العنوان رسائل الإخاء: يأكل لحم أخيه ميتًا.
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1988
مشاهدات 85
نشر في العدد 860
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 29-مارس-1988
هاجت ريحٌ منتنة
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن ناسًا من المنافقين اغتابوا
أناسًا من المسلمين، فبُعثت هذه الريح لذلك". وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق". وقال:
"لا يدخل الجنة قتات". وقال لعائشة: "لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء
البحر لمزجته". وقال: "لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون
وجوههم وصدورهم، فقلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس،
ويقعون في أعراضهم".
وشر الناس عند
الله يوم القيامة ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه. وعن أبي الشعثاء
قال: قيل لابن عمر إنا ندخل على أميرنا فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره. قال:
"كنا نعد ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفاق". وهي
ذكرك أخاك بما يكره، والغيبة محرمة ومن كبائر الذنوب، قد يخرجها صاحبها في قوالب
شتى كلها في الإثم سواء. تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: "ليس لي عادة أن
أذكر أحدًا إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله".
ويقول: "والله إنه مسكين، الله يهديه"، أو "رجل جيد لكن فيه كذا
وكذا".
وربما يقول:
"دعونا منه الله يغفر لنا وله"، وإنما قصد تنقيصه وهضمًا لجنابه.
"يخادعون الله وهو خادعهم". ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه فيقول:
"لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان، لما بلغني كذا وكذا"، ليرفع نفسه
ويضعه عند من يحسن الظن. أو يقول: "فلان بليد الذهن قليل الفهم ساذج"،
وقصده مدح نفسه كقول بعض المؤلفين المدعين: "قال بعضهم من يدعي العلم إثباتًا
لعلمه وفضله". ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين:
الغيبة في قالب فجور وقدح. ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب، ليضحك غيره
باستهزائه واستصغار المستهزأ به وموافقة لجلسائه.
ومنهم من يخرج
الغيبة في قالب التعجب فيذكر اسمه في معرض تعجبه. ومنهم من يخرجها بقالب الاغتنام
والتحسر فيقول: "مسكين فلان" وقلبه منطوٍ على التشفي به. ومنهم من يظهر
الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده
غير ما أظهر. هذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه، نسأل الله
السلامة منها. (الفتاوى 28/219) وفي "الدر المختار": "كما تكون
الغيبة باللسان تصريحًا تكون تلميحًا وفعلًا، ورمزًا وإشارة باليد أو وصفًا
وغيره". وفي "شرح الشمائل" لعلي القاري: "إن ذكر إنسان لا
بعينه أو جماعة كذلك بأمر مكروه ليس بغيبة إذا لم يتعين عند السامع والمتكلم، بحيث
تذكر على طريق الإبهام والتعمية لمصلحة دينية ودنيوية، وتباح في كل غرض صحيح شرعًا
كالتظلم والاستعانة على ترك المنكر، وفضح المجاهرين بالمعاصي أو الغاش المفتتن
المبتدع، والاستفتاء عن الشخص لغرض شرعي والتحذير من الشر، ويدخل في تجريح الرواة
والشهود وإعلام من له ولاية عامة يسيره من هو تحت يده، وجواب الاستشارة في نكاح أو
عقد من العقود".
قال ابن القيم
في "الروح" 359: "والفرق بين النصيحة والغيبة أن النصيحة يكون
القصد فيها تحذير المسلم من مبتدع، أو فتان، أو غاش، أو مفسد فتذكر ما فيه. فإذا
وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين فهي قربة إلى الله من
جملة الحسنات، وإذا وقعت على ذم أخيك، وتمزيق عرضه، والتفكه بلحمه، والغض منه لتضع
منزلته في قلوب الناس فهي نار الحسنات". انتهى.
وقال ابن
عابدين: "إن المستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه، وإن خاف
بقلبه. وإن كان قادرًا على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر فلم يفعله لزمه".
اهـ. والتصديق بالغيبة غيبة، وإن قال بلسانه: "أسكت" وهو يشتهي بقلبه،
فذلك نفاق، ولا يخرج به من الإثم ما لم يكرهه بقلبه. ويكفي الندم والتوبة
والاستغفار في الغيبة، وإن بلغه فالطريق أن يأتي المغتاب عنه ويستحل منه، وإن تعذر
بموته أو بغيبته البعيدة أو خوف سخطه عليه، يستغفر الله، ويدعو له بظهر الغيب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل