العنوان رسائل الإخاء- رفع الملام عن الأئمة الأعلام
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
مشاهدات 72
نشر في العدد 784
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
في بدايات عصر الأئمة المجتهدين خصوصًا عصر أبي حنيفة- رضي الله
عنه- المتقدم، وجد من أنكر الاحتجاج ببعض أحاديث الآحاد، أو خبر الخاصة، كما يسميه
الشافعي، لكثرة الكذب على رسول الله من النحل والفرق المختلفة، وعدم تمييز الصحيح من
غيره، وقبل وضع الموازين الضابطة، أو جمع الصحيح من الأخبار، والأمة تعتصم بفقهائها
ومحدثيها، فكان أبو حنيفة أول الفقهاء قبولًا لأحاديث الآحاد، يحتج بها، ويعدل آراءه
على مقتضاها، ومن طالع مسنده وكتابي الآثار لأبي يوسف -رحمه الله - رأى أكبر دليل على
ذلك.
ولكنه- رحمه الله- كان يشدد في قبول الحديث حتى يتبين له مع العدالة
ضبط الراوي، والضبط عنده الفقه، ولهذا قصرت رواية من لم يعرف بالفقه عند الترجيح([1]).
وحتى الصحابة- رضوان الله عليهم- كان منهم من رد خبر الآحاد، كعائشة
لما ردت خبر أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه بالأصل الثابت من القرآن، وحديث رؤية النبي
لربه بما فهمته من قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (الأنعام:١٠٣)، ومالك
شيخ فقهاء المدينة يرد بعض أخبار الآحاد لمخالفتها للأصول القطعية كحديث ولوغ الكلب
في الإناء لقوله تعالى:
﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (المائدة:)٤)([2]).
وجل الأحاديث التي يحتج بها أهل البيت على أهل الرأي هي من أحاديث
الآحاد التي لم تكن مستفيضة في العصر الأول لتفرق الصحابة في الأمصار أو نقل عن بعض
الصحابة خلافها([3])، وعلم أنها ليست من
التشريع العام الذي جرى عليه عمل النبي وأصحابه، وليست مما أمر النبي- صلى الله عليه
وسلم- أصحابه أن يبلغ الشاهد فيه الغائب، بل كانت فتاوى النبي لاستفتاء مستفت لمسألة
خاصة، كما في حديث طلق عن مس الذكر أجابه: «إنما هو بضعة منك»، وحديث بسرة «من مس ذكره
فلا يصلى حتى يتوضأ»، والمحققون من أهل الحديث على ترجيح حديث بسرة.
والمجتهدون لم يختلفوا في أصول الدين، ولا في أمهات فروعه أصلًا
لثبوتها بالدلالة القطعية، وإنما اختلفوا في بعض المسائل الفرعية لعدم ثبوت نص قطعي
فيها.
وإجماع العلماء حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة؛ لأنه اختلاف في
أمور فرعية، والاختلاف فيها يوجب اليسر على الناس، وعدم وقوعها في الحرج والبأس، فإن
اضطر الإنسان عمل بما هو الأيسر، وإلا فيعمل بما هو الأحوط والأخرى والأظهر([4]).
(وللحديث بقية).
_____________
([1])
كشف الأسرار للبزدوي٩٩٠/۲ بمعناه.
([2])
انظر رفع الملام لابن تيمية.
([3])
مقدمة المفتي للشيخ محمد رشيد رضا ص 18.
([4])
الجواهر الكلامية للشيخ ظاهر الجزائري ص 58.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل