن تسعة أعشار الرزق في التجارة، والتاجر الجسور مرزوق، والبيع المبرور من أفضل الكسب، وما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من عمل يده، إذا توقى التاجر المكاسب الحرام كالربا والاحتكار والغش.
وقد أجمع أهل العلم كما حكى الإمام الشافعي في الرسالة: أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وقد بعث عمر من يخرج من الأسواق من ليس بفقيه بأحكام البيوع حتى لا يطعم الناس الربا ويضربهم بالدرة. وفي المدخل لابن الحاج: أن عمر تألم حينما رأى أكثر التجار من النبط غير المسلمين، فجمع المسلمين وحذرهم حتى لا يكونوا عالة على غيرهم وبين أن التجارة ثلث الإمارة.
فعليك أيها المسلم: أن تزاول عملًا اقتصاديًّا مهما كنت غنيًّا، وأن تقدم على العمل الحر مهما كان ضئيلًا، وأن تزج بنفسك فيه مهما كانت مواهبك العلمية، والإعراض عن الوظائف الحكومية وغيرها، بل تعتبرها أضيق أبواب الرزق، ولا ترفضها إذا أتيحت لك ولا تتخلى عنها إلا إذا تعارضت مع واجبات الدعوة ومقتضيات الإسلام.