العنوان من الحياة- رسائل إلى المدخنين (6)- التدخين.. والعناصر المؤثرة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2012
مشاهدات 68
نشر في العدد 2031
نشر في الصفحة 58
السبت 15-ديسمبر-2012
قال لي أحد التائبين عن التدخين: لكم كان يؤلمني وأنا المعلم في مدرسته لما كنت أدخن فيراني تلامذتي، ثم أتذكر يومًا سيأتي فيقلدونني فيه، فيسألني الله عز وجل عن تأثيري السلبي فيه مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ﴾ (يس: 13). ثم يستطرد فيقول: «وأذكر يومًا وقف فيه أحد أولياء الأمور في اجتماع لمجلس الآباء يندد بالمعلم الذي يدخن في مدرسته، وأنه بهذا يعطي قدوة غير صالحة لتلاميذه، ونسي ولي الأمر هذا في غمرة انفعاله أنه يتحدث وفي يده سيجارة مشتعلة، فلما نبهه أحد الحاضرين إلى ذلك كي يرمي السيجارة لما يعبأ بذلك، بل ازداد انفعاله قائلًا: إن التلميذ يتأثر بمعلمه ويقتدي به أکثر بكثير من تأثره واقتدائه بوالده»! فاهتزت مشاعري لهذا الكلام بشدة، وتيقنت كم هؤلاء الآباء يضعون ثقتهم بنا، ويحملوننا أمانة عظيمة، إنهم أفلاذ أكبادهم الذين يرجون أن ترعاهم، وهذا ما ينبغي لكل معلم أن ينشغل به ولا يقصر فيه.
أعز حصاد لأعظم غرس
ما أروع قول الشاعر:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا *** قدمت على التفريط في زمن البذر
أي غرس هو أعظم وأجل من غرس القيم وبناء الرجال؟ وأي حصاد وأكرم وأعز من حصاد الأنبياء ومعلمي الناس الخير؟ يقول النبي ﷺ: «إن الله لم يبعثن معنتًا ولا مُتعننا، ولكن بعثي معلمًا ميسرًا،» (رواه مسلم).
فالمعلم في تلاميذه، والقائد بين جنوده والرئيس بين مرؤوسيه، والطبيب مع مرضاه ومعاونيه، والوالد بين أولاده.. هؤلاء جميعًا هم أصحاب القدوة في مواقعهم، وعلى عوائقهم تقع المسؤولية.
قال لي أحد أولياء الأمور متحسرًا: إنه كان يمر بجوار سور إحدى المدارس يوم العاشر من المحرم في العام الحالي، وهو يوم صيامه سُنة عن رسولنا الكريم، فشاهد مجموعة من المعلمين يدخنون السجائر، فحزن حزنًا شديدًا وتحسر لمجاهرتهم بالمعصية أمام تلاميذهم الذين يفترض أن يكونوا لهم قدوة؛ «فأعين التلاميذ معقودة على المعلمين» كما قال هارون الرشيد عندما أوصى مربي ولده وأوصاه بالقدوة الحسنة، كما استاء ولي الأمر لتفويت المعلمين فرصة التقرب إلى الله في هذا اليوم العظيم، والمصيبة الأكبر أنهم لم يستشعروا مكانتهم والأمانة التي وضعها الله في أعناقهم وهم التلاميذ.
إن المعلم هو ذلك الإنسان الذي يعول عليه كثيرًا، في رفع الجهل، وتعديل السلوك وغرس القيم والأخلاقيات الفاضلة، وتحفيز النفوس، وتنمية المهارات، وتعديل الاتجاهات وحل المشكلات وضرب المثل الأعلى والقدوة الصالحة.
فإن كان التدخين منقصة للناس عامة، فإنه مصيبة كبرى بالنسبة للمعلم؛ لكون المعلم قدوة التلاميذ يقلدونه، ويتقمصون شخصيته.. لقد هالني حديث أحد الطلاب معي عندما سألته هل تعلم أضرار التدخين؟ فقال لي: أنا أحب معلم العلوم وأعتبره قدوتي وأجد متعة عندما أقلده في التدخين، حيث أراني قد حققت صفة من صفاته في ذاتي!!
وحضرت ندوة ذات مرة عن أضرار التدخين، وكنت أحد المتحدثين فيها بإحدى المدارس الثانوية، ولما انتهيت من حديثي شكرني عريف الندوة، وكان أحد معلمي المدرسة، وعندما شكرني لخص حديثي في نقاط، أبرز من خلالها أضرار التدخين، فلاحظت أن الطلاب يتغامزون، فقرأت وجوههم، وأردت أن أتأكد مما فهمته ضمنًا من تغامزهم، فسألت أحد الطلاب لماذا هذا السلوك؟ فأخبرني قائلًا: كنا نتعجب من كلام المعلم، يسرد أضرار التدخين، وينصحنا في حين أنه مدخن شره، فصدق فيه قول الشاعر:
يا أيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى *** كي ما يصح به وأنت سقيم
وأراك تصلح بالرشاد عقولنا *** نصحًا وأنت من الرشاد عقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
فيا أخي المعلم، إنك لا ترضى التدخين لأولادك ولا لزوجتك ولا لحبيب لك، ألا تدرك أنك بتدخينك تنفث سمومًا فتاكة في نفوس تلاميذك؟!
أرجو أن تفكر في سؤالي هذا.
إنك لا تؤذي تلاميذك فحسب، بل تؤذي رسولك يقول: «من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن أذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» (رواه الطبراني). وما أروع قول الشاعر في وصف أذى الدخان حيث يقول:
يؤذي الكرام الكاتبين بنتنه *** وأمام وجهك شعلة من ناره
التجار والتدخين
رسالتي إلى التجار أن يكونوا أمناء، وليست الأمانة مقصورة على خشية الله في احتكار السلع واستغلال الناس، بل تتجاوز ذلك إلى جوانب أخرى، من أهمها ألا يكون سببًا في تعاطي أشياء ضارة بالشعب والوطن من أجل ربح زهيد مهما كثر هذا الربح؛ فاتقوا الله أيها التجار، واحرصوا على أن تربوا أولادكم من حلال، ولا تنسوا أن اللقمة التي جاءت من ربح حرام تدخل جوف أولاده، وتستقر في دمائهم ولحومهم، فلينته التجار عن بيع تلك السلعة الضارة..
إن التاجر عندما يبيع السجائر يفرح لربحه من ورائها، ولا يبين للمشتري أنها ضارة، فأين صدق التاجر وأمانته وأخلاقه التي أوصاه بها رسولنا الكريم ﷺ.
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» (رواه الترمذي في كتاب البيوع).
إن كثيرًا من التجار يحرص على وجود هذه السلعة الخبيثة عنده طلبًا للربح، وكثيرًا ما يتعلل التاجر بقوله إن معظم الزبائن يسألونهم عن السجائر قبل سؤالهم عن أي سلعة آخرى، فإذا لم يجدوها انصرفوا دون شراء غيرها.
أيها التاجر الحبيب، ثق برزق ربك، فليس رزقك على السجائر، وإنما رزقك على ربك، وقد جعله في السماء حتى لا تصل إليه يد الإنسان، قال تعالى: ﴿وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 22)، فهل يستطيع أحد أن يمنع رزق إنسان الذي كتبه له ربه وأوكل إلى ملائكته تقسيمه؟ وهل تستطيع أن تأخذ مالًا لم يقسمه الله لك؟!! وهل تستطيع استعجال رزقك فتقدمه لحظة واحدة عن تلك التي كتبها الله لك؟
إنك أيها التاجر الكريم لن تستطيع أن تزيد في رزقك المكتوب، ولا أن تقدمه، ولا أن تؤخره، إن الذي سيأخذ بأسباب الرزق مطيعا لربه سيحصل ما قسمه الله له، وسيسعد بالرزق الحلال، ويبارك الله له فيه، وسيأتيه رزقه ميسرًا رغدًا، وسينفقه في الخير، كما أن الأرزاق المباركة لا يمكن أبدًا أن تحصلها بمعصية الرزاق...
وليعلم التاجر أن رزقه لن يخطئه أبدًا، فعن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت» (رواه أبو نعيم في الحلية: 7/90، 8/246).
وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله»، وقد أحسن الشاعر التعبير عن هذا المعنى في قوله:
لا تعجلن فليس الرزق بالعجل *** الرزق في اللوح مكتوب مع الأجل
فلو صبرنا لكان الرزق يأتينا *** لكنه خلق الإنسان من عجل
الإعلاميون والفنانون
لقد تناولت في مقال سابق دور الإعلام والفن في عادة التدخين؛ فالممثل الذي يظهر في الفيلم أو المسلسل - وخاصة إن قام بدور البطل - وهو يدخن إنما هو يبث السم وينفت الوباء لتصيب أولادنا؛ لأنهم سيتقمصون شخصيته، وكذلك الإعلام الذي يروج للتدخين.
الرفاق والأصدقاء
معظم المدخلين بدؤوا ممارسة هذه العادة المذمومة من مدخل التجريب أو التحية، وبئست التحية تلك الممارسة، وذلك بأن يقدم المدخن لرفيقه سيجارة من باب أن يجرب، أو أن يتقبل التحية، فيحرص صاحبنا بعد ذلك على اقتناء علبة السجائر، حتى يحيي أصحابه هو الآخر.. فأتمنى أن يقوم الآباء والمربون بأدوارهم التربوية في تبصير أبنائنا بمعايير اختيار الأصدقاء، ونصحهم بتجنب رفاق السوء ورعايتهم لهذه العلاقة وأن يحرصوا على أن يتعرفوا من قرب على أصدقاء أبنائهم.
أبنائي الأعزاء وإخواني الأحباب، يا من جهلت أخطار السم الزعاف وتغافل عن مضاره، من ابتلى نفسه بشرب الدخان، يا من أضاع ماله وآذى نفسه وغيره، يا من عرض نفسه وغيره للأوجاع والأمراض، يا من جار على قوت أطفاله الأبرياء، اتق الله في نفسك وغيرك، يا من غلبت عاداته على عباداته، وانتصر هواه على حب مولاه.. يا من يتلذذ بوضع السيجارة مشتعلة بين شفتيه وتجاهل أخطارها، ألم تعلم بأن الحيوانات تنفر مما تتلذذ به؟! وفي ذلك يقول الشاعر عن الدخان:
وترى الهوام إذا أحس بريحه *** ترك المكان وفر من أوكاره
والنحل لا تلوي إليه لخبثه *** أبدا ولا تدنو من أزهاره
ولنتنه ولقبحه في طعمه *** لم تدن سالمة إلى أشجاره
خذ عبرة من المدخن، فقد اسودت شفتاه واصفرت أسنانه بل صبغت باللون البني وغارت عيناه، وعاش في وجع وهلع.
أيها المدخن، حاسب نفسك قبل أن تحاسب، واعلم أنك بتدخينك تحرق كل شيء، نعم تحرق مالك وصحتك وملابسك.
فلله در الشاعر القائل:
وكم من نقود يا فتى وملابس *** أتلفتها بشرائه وشراره
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل