العنوان رسائل الإخاء.. من طعن يطعن
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993
مشاهدات 58
نشر في العدد 1059
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 27-يوليو-1993
حكم الردة في الشريعة الإسلامية
أجمع أهل العلم على أن الردة كفر من أفحش أنواع الكفر، توجب قتل
صاحبها، وتخليده في النار لقوله تعالى: ﴿وَمَن
يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 217)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا
يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنًى بعد إحصان، وقتل نفس بغير
نفس»، وقال: «من بدل دينه فاقتلوه».
وقال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: أجمع المسلمون من
الصدر الأول من الصحابة والتابعين على أنه من سب الله أو سب رسوله، أو دفع شيئًا
مما أنزل الله- عز وجل- أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًّا بكل ما أنزل الله، وقال
الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله.
وقال ابن تيمية: تحرير القول فيه أن الساب إن كان مسلمًا فإنه يكفر
ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، ويقول الإمام أحمد: أرى أن يقتل
ولا يستتاب!
ثبوت الردة وترتيب أحكامها
وتثبت الردة بإقرار المرتد عن نفسه، أو بشهادة عدلين في قول أكثر أهل
العلم، ويترتب عليها خروج المرتد عن دين الإسلام، وانسلاخه من جسم جماعة المسلمين،
وإهدار دمه لزوال العاصم له، وانقطاع ملكيته، وبطلان تصرفه، وانفساخ عقد زواجه،
كان جادًا في ردته أو هازلًا، ويستتاب المرتد في قول أكثر أهل العلم إلا الساب
للنبي، والمستهزئ بدينه؛ فإنه يقتل في الحال مسلمًا كان أو كافرًا، ولا تصح توبته
إلا علنًا بنطقه بالشهادتين وإقراره بالإسلام ظاهرًا وباطنًا، وتبرئه مما سواه،
ولا تقبل توبته إذا كان سابًا لله أو لرسله أو كتابه، ولا يعذر بجهل ولا سكر ولا
حنق ولا مزاح ولا سبق لسان، وكذا إذا تكررت ردته، أو كان زنديقًا أو ساحرًا.
ولا يقتل المرتد في حال قيام الدولة الإسلامية إلا الإمام الأعظم أو
نائبه، فإن قتله أحد غيرهما يعزر لافتياته على سلطة الإمام، وتعديه على صلاحية ولي
الأمر، ولكنه لا يضمن ولو قتله قبل استتابته، لأنه قتل إنسانًا مهدور الدم قبل
الاستتابة وبعدها. وأما في غياب الدولة الإسلامية والإمام الأعظم؛ فإن المرتد يقتل
بكل وسيلة متاحة للقاتل، وقتله واجبٌ على الفور، وليس لأحد تأخيره، ولو كان ولي
الأمر نفسه، وإلا أثم الجميع، وذلك بكل وسيلة متاحة.
الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية
فالقوانين الوضعية والشرائع الأرضية لا تعتبر الردة عن الإسلام جريمة،
بل لا تراها جنحة تستحق التعزير فضلًا عن العقوبة، ولكنها تعاقب بالإعدام- سحلًا،
أو رميًا بالرصاص، أو خنقًا بالماء أو الغاز، أو تعذيبًا حتى الموت- من يخرج على
نظامها العام، أو يتعرض لذات رئيسها المصونة التي لا تمس!!
والله- سبحانه- أمر بقتل الناكثين لعهد الله وعهد رسوله، الطاعنين في
الدين، وضمن لنا إن فعلنا ذلك أن يعذبهم الله بأيدينا، ويخزيهم، وينصرنا عليهم،
ويشفي صدور المؤمنين الذين تأذوا من نقضهم وطعنهم، فالناكث الطاعن في الدين مستحق
للقتل؛ لئلا يهيج في قلب مؤمن غيظ أعظم من ذلك. وفي هذا كبتٌ لمثل هذا الطاعن من
المنافقين؛ لخوفهم أنهم إن أظهروا ما في قلوبهم قُتِلوا وكل محادٍّ لله ورسوله
كذلك.
وقد جاء في هذا آيات كثيرة منها: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ
وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ
عَذَابٗا مُّهِينٗا * وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ
بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾
(الأحزاب: 57-58)، ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ﴾ (التوبة: 62)،
﴿يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٌ﴾ (التوبة: 64)،
﴿وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ (التوبة:
61).
شواهد من السيرة النبوية
وقد أهدر النبي- صلى الله عليه وسلم- دم من يتعرض له ولدينه بالسب
والثلب، كاليهودية التي تشتم النبي وتقع فيه، وكعب بن الأشرف الذي قال عنه: «من
لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟»، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول
الله أتحب أن أقتله؟ قال: «نعم»، وكان هذا عاهد النبي- صلى الله عليه وسلم- لا
يعين عليه ولا يقاتله، ولحق بمكة، ثم قدم المدينة معلنًا لمعاداة النبي- صلى الله
عليه وسلم- وهجت امرأة من خطمة اسمها العصماء بنت مروان النبي- صلى الله عليه
وسلم- فقال: «من لي بها؟» فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله، فنهض فقتلها، وأبو
عفك اليهودي الذي كان يحرض على عداوة النبي، فقتله سالم بن عمير، وأنس بن زنيم
الديلي قتله غلام من خزاعة بسبب هجوه للنبي، وعبد الله بن سعد بن السرح الذي أبى
رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مبايعته ثلاثًا.
وحديث القينتين اللتين كانتا تغنيان بهجاء النبي، وأهدر يوم الفتح دم
ابن خطل، وعكرمة بن أبي جهل، وبجير بن زهير بن أبي سلمى، وأخيه كعب بن زهير الذي
اشتهرت عنه القصيدة:
أنبئت أن رسول الله أوعدني ** والعفو عند رسول
الله مأمول مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة الــــــــــقرآن فيه مواعيظ وتفصيل
وابن الزبعري الذي كان من أشعر الناس، وكان يهاجي شعراء الإسلام مثل
حسان وكعب ابن مالك، وأبوسفيان بن الحارث أخوه من الرضاعة، أرضعته حليمة أيامًا،
وأعرض عنه الرسول- صلى الله عليه وسلم- لما جاءه مسلمًا، ثم رق له، وعفا عنه.
وأهدر دم الحويرث بن نقيد، ومقيسي بن حبابة، وهبار بن الأسود، وعكرمة، وابن أبي
سرح، وابن خطل، ولو تعلقوا بأستار الكعبة، وقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط.
وأرسل لقتل أبي سفيان عمرو بن أمية الضمري، ولقتل خالد بن سفيان
الهذلي أرسل عبد الله بن أنيس وغير ذلك كثير.. وللتفصيل يرجع لكتاب الصارم المسلول
لابن تيمية.
انظر أيضا:
هل يتعارض حدّ الرِّدة مع حرية الاعتقاد؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل