; بين الانتساب والعصبية | مجلة المجتمع

العنوان بين الانتساب والعصبية

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1993

مشاهدات 63

نشر في العدد 1032

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 05-يناير-1993

 

رسائل الإخاء (النسب، الكرامة، والعصبية)

منهج القرآن والسنة في التعارف والنسب

قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).

دعت الآية للاعتناء بالأنساب ما تُوصَل به الأرحام، ويتم به التعارف.

حكى الثعالبي في فقه اللغة: «في تدريج القبيلة من الكثرة إلى القلة أن الشعب أكبر من القبيلة، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، وعن غيره: الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العشيرة، ثم الذرية، ثم العترة، ثم الأسرة».

كما في الحديث: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» (الترمذي)، لا للتفاخر بالآباء والقبائل، فلا كرامة مطلقة بمجرد النسب؛ لتساوي البشرية بانتسابها إلى ذكر وأنثى.

كما قال الشاعر:

الناس من جهة التمثيل أكفاء *** أبوهم آدم والأم حواء

نفس كنفس وأرواح مشاكلة *** وأعظم خلقت فيهم وأعضاء

فإن يكن لهم من أصلهم حسب *** يفاخرون به فالطين والماء

وأخرج البخاري ومسلم عن عياض المجاشعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد».

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم، الذين ماتوا إنما هم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل، الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي الناس كلهم بنو آدم، وآدم من تراب» رواه الترمذي وأبو داود.

فمن كان في الإيمان والتقوى أفضل كان عند الله أفضل.

وما سئل رسول الله عن أكرم الناس؟، قال: أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: «فأكرم الناس يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم» رواه البخاري.


ذم العصبية والمفاخرة بالقبائل

وكما ذم الفخر والتعالي بالنسب مقت العصبية الجنسية أشد المقت بقوله: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية» رواه أبو داود.

وقال أيضًا: «خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يَأْثَم» رواه أبو داود.


فضائل الأقوام والشعوب

وقد وردت في فضائل الأقوام والشعوب والجماعات دلائل كثيرة كالمهاجرين والأنصار، الذين تمنى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لولا الهجرة لكان امرءًا من الأنصار، وكان يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، ويقبل عثرات ذوي الهيئات منهم، ويبين أن آية الإيمان والنفاق حبهم أو بغضهم.

وخير بين دورهم وإحيائهم، ورتب منازلهم بقوله: «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشمل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير» متفق عليه، ومدح قريشًا وجهينة ومزينة، وقال: «أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وأنهم ليس لهم مولى دون الله ورسوله».

وقال: «نعم الحي الأسد والأشعريون»، ومدح بني تميم وحمير وأهل اليمن بأنهم هم ألين قلوبًا وأرق أفئدة»، وذم أقوامًا أُخَر.

بل دعا على بعضهم، بل حتى للشعوب غير العربية لها طبائع طيبة يجب الاستفادة منها كما في حديث مسلم.

عن المستورد القرشي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس»، فقال له عمرو بن العاص: «لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عن فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كَرّا بَعْد فَرّ، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك».


رؤية ابن خلدون للعرب وعلاقة الدين بالملك

ويقول ابن خلدون في مقدمته عن العرب: «وهم متنافسون في الرئاسة، قلّ أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره، ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل، وعلى كره من أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام، فيفسد العمران فينتقض، ثم إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصفة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة، والسبب في ذلك؛ لأنهم أصعب الأمم انقيادًا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة، وبعد الهمة، والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة، أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر، والمنافسة منهم، فسهل انقيادهم، واجتماعهم، وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة، والوازع عن التحاسد والتنافس، فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله، ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق، ويأخذهم بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق، تَم

اجتماعهم، وحصل لهم التغلب والملك، وهم مع ذلك أسرع الناس قبولًا للحق والهدى؛ لسلامة طباعهم من عوج الملكات، وبراءتها من دميم الأخلاق.


خلاصة: الانتماء العقدي ونبذالتعصب القومي

وبهذا يتبين أن هذا النوع من الانتماء، إنما ينفي في الواقع ما يمكن أن ينشأ عند بعض الأقوام والشعوب من نزعات التعصب والغرور والافتخار بالأحساب والأنساب، والذي يؤدي غالبًا إلى إثارة الإحن والعداوات، الأمر الذي يتنافى مع حكمة جعل الناس شعوبًا بقصد التعارف واللقاء، كذلك فإن هذا الانتماء العقدي لا ينفي ما يمكن أن يكون هناك من خصائص وفضائل لبعض الشعوب، إلا أن التأكيد على هذه الخصائص وإبرازها واعتبارها مقياسًا للتفاضل بين الشعوب، التي تشكل أمة واحدة تقوم على أساس العقيدة، سيؤدي إلى نوع من العصبية التي تهدد وحدة الأمة، علمًا بأنه ما من قوم من الأقوام، ولا شعب من الشعوب إلا وله خصائصه، وميزاته وفضائله، وخير للأمة أن تقوم على أساس يجمع كل هذه الخصائص والفضائل والميزات، التي يكمل بعضها بعضًا من أن تقوم على أساس من التعصب القومي الأحمق، الذي يهدر طاقاتها ويشغلها عن حقيقة أهدافها، ويقف حجر عثرة في طريق تقدمها وازدهارها.





 

الرابط المختصر :