; بين التعايش والتناحر | مجلة المجتمع

العنوان بين التعايش والتناحر

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

مشاهدات 57

نشر في العدد 1073

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

الدعوة إلى الله تحتاج إلى جو هادئ خالٍ من المضايقات والعقبات في طريق الدعوة والداعي

لأن بناء الدعوة لا يقوم في الزلازل وانشغال البناة في مدافعة الأذى والاعتداء عن أنفسهم، ولهذا لما توفر للدعوة الجو الهادئ بعد صلح الحديبية دخل في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك الصلح أو أكثر.

وللمسلم أن يستعين بالمسلمين وغير المسلمين؛ لحمايته ممن يريد إيذاءه أو منعه عن تبليغ الإسلام، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه ودعوته في المواسم على قبائل العرب؛ ليصدقوه ويمنعوه من أذى المشركين، ويحتمي بعمه  أبي طالب الذي رفض التخلي عنه، على الرغم من إغراء قريش وتهديدها، ولما مات نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب إلى المطعم بن عدي ليجيره؛ حتى يُبلّغ رسالة ربه فأجاره، وقبول أبي بكر عرض ابن الدغنة للدخول في جواره، وخروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، ومحاولته حقن دماء أصحابه من إيذاء الكفرة وبطشهم بأمرهم بالهجرة إلى الحبشة؛ لأن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد. وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة لا يخفون عنه شيئًا كان بها.


ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صار الكفار من ثلاثة أقسام:

قسم صالحهم ووداعهم على ألا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، وقسم تاركوه فلم يصالحوه، ولم يحاربوه؛ بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن؛ ليأمن الفريقين وهؤلاء هم المنافقون، فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى، فصالح يهود المدينة وكتب بينه وبينهم كتاب أمن وكانوا ثلاث طوائف، وصالح قريشًا وأهل خيبر لما ظهر عليهم، ووادع بني مدلج وحلفاءهم وهم من بني ضمرة وفزارة وغير ذلك من القبائل، ومصالحته لهم ببعض ما فيه ضيم للمسلمين جائز للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناها «الزاد 2/ 70، 2/ 129».

وقال صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت في دار «عبد الله» بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت»، وقال: «لا حلف في الإسلام «أي مما يمنع الشرع كنصر الحليف في الجاهلية ولو كان ظالمًا» وأيما حلف كان في الجاهلية «أي التحالف على طاعة الله من نصر المظلوم وإزالة الظلم والمؤاخاة في الله والقيام في أمر الدين وحفظ العهود» لم يزده الإسلام إلا شدة». رواه مسلم.


قال ابن القيم -رحمه الله- تعليقًا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها».. رواه البخاري 5/ 241.

ومنها أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمرًا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى؛ أجيبوا إليه وأعطوه، وأعينوا عليه وإن منعوا غيره، فيعانون على تعظيم ما فيه حرمات الله تعالى لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب الله تعالى مرضٍ له؛ أجيب إلى ذلك كائنًا من كان، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس».

فخيار إقامة علاقات مع أنظمة لا تحكم شرع الله أو أحزاب علمانية أو دول شرقية أو غربية؛ لابد منه لمصلحة العمل الإسلامي والدعوة إلى الله؛ لتأمين عمليات الإصلاح والتغيير بطريقة، لا تهدر فيها إمكانيات ومكتسبات الشعوب، من خلال الفرقة والتناحر والصراع الذي يؤدي إلى تشتيت جهود الدعوة وتعويق انطلاقها، كما هو جار الآن في بعض البلاد الإسلامية، ولكن ذلك بشروط بألا يكون على حساب معاني الإسلام أو التنازل عن شيء منها، ولكن بالابتعاد عن تصعيد المواجهة وتفويت الفرص أمام مخططات الأعداء الأصليين الذين يستغلون المنافقين والأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية لضرب القوى الإسلامية، فمعرفة هويات هذه الأنظمة جزء من الحل الذي يضع في حسبانه إمكانيات التغيير أو التعايش المؤقت أو التعامل بعيدًا عن الاستدراج، أو السعي لمحاصرتها وتقوية المعارضة ضدها أو الحوار حتى تتضح مواقف الدعوة لدى الملأ.

أما الغرب الذي دائمًا يسيء بنا الظنون، ولا يرضى عنا حتى نتبع ملته، فليعلم أن الإسلام واقع الأمة ومستقبلها، وخير له أن يتعايش مع من سيسود في مستقبل الأيام، من أن يتعامل مع أنظمة مرفوضة من شعوبها، وتلك الأيام نداولها بين الناس.

والإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أئمة في ديارهم، سادة أوطانهم، ولا يحق لأمة أن تبزهم أو تنهب خيراتهم، وأن الصراع يؤدي إلى الحروب التي تدمر مستقبل الشعوب، ولابد أن ينتقل مفهوم الصراع إلى التنافس والتعاون لبناء حضارة إنسانية تسعد بها البشرية، وقد يظن الناس أن نظم الإسلام في حياتنا الجديدة تباعد بيننا وبين الدول الغربية، وتعكر صفو العلائق السياسية بيننا وبينها، وهذا ظن عريق في الوهم لابد أن يتخلص منه ساسة الغرب ومفكروه.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

110

الثلاثاء 26-مايو-1970

ندوة الأسرة الأسبوعية - العدد 11

نشر في العدد 19

108

الثلاثاء 21-يوليو-1970

أفعى خيبر (قصة تاريخية قصيرة)

نشر في العدد 1270

901

الثلاثاء 07-أكتوبر-1997

المجتمع التربوي (1270)