; رسائل إلى المدخنين (۲).. طعام خبيث فاجتنبوه | مجلة المجتمع

العنوان رسائل إلى المدخنين (۲).. طعام خبيث فاجتنبوه

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2012

مشاهدات 53

نشر في العدد 2026

نشر في الصفحة 59

السبت 10-نوفمبر-2012

يقول أحد التائبين المقلعين عن التدخين: «ليتني قد تنبهت قبل أن أنجرف سنوات طويلة من عمري مع تيارات المجتمع في كل أحواله، فلا أجعل من السيجارة أنيسي، الذي أصحو كل يوم لأبحث عنه مع فنجان القهوة أو كوب الشاي، فأتكلف التقام لقيمات قليلة بما نسميه «مسح الزور»، حتى أؤهل بها نفسي للتدخين، فأبدأ يومي المفعم بالنشاط بهذا الطعام الخبيث الذي كان دائمًا سبب فقداني الشهية سائر يومي، وقد سبب لي متاعب صحية كان أقلها اضطرابًا مستمرًا في الهضم وضعف المناعة، والإصابة بنزلات البرد والأنفلونزا، هذا خلاف نوبات السعال المتواصلة أثناء النوم واليقظة، مما أدى إلى حالة مستمرة من الضعف والإجهاد عند مزاولة أدنى نشاط.

حسبك - أيها المدخن - أن تقرأ مذكرات المدخنين الذين أنعم الله عليهم بالتوبة والإقلاع عن هذا الطعام الخبيث كي تفيق من غفلتك وسباتك، وترى الحقيقة التي طالما غابت عن عقلك وفكرك، وتضع حدا ونهاية لما تتجرعه من سموم لجسدك وعقلك وفؤادك ووجدانك ودينك.

 يقول أحدهم: «من الطرائف التي لا - أنساها أني كثيرًا ما كنت أخرج من بيتي - ربما في ساعة متأخرة من الليل، لأبحث عن = علبة سجائر أشتريها، وعندما لا أجد حانوتًا «دكانا» مفتوحًا.. كنت - مع الأسف - لا أجد حرجًا في أن أقترض عدة سجائر أو حتى سيجارة واحدة من جار أو صاحب مدخن - وربما اضطررت إلى تسوّلها من عابر سبيل لا تربطني به أي صلة!

سبحان الله! ربما يجوع الإنسان ويتعفف، فلا يسمح لنفسه بتسوّل الخبز، فيحفظ ماء. وجهه ويؤثر ذلك على أن يطلب رغيف خبز. يسد جوعته، فانظر - أخي القارئ - إلى هذا الذل الذي يصيب المدخن، والذي يدفعه إلى تلك الدنية!

معلومة طريفة

ومن الطرائف أن تعلم - عزيزي القارئ. أن هذا التسول له علاقة بمخترع السيجارة فقد كان متسولا، وكان يبحث في صناديق القمامة عن بقايا الدخان واحتال مع هذا الدخان كيف يتعاطاه، فهداه شيطانه إلى وضع هذا الدخان في لفافة ورقية، لتأخذ شكل السيجارة الموجودة الآن، ثم قلده أقرانه المتسولون، ومن ثم تلقفتها شركات الدخان وطورتها، فلا عجب إذن أن يتسول المدخنون - بعضهم من بعض السجائر، مادام مخترعها. كان واحدًا من كبار المتسولين.

يقتل زوجته وابنته بسبب ٣ سجائر

تلكم حادثة عجيبة، نشرت بجريدة «الأخبار» القاهرية في صيف ۱۹۹۷م، ومفادها - أن رجلا تشاجر مع زوجته من أجل خمسة - وعشرين قرشًا أصر على انتزاعها منها. ليشتري ثلاث سجائر! فلما رفضت ضربها بآلة حادة، فسقطت مدرجة في دمائها، ولما حاولت ابنتها إنقاذها أجهز عليها، فسقطت هي الأخرى صريعة، لتلحق بأمها على يد هذا المدخن المجرم الذي غيبته السجائر عن وعيه ونزعت من قلبه الشفقة وكل معاني الزوجية والأبوة، وأماتت مشاعره وأحاسيسه !

المدخنون.. وشهر رمضان

يقول أحد المدخنين في مذكراته: «ولكم كان يؤلمني - مع مطلع شهر رمضان كل عام وبما يحمل إلينا من رحمات ونفحات وبركات - أن أجد نفسي بين أفراح المسلمين بقدومه الميمون منقبضا حزينًا، لما سوف ينتابني فيه من ألم الحرمان من الدخان، وما سوف يسببه لي من اضطراب وانفعال، حيث كانت أيامه الأولى تمر بمرارة شديدة، ولا يكاد مدفع الإفطار ينطلق حتى أهرع إلى علبة الدخان لأطمئن على قربها مني، ودون ذلك لا أهنا بأي طعام أو شراب، فغاية أملي منه أن يؤهلني لتدخين سيجارتي الأولى!

ويردف قائلًا: ولقد استلفتني أن توتر أعصابي في نهار رمضان بسبب الحرمان من الدخان، يتلاشى مع مرور الأيام، فينطفئ لهفي للسيجارة، حتى لا أكاد أذكرها.. ولكن رغبتي في السيجارة تصير جارفة مع انطلاق مدفع الإفطار! فأتعجل تناول أي طعام لأبدأ رحلتي مع التدخين في فرحة ليتها كانت بتحصيل ثواب الله، أو بالتمتع بالشهوات الطيبة، كما أخبرنا رسولنا الكريم في تشخيصه لنفس المسلم بقوله: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى ربه فرح بصومه» (متفق عليه).

وإنما مع الأسف هي فرحة الإفطار بالدخان الخبيث، فأظل في تدخين شره خوفًا من شبح الحرمان القادم مع مجيء نهار رمضان!

هل التدخين حاجة جسمية أم نفسية؟ إن الاعترافات الآنفة الذكر لهذا المدخن التائب لتؤكد حقيقة علمية يجب أن يعلمها جميع المدخنين وهذه الحقيقة مفادها أن التدخين ليس حاجة جسمية يحتاج إليها الجسم، وإنما هي حاجة نفسية أو قل: «وهم نفسي».. والدليل على ذلك أن التدخين لو كان حاجة جسمية لازدادت رغبة المدخن فيها مع امتداد ساعات الحرمان منها في نهار رمضان، وذلك لخلو الدم - مع مرور الوقت - من «النيكوتين»، كما ينتظر أن تقل الرغبة فيها على مدى ساعات الليل في رمضان، وذلك لتشبع الدم بسمومها مع كثرة التدخين بل على العكس من ذلك حيث نجد أنه مع الحرمان من التدخين نهارًا تنطفئ الرغبة فيه على مر الأيام، وبرغم التدخين الشره ليلا تتضاعف الحاجة إليه مع مرور الوقت - وقد صرح بذلك المدخنون والسر في ذلك أن الحاجة إلى السيجارة إنما هي في المقام الأول حاجة نفسية؛ لأن النفس التي تركت السيجارة نهارًا انصياعًا لأمر الله عز وجل تحصنت بطاقة إيمانية قهرت إغواء الشياطين، فعرفت عن هواها مخافة الله تعالى، وربما عزف بعض المدخنين عن السيجارة بدافع آخر هو الحياء من الناس وانتقاداتهم، بيد أن الحصانة الأولى هي الأقوى والأشد منعة، لأن الذي يستحيي من الله تعالى لا يمكن أن يغيب عنه سبحانه، لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أما من يستحيي من الناس، فيمكنه أن يختفي بعيدًا عن أعينهم، ثم يفعل ما يشاء.

أجل إن الإنسان ضعيف بنفسه، قوي بولائه لمجتمعه الذي ينتمي إليه، ومن ثم فإنه عندما يخالف معتقدات مجتمعه وعاداته يصيبه الخجل، ولكن ما العمل في مجتمعات أقرت الخطأ وقعدته، ومن ثم فلا حياء ولا خجل؟! 

وما الحل إذا كان المجتمع منضبطًا، والفرد غير منضبط؟ إن الفرد هنالك - كما أسلفت القول - يمكنه أن يختفي عن أعين الناس ليفعل ما يأمره به هواه، ولكنه لن يستطيع أبدا أن يختفي عن عين الله سبحانه فإنه يراه أينما كان وكيفما كان، ومن ثم فينبغي أن يكون الولاء الأول والأكبر لله عز وجل، ثم يأتي من بعد ذلك الولاء للمجتمع وليس معنى ذلك أني أرفض الولاء للمجتمع وإنما أضعه في مرتبته بعد الولاء لله تعالى الذي لا يتم ولا يتحقق إلا بالإخلاص له جل وعلا، ويكون ذلك في طمأنينة ويقين، وما أكثر آيات القرآن الكريم التي تؤكد لنا سلامة المنهج في طاعة الله تعالى أولا، وأن تضبط طاعتنا للبشر بطاعة الله تعالى، وأن تأتي طاع الله ورسوله في الصدارة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء:59)، وقال سبحانه: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام:116)، ويقول أيضا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:105).

سيجارة تصرع قويًا

«ليونيد بريجنيف» هو واحد من رؤساء وزراء الاتحاد السوفييتي السابقين، وصف بأنه رجل قوي، فهو الذي أطاح بسلفه «خرتشوف»، وهيمن على مجلس السوفيت الأعلى، وحكم بلاده بلا منازع، وبرغم قوته هذه فقد هزمته السيجارة! ولعبت به كيفما شاءت تمامًا كما يلعب اللاعبون بالكرة فيحركونها ويوجهونها كما يشاؤون، نعم أذلته السيجارة، ولم يستطع التحكم في نفسه نحوها، حتى لجأ أصحابه إلى أن يصنعوا له علبة سجائر لا يستطيع أن يفتحها إلا كل سبع عشرة دقيقة حتى يتحكم في نفسه ولا يسرف على نفسه في التدخين، وبرغم ذلك صرعته وهزمته لينهار جاثيًا مستسلمًا لقهرها وسلطانها وجبروتها.

مريض عجيب!

حكى لي أحد أصدقائي أن مريضًا أصيب بجلطة دموية، فقال له طبيبه مهددًا: إما أن تقلع عن التدخين وتنتهي عنه تمامًا، وإما ستبتر ساقك لإنقاذك من موت محقق! فرد المريض على الطبيب بعد تفكير طويل مضطرب قائلًا: «سيدي الطبيب هذا البتر.. فوق الركبة أم تحتها»؟! نعم، شر البلية ما يضحك كما يقولون!

وهذا سجين عجيب!

الأصل أن يستر المبتلى على نفسه، لكن العجب كل العجب أن يصرح أحد السجناء السياسيين في مذكراته أنه صبر على أبشع صنوف التعذيب، لكنه لم يصبر على حرمانه من السيجارة فقد كان حسب تصريحاته يعذب حتى يفقد وعيه بين جلاديه فينال إعجابهم، لكنهم علموا أنه مدخن، فمنعوا عنه سجائره، فانهار واستسلم صاغرًا بين يدي المحققين، ليعترف بكل ما أرادوا أن يقتنصوه منه من معلومات، وهكذا هان عليه جسده أن يضرب بسياط جلاديه وهانت عليه كرامته التي ديست بالأحذية والأقدام، لكنه لم يستطع أن يضحي بسيجارته، وهي الطعام الخبيث لذلك قال أحد السجانين يومًا: «إن معظم السجناء المدخنين مستعدون لتلقي لطمة من الحارس في مقابل سيجارة أو نصف سيجارة»، وصدق رب العزة إذ يقول عن أسرى الشهوات: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم:59).. فيا شباب أمتي، ويا رجال أمتي ويا فتيات أمتي، ويا نساء أمتي، من المدخنين والمدخنات ليتكم تراجعون أنفسكم فتقلعوا عن تناول هذه السموم الخبيثات لتستمتعوا بحياتكم وتسعدوا في دنياكم وآخرتكم، وتبلغوا الجنات.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 469

105

الثلاثاء 12-فبراير-1980

الأسرة.. (العدد 469)

نشر في العدد 1136

90

الثلاثاء 31-يناير-1995

فاز من أدرك رمضان فغفر له